شهدت الأيام الماضية حالة من الجدل الكبير في الشارع المصري عقب الإعلان عن فرض ضريبة الهواتف الجمركية الجديدة بنسبة 38.5% على الهواتف المستوردة، ما أثار ردود فعل واسعة بين المواطنين والخبراء الاقتصاديين، خاصةً وقد جاء هذا القرار في وقت يُعاني فيه المواطنون من ضغوط اقتصادية متزايدة ليُضيف عبئًا جديدًا على كاهلهم، فضلًا عن غياب التوضيح الرسمي لأبعاد القرار وأهدافه.
من جانبه كشف محمد شمروخ، الرئيس التنفيذي للجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، عن بدء تطبيق منظومة تسجيل الموبايلات القادمة من الخارج منذ 48 ساعة فقط، مشيرًا إلى أنَّ القرار يهدف لحماية وتعزيز التصنيع المحلي كخطوة استراتيجية لدعم الاقتصاد المصري.
مكافحة تهريب الهواتف
في مؤتمر صحفي بمقر الجهاز في القرية الذكية، أوضح شمروخ أنَّ تهريب الأجهزة الإلكترونية، سواء الهواتف المحمولة أو الأجهزة اللوحية (التابلت)، يمثل تحديًا كبيرًا يعيق الاستثمار المحلي ويضعه في موقف غير تنافسي.
وأضاف أنّ الجهاز بدأ بالفعل باتّخاذ خطوات قانونية صارمة ضد هذه الظاهرة، حيث تم رفع 13 دعوى قضائية تتعلق بتهريب الأجهزة خلال اليومين الماضيين فقط.
كما أكَّد شمروخ أنَّ المنظومة الجديدة تهدف بشكل رئيس إلى حماية المواطن المصري ودعم الصناعة المحلية، موضحًا أنَّ القرار يسمح لكل مواطن بإدخال هاتف واحد للاستخدام الشخصي دون أيّ رسوم إضافية، مع فرض ضوابط لمنع استغلال القرار بشكل غير قانوني.
وأشار إلى أنَّ إساءة استخدام بعض القرارات الحكومية، كما حدث في حالات “سيارات المعاقين”، دفعت الدولة إلى وضع آليات أكثر صرامة لضمان الاستفادة المشروعة.
ضريبة الهواتف وتعزيز التصنيع المحلي
سلَّط شمروخ الضوء على وجود خمس شركات محلية تعمل في تصنيع الهواتف المحمولة داخل مصر، وتستحوذ على حوالي 90% من الأجهزة المستخدمة حاليًا لدى المواطن المصري، لكنّه أشار أيضًا إلى أنّ هذه الشركات تواجه تحديات كبيرة بسبب انتشار عمليات التهريب التي تفتح الباب أمام منافسة غير عادلة، مما دفع الجهاز إلى إصدار القرار الأخير كخطوة لدعم تلك الشركات وتعزيز استثماراتها.
يأتي هذا القرار كجزء من جهود الدولة لمكافحة تهريب الأجهزة الإلكترونية، وضمان توفير بيئة تنافسية عادلة للمستثمرين المحليين، وحماية المواطن من المنتجات غير المطابقة للمواصفات أو المهربة.
وفي سياق حديثه عن التطبيق الجديد المخصص لتسجيل الهواتف المحمولة المستوردة، أوضح شمروخ أنَّ التطبيق شهد تفاعلًا واسعًا منذ إطلاقه، فقد أجرى المستخدمون حوالي 7.5 مليون عملية استعلام عبر التطبيق، بينما تم تنزيله أكثر من 2.5 مليون مرة خلال أول يومين فقط.
وفي ختام حديثه، شدَّد شمروخ على أن الدولة مستمرة في دعم التصنيع المحلي وتطوير البنية التحتية لقطاع الاتصالات لضمان تقديم أفضل الخدمات للمواطنين.
اقرأ أيضًا: صدمة في سوق الاتصالات.. مصر ترفع أسعار الباقات
ردود فعل عنيفة
من جانبه صرح الدكتور رضا عبدالسلام، أستاذ الاقتصاد والخبير الاقتصادي، بأنَّ الجدل الذي تمت إثارته خلال الأيام الماضية حول فرض ضريبة جمركية بنسبة 38.5% على الهواتف المستوردة هو انعكاس طبيعي لحالة الغضب الشعبي التي تصاعدت بسبب غياب الشفافية في شرح أبعاد القرار وأهدافه.
وأوضح أنَّ ردود الفعل العنيفة للمواطنين تأتي في ظل ظروف اقتصادية صعبة، حيث يعاني المواطنون من زيادات متتالية في الضرائب والرسوم المختلفة، مما جعلهم يرفضون هذا القرار بشكل قاطع.
