يشهد برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي تنفذه مصر بدعم من صندوق النقد الدولي تطورات لافتة في المرحلة الراهنة، وذلك في أعقاب إعلان الصندوق عن دمج المراجعتين الخامسة والسادسة، في 3 يوليو 2025، ضمن اتفاق التسهيل الممدد بقيمة 8 مليارات دولار.
ويرى الخبراء أنَّ هذه الخطوة لها دلالة واضحة على مرونة المؤسسة الدولية وثقتها في المسار الإصلاحي الذي تنتهجه الدولة المصرية، كما تعكس في الوقت ذاته الحاجة إلى إتاحة مزيد من الوقت لاستكمال متطلبات الإصلاح الهيكلي وضمان تحقيق مستهدفاته على النحو الأمثل.
أسباب دمج مراجعات صندوق النقد الدولي لبرنامج مصر
أعلن صندوق النقد الدولي عن قراره بدمج المراجعتين الخامسة والسادسة من برنامج التسهيل الممدد الذي يقدمه لمصر بقيمة 8 مليارات دولار، على أن تتم المراجعة الموحدة خلال خريف عام 2025. ويأتي هذا القرار، بحسب الصندوق، لإعطاء الحكومة المصرية مزيدًا من الوقت لتحقيق الأهداف الأساسية للإصلاح الاقتصادي، خاصة في ظل استمرار التحديات التي تواجه الاقتصاد العالمي والمحلي.
وأكدت جولي كوزاك، المتحدثة الرسمية باسم صندوق النقد، خلال إفادة صحفية، أنَّ خبراء الصندوق يعملون بشكل مكثف مع الحكومة المصرية لوضع اللمسات الأخيرة على السياسات الاقتصادية المتفق عليها، لا سيما السياسات المرتبطة بدور الدولة في النشاط الاقتصادي، والتي تمثل محورًا رئيسيًا في خطة الإصلاحات الهيكلية المطلوبة.
وقد أشادت كوزاك بالتقدم الذي أحرزته مصر حتى الآن في تنفيذ برنامج الإصلاح، مشيرة إلى أن البلاد نجحت في تسجيل انخفاض في معدلات التضخم، إلى جانب تحسن ملحوظ في احتياطي النقد الأجنبي، وهو ما يعكس مؤشرات إيجابية على صعيد الاستقرار النقدي والمالي.
ومع ذلك، شدَّدت المتحدثة على أن الإصلاحات الهيكلية لا تزال تتطلب المزيد من الجهد والتسريع، خصوصًا في ملفات حيوية مثل سياسة ملكية الدولة، وبرنامج تخارج الدولة من بعض القطاعات الاقتصادية، وهي خطوات أساسية لتحفيز مناخ الاستثمار وفتح المجال أمام القطاع الخاص ليقود النمو المستدام.
اقرأ أيضًا: قراءة في تقرير صندوق النقد الدولي لخريف 2025
تقييم شامل لملف تقليص دور الدولة
أوضحت كوزاك أن بعثة صندوق النقد التي زارت القاهرة في الفترة من 6 إلى 18 مايو 2025 ركّزت على تقييم التقدم المحرز في الحد من دور الدولة في الاقتصاد، وتحليل البيئة العامة لممارسة الأعمال، كما تضمّن جدول أعمال البعثة مناقشات موسعة حول الملفات المتعلقة بالملكية العامة، وإجراءات دعم القطاع الخاص، وتهيئة المناخ الاستثماري.
وأكدت أن هذه النقاشات أظهرت الحاجة إلى مزيد من الوقت لاستكمال صياغة السياسات العامة، خاصة في ظل تعقيدات ملف الملكية العامة وضرورة تحقيق توازن مدروس بين الإصلاح الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي.
قراءة تحليلية: ما الذي ينتظر الاقتصاد المصري؟
في تعليقه على الخبر، توقّع هاني جنينة، الخبير الاقتصادي، أن يشهد الاقتصاد المصري تحسّنًا ملحوظًا في الربع الأخير من عام 2025، مدفوعًا بزيادة متوقعة في التدفقات الدولارية، بعد قرار صندوق النقد الدولي دمج المراجعتين الخامسة والسادسة ضمن برنامج الإصلاح الاقتصادي المصري، وهو ما اعتبره إشارة واضحة على استمرار التزام الصندوق بدعم الاقتصاد المصري.
