تقرير: باسل محمود
قبل نحو عقد من الزمن، كشفت بكين عن خطة طموحة تحت عنوان “صنع في الصين 2025″، أثارت جدلًا دوليًا واسعًا، لا سيَّما من جانب الولايات المتحدة التي رأت فيها تهديدًا مباشرًا للتوازن الصناعي والتكنولوجي العالمي.
في ذروة الحرب التجارية الأولى، مارس الرئيس الأمريكي حينها، دونالد ترامب، ضغوطًا علنية لدفع الصين إلى إسقاط الإشارات الرسمية للخطة، وهو ما استجابت له بكين ظاهريًا، لكن ما كشفته دراسة حديثة أعدّتها شركة “روديوم غروب” لصالح غرفة التجارة الأمريكية يبيّن أن الخطة لم تُسحب فعليًا من جدول الأولويات، بل واصلت تطوّرها بهدوء خلف الكواليس، ومع مرور الوقت بدأت نتائجها تظهر على أرض الواقع، ليس فقط في الصين، بل في ميزان القوى الصناعي العالمي.
نتائج ملموسة لخطة “صنع في الصين 2025”
تشير الدراسة إلى أن “صنع في الصين 2025” نجحت في تقليص الفجوة التكنولوجية بين الصين والدول الغربية، بفضل سياسة صناعية ممنهجة اعتمدت على تمويل حكومي ضخم، وحوافز ضريبية، وضغوط على الشركات الأجنبية لتوطين الإنتاج والبحث داخل الصين.
وفقًا للأرقام، تراجعت حصة الواردات في القطاعات المستهدفة بشكل كبير؛ ففي قطاع الأجهزة الطبية -على سبيل المثال- انخفضت حصة المنتجات المستوردة من 24% في عام 2015 إلى 14% فقط في 2023. كما سجّلت قطاعات التكنولوجيا المتقدمة، والمواد الجديدة، والروبوتات، والطاقة المتجددة، معدلات نمو في الإنتاج المحلي تفوق المتوسطات العالمية.
كاميل بولينوا، نائبة المدير في “روديوم” والمؤلفة الرئيسية للدراسة، تؤكد أن الصين باتت “مختلفة تمامًا عن عام 2015″، مشيرة إلى أن الدولة اعتمدت سياسة صناعية واضحة هدفها تقليص الاعتماد على الخارج وزيادة التنافسية العالمية.
دعم حكومي واسع النطاق يُعيد تشكيل السوق
الدراسة توثق زيادة ضخمة في الإنفاق الحكومي الداعم للخطة، إذ ارتفعت الامتيازات الضريبية الممنوحة للشركات الصينية في القطاعات المُفضّلة بمعدل سنوي يقترب من 29% بين عامَي 2018 و2022، لتبلغ نحو 1.3 تريليون يوان في عام 2022، ما يعادل 185 مليار دولار، وهو رقم يُمثّل أكثر من نصف الإنفاق الإجمالي على البحث والتطوير في الصين.
كما ارتفعت نسبة الشركات المستفيدة من الحوافز الضريبية أربعة أضعاف بين عامَي 2015 و2023، وفي الوقت نفسه قفزت استثمارات الصناديق الحكومية الموجّهة للقطاعات الاستراتيجية بأكثر من خمسة أضعاف، لتصل إلى 52 مليار دولار.
هذا الدعم الهائل لم يُترجم فقط إلى تحفيز إنتاج محلي، بل أدى إلى تسريع وتيرة تطوير سلاسل إمداد وطنية، وتقليل الاعتماد على المكونات الأجنبية.
اقرأ أيضًا: الصين تبني محطات فحم جديدة حتى 2027 رغم وعودها المناخية
توطين إجباري للشركات الأجنبية
توضح الدراسة أن الصين استخدمت الوصول إلى سوقها الواسعة كأداة ضغط لإجبار الشركات الأجنبية على توطين مراكز البحث والتصنيع داخل البلاد.
هذا الأسلوب ساهم في تعزيز استقلالية الصين في القطاعات التقنية الحساسة، وتوفير بنية تحتية وطنية تغذي الصناعات المحلية، من الهواتف الذكية إلى السيارات الكهربائية.