وأضاف عبد السلام في تصريحات خاصة لـ”Econ-Pedia” أنَّ نسبة الضريبة المرتفعة هي أحد الأسباب الرئيسة وراء هذا الجدل، مؤكدًا أنَّ فرض ضريبة جمركية على الهواتف يمثل عبئًا كبيرًا وغير مبرر على المواطن، وقارن ذلك بما حدث في أواخر التسعينيات عندما بلغت ضريبة الأرباح التجارية 43%، الأمر الذي أثار وقتها جدلاً واسعًا بين المستثمرين والمواطنين على حد سواء، مما أظهر أهمية التوازن عند فرض الضرائب.
استثناءات للمصريين العائدين من الخارج
فيما يتعلق بالمصريين المقيمين في الخارج أو العائدين نهائيًا إلى البلاد، أكَّد الدكتور رضا أنَّ هذا القرار يحتاج إلى إعادة نظر جادة، مشيرًا إلى وجود حالة من عدم الوضوح بشأن تطبيق القرار، خاصةً فيما يتعلق بالمصريين الذين يعودون إلى وطنهم بصحبة عائلاتهم، وقد قال في هذا السياق: “هؤلاء الأشخاص لا يجب أن يتم معاملتهم كتجار ويتم فرض هذه الضريبة عليهم”. كما أوضح أنَّ القانون لا يمكن أن يتم تطبيقه بأثر رجعي، وبالتالي فإنّ أيّ هواتف تمَّ شراؤها قبل نهاية عام 2024 يجب أن تكون معفاة من هذه الضريبة.
فضلًا عن ذلك، أشار عبدالسلام إلى ضرورة تقديم استثناءات واضحة للمصريين العائدين نهائيًا من الخارج. مثلاً، إذا عاد أحدهم مع هواتف لأفراد أسرته، فمن غير المنطقي أن يتحمل ضريبة قد تصل إلى 200 ألف جنيه، بل على العكس، يجب أن يتم تقديم حوافز لهم، مثل السماح لهم بشراء هواتف مُصَنَّعة محليًا بأسعار مخفضة، مما يشجعهم على اختيار المنتج المحلي بدلاً من المستورد، وبالتالي دعم الاقتصاد الوطني.
وتناول عبدالسلام أيضًا الحديث عن الصناعة الوطنية، مشيرًا إلى أنَّ مصر بدأت خطوات إيجابية في هذا المجال؛ حيث توجد حاليًا أربعة مصانع تعمل في تجميع الهواتف المحمولة، مثل سامسونج ونوكيا، وتنتج أكثر من 11 مليون هاتف سنويًا، وأكَّد أنَّ هذه المصانع تُوَفِّر فرص عمل لآلاف المصريين، وهي خطوة مهمة نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي في هذا القطاع.
موضوع ذو صلة: مصر الأرخص في المكالمات الهاتفية
تحليل قرار الضريبة وآثاره على السوق
أوضح عبدالسلام أنَّ فرض الضرائب الجمركية على المنتجات المستوردة معروف عالميًا بـ”حماية الصناعات الوليدة”، وهو إجراء اقتصادي شائع لدعم الصناعات المحلية في مراحلها الأولى. لكنّه في الوقت ذاته، شدَّد على ضرورة أن تكون هذه الضرائب معقولة ومدروسة، حتى لا تتحوَّل إلى عبء كبير على المواطنين أو تُؤثر سلبًا على الثقة في السياسات الحكومية.
وفي السياق ذاته، أشار الخبير إلى ضرورة الحفاظ على الوضوح والشفافية في تعامل الحكومة مع هذا القرار، وبيّن أنّه كان من الأفضل أن يتم شرح أهداف القرار بشكل مفصل، مع التركيز على أنّه يهدف لحماية الصناعة الوطنية وتوفير فرص عمل وتحقيق التوازن الاقتصادي، إذ إنّ غياب هذا التواصل أفسح المجال للتأويلات والشائعات، مما زاد من حالة الرفض الشعبي للقرار.
واختتم الدكتور رضا عبدالسلام تصريحاته بالتأكيد على أنَّ أيّ قرار اقتصادي يجب أن يُراعي الظروف الاجتماعية والاقتصادية للمواطنين، خاصةً في ظل التحديات الراهنة، وأوصى بإعادة النظر في نسبة الضريبة لتكون أكثر معقولية، وتقديم حوافز مشجعة للمصريين في الخارج لدعم المنتج المحلي، مع العمل على تحسين جودة الهواتف المصنعة محليًا لتكون منافسة في السوقَين المحلي والعالمي.
قد يهمّك أيضًا: التسهيلات الضريبية في مصر.. خطوة لدعم الاقتصاد وجذب الاستثمارات