وأوضح جنينة أن استمرارية برنامج الصندوق تتجلى في حزمة الإجراءات الأخيرة التي تم إقرارها محليًا؛ أبرزها رفع ضريبة القيمة المضافة على نشاط المقاولات، بالإضافة إلى إلغاء التخفيض الممنوح سابقًا على أسعار الكهرباء للمصانع، والمُقدّر بـ10 قروش لكل كيلووات/ساعة، وهو ما يعكس إصرار الحكومة على المضي في مسار الإصلاح المالي.
وأشار إلى أن خطة التمويل الأساسية للدولة كانت تستهدف جمع حوالي 3.5 مليار دولار من برنامج الطروحات الحكومية قبل نهاية السنة المالية التي انتهت في يونيو 2025، إلى جانب 3 مليارات دولار أخرى من استثمارات مشروع “رأس الحكمة”، إلا أن هذه التدفقات لم تتحقق بسبب حالة التوتر العالمي التي أثارها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منذ بداية العام، والتي ألقت بظلالها على الأسواق العالمية، ودفعت العديد من المستثمرين إلى التريث.
تداعيات التوتر العالمي وتأجيل المراجعة
أوضح جنينة أن التوترات الجيوسياسية المتصاعدة ساهمت في تراجع الثقة في الدولار باعتباره عملة الاحتياطي الأولى في العالم، وأدّت إلى تجميد الاستثمارات في عدد كبير من الأسواق، بانتظار اتضاح المشهد الاقتصادي العالمي.
وفي هذا السياق، تساءل جنينة عمّا إذا كان الاستقرار النسبي الحالي يمكن أن يشكل فرصة ملائمة للتخارج من بعض الأصول بسعر عادل، وإنهاء المراجعتين الخامسة والسادسة لصندوق النقد في شهري سبتمبر أو أكتوبر المقبلين.
توقعات بالتدفقات ومصادر التمويل
رجّح جنينة أن تحصل مصر خلال الربع الأخير من 2025 على دفعة بقيمة 2.4 مليار دولار من صندوق النقد الدولي، ليصل بذلك إجمالي ما حصلت عليه الدولة إلى 5.6 مليار دولار من أصل البرنامج البالغ 8 مليارات دولار، مشيرًا إلى أن هذه المبالغ تعتبر بمثابة إعادة تمويل لمستحقات سابقة واجبة السداد لصالح الصندوق.
كما توقع الخبير الاقتصادي أن تحصل مصر على شريحة أو شريحتين من صندوق الاستدامة والمرونة بقيمة تتراوح بين 300 إلى 600 مليون دولار، بالإضافة إلى نحو 3 مليارات دولار متوقعة نتيجة التخارج من بعض الأصول، في مقدمتها بنك القاهرة.
عودة السندات الدولية
أشار جنينة إلى احتمالية عودة مصر إلى طرح سندات دولية بأسعار فائدة مقبولة، مؤكدًا أن ذلك قد يتزامن مع تحسين النظرة المستقبلية لتصنيف الديون المصرية من “مستقر” إلى “إيجابي”، ولفت إلى أن هذا السيناريو سيحدث على الأرجح في ظل تحسّن الأوضاع الجيوسياسية، لا سيما في حال التوصل إلى اتفاق نهائي لإنهاء الحرب في فلسطين، الأمر الذي سينعكس على تحسُّن حركة الملاحة في مضيق باب المندب، وارتفاع الإيرادات الناتجة عن عبور السفن.
وتوقّع جنينة أن ترتفع إيرادات الصادرات المصرية بشكل ملحوظ، لا سيما نحو دول تشهد عمليات إعادة إعمار، مشيرًا إلى أن قطاع مواد البناء يسجل حاليًا طلبًا غير مسبوق، ما يدعم تعافي الميزان التجاري في بعض القطاعات الصناعية.
واستند جنينة في ترجيحه إلى انخفاض هامش التحوط ضد مخاطر التخلف عن سداد السندات الدولية المصرية، وارتفاع وتيرة الاستثمارات قصيرة الأجل خلال الفترة الأخيرة، وهو ما يشير إلى أن المستثمر الأجنبي بات يستبق الأحداث بإيجابية، على غرار ما يحدث قبيل إعلانات الأرباح في أسواق الأسهم.