بولينوا علّقت على ذلك بقولها: “الصين ماهرة جدًا في استخدام نفوذها لإجبار الشركات الأجنبية على توطين التصنيع والبحث”، وهو ما يتسق مع سياسة الانكفاء على الذات التي تنتهجها بكين في وجه التحديات التجارية والجيوسياسية المتصاعدة.
الطيران التجاري.. الحلقة الأضعف حتى الآن
رغم التقدم الملحوظ في معظم القطاعات، لا تزال الصين متأخرة نسبيًا في قطاع الطيران التجاري؛ فرغم الجهود الكبيرة التي تبذلها شركة “كوماك” الصينية لتطوير طائرات تنافس “بوينغ” و”إيرباص”، إلا أن اعتمادها على مكونات أجنبية ما زال واضحًا، لا سيما في المحركات والإلكترونيات الدقيقة.
ومع ذلك، يتوقع التقرير إحراز تقدّم تدريجي في هذا القطاع خلال السنوات المقبلة، خاصة في ظل توجه الصين نحو تطوير محركات محلّية، والاعتماد على سلاسل إمداد داخلية.
فائض الإنتاج الصيني يربك الأسواق العالمية
من جهة أخرى، تحذّر الدراسة من أن تركيز بكين على التصنيع، دون التوسع الكافي في الاستهلاك المحلي، قد أدى إلى اختلال هيكلي بين العرض والطلب داخل الاقتصاد الصيني، وقد دفعت هذه الفجوة بموجات من فائض الإنتاج إلى الأسواق العالمية، لا سيما في قطاعات مثل البطاريات والسيارات الكهربائية، وهو ما تسبّب في توترات تجارية مع دول عدة.
دانيال روزن، الشريك في “روديوم” وأحد مؤلفي الدراسة، يرى أن هذا النمط من التوسع القائم على دعم الإنتاج يشكّل خطرًا على التوازن التجاري العالمي. وأضاف أن السياسات الصناعية الصينية تُنتج كميات تفوق احتياجات السوق المحلي، ما يدفع بكين إلى تصدير الفائض بأسعار مدعومة، في تحدٍ مباشر لقدرة الشركات الأجنبية على المنافسة العادلة.
رد واشنطن والعزل الاقتصادي
الدراسة توضح أنَّ إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لا تزال تُولي اهتمامًا خاصًا بالتصدي للتقدّم الصناعي الصيني، عبر آلية التعرفة الجمركية والتحالف مع اقتصادات أخرى لعزل الصين تجاريًا، ورغم عدم وضوح التفاصيل الكاملة لهذه الاستراتيجية فإن التركيز ينصب على إبطاء انتشار المنتجات الصينية المدعومة في الأسواق العالمية، ومطالبة الشركاء التجاريين بفرض قيود مماثلة.
روزن يرى أن الولايات المتحدة لا تستطيع مواجهة هذه التحديات بمفردها، مؤكدًا أن “التحالف مع اقتصادات كبرى أخرى هو الخيار الواقعي الوحيد”، مشددًا على أن الصين لا تتمتع فقط بالدعم الحكومي، بل أيضًا بسرعة كبيرة في إيصال المنتجات إلى الأسواق، مستفيدة من مركزها الصناعي المتكامل.
اقرأ أيضًا: اتفاق أمريكا والصين.. هدنة تجارية أم فخ اقتصادي جديد؟
تحدٍ عالمي أمام تقدّم الصين الصناعي
الدراسة تنتهي بتحذير ضمني مفاده أن الفجوة التكنولوجية بين الصين والغرب لن تُغلق فجأة، لكنها تتقلص بثبات، وهو ما يستدعي تحركًا استراتيجيًا من الاقتصادات الغربية لمواجهة التحدي.
خطة “صنع في الصين 2025” لم تختفِ، بل تحوّلت من شعار رسمي إلى هيكل عمل فعلي مدعوم بمنظومة متكاملة من الحوافز والسياسات الصناعية، والنتائج باتت ملموسة: تحسّن في القدرة التنافسية، وتقليص الاعتماد على الاستيراد، واختراق متسارع للأسواق العالمية.
قد يهمك أيضًا: الصين والاتحاد الأوروبي يعززان شراكتهما لمواجهة الضغوط الأمريكية