اقرأ أيضًا: كيف يعكس رفع التصنيف الائتماني قوة الاقتصاد المصري؟
الاستفادة من خفض أسعار البترول
وبط جنينة بين التفاؤل المرتبط بالاقتصاد المصري وبين التغييرات الأخيرة في أسواق الطاقة العالمية، موضحًا أن مصر من الدول المستفيدة من انخفاض أسعار البترول، كما أشار إلى أن قرار ترامب بإلغاء القيود المفروضة سابقًا على أنشطة التنقيب، إلى جانب نية منظمة أوبك زيادة الإنتاج بوتيرة أعلى من المتوقع، قد يسهم في خفض كلفة الواردات من الطاقة لمصر وتحسين ميزان المدفوعات.
واختتم جنينة تحليله بالتأكيد على أن الإصلاحات الاقتصادية خلال عام 2025 ستكون أكثر سلاسة مقارنة بما واجهته الحكومة في عامي 2023 و2024، مرجعًا ذلك إلى ما وصفه بـ”الرياح المواتية” التي بدأت تدفع عجلة الاقتصاد إلى الأمام، بعد سنوات من التقلبات الحادة.
مستقبل علاقة مصر مع صندوق النقد الدولي
حول مستقبل علاقة مصر مع صندوق النقد الدولي بعد ذلك القرار، أكد الدكتور أحمد شوقي، الخبير المصرفي، أن هناك عدداً من التحركات الإيجابية التي ستنعكس بشكل مباشر على مسار التعاون مع الصندوق خلال المرحلة المقبلة، مشيرًا إلى ما يأتي:
برنامج الطروحات وتقييم صفقة بنك القاهرة
قال الدكتور شوقي إن مصر تمضي قُدمًا في تنفيذ برنامج الطروحات الحكومية، من خلال مفاوضات نشطة تهدف إلى تحقيق تقييم عادل لصفقة بيع بنك القاهرة، بالإضافة إلى مؤسسات غير مالية أخرى. ومن المتوقع أن يسهم هذا البرنامج في جذب استثمارات مباشرة بنحو 3 مليارات دولار أمريكي، مما يعزز موقف السيولة الأجنبية في البلاد.
تحسن التصنيف الائتماني والنظرة المستقبلية
لفت شوقي إلى أن مصر حققت تقدمًا ملحوظًا على صعيد التصنيف الائتماني، ما انعكس في تحسن النظرة المستقبلية إلى نظرة إيجابية، وهو ما يعكس ثقة المؤسسات الدولية في قدرة الدولة المصرية على الوفاء بالتزاماتها الخارجية والمالية.
إصدار الصكوك السيادية
أشار إلى أن التوجه المصري نحو إصدار صكوك سيادية خطوة ذكية لجذب حصيلة دولارية جديدة، الأمر الذي سيدعم دخول مصر إلى أسواق السندات الدولية مستقبلاً، خاصة في ظل التحسن الجاري في التصنيف الائتماني، ما يزيد من جاذبية أدوات الدين المصرية أمام المستثمرين الأجانب.
أداء إيجابي للقطاعات الاقتصادية
أوضح شوقي أن هناك تحسنًا في مؤشرات عدد من القطاعات الاقتصادية الحيوية، وفي مقدمتها السياحة والصادرات، بالإضافة إلى التحسن التدريجي في إيرادات قناة السويس. ويأتي هذا التحسن مدعومًا بانخفاض وتيرة التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط، ما يعيد الاستقرار إلى حركة التجارة والملاحة الإقليمية.
أكّد الدكتور أحمد شوقي أن هذه المؤشرات تعكس تحسنًا تدريجيًا ومستدامًا في أداء الاقتصاد المصري، ما يعزز فرص استكمال المراجعات المتبقية مع صندوق النقد الدولي، ويفتح المجال أمام مصر لتوسيع برامجها الإصلاحية بدعم دولي متجدد.
قد يهمّك أيضًا: قراءة تحليلية في موازنة مصر 2025/2026.. أرقام متضاربة وجدالات محتدمة
