اقتصادات عربية

    كيف أصبح المغرب لاعبًا رئيسيًا في صناعة الطيران؟

    •آخر تحديث •9 دقائق
    كيف أصبح المغرب لاعبًا رئيسيًا في صناعة الطيران؟

    على مدار العقدين الماضيين، نجح المغرب في تحويل صناعة الطيران إلى إحدى أبرز قصص النجاح الصناعي في المنطقة، ليصبح اليوم مركزًا إقليميًا ودوليًا لهذه الصناعة الاستراتيجية، وجاذبًا رئيسيًا لكبرى شركات الطيران العالمية.

    ولم يقتصر تطور صناعة الطيران في المغرب على البنية التحتية والاستثمارات فقط، بل امتد ليشمل الاستثمار المنهجي في التعليم والتكوين التقني؛ فقد أنشأت الدولة معاهد متخصصة لتدريب وتأهيل الشباب المغربي بالمهارات الدقيقة المطلوبة في هذا القطاع المتقدّم، ما ساهم في توفير كفاءات بشرية عالية التأهيل، تستجيب لمتطلبات الجودة والإنتاج العالمية.

    ورغم التحديات الكبيرة التي واجهت صناعة الطيران عالميًا، خصوصًا في ظل التقلبات الاقتصادية وسلاسل التوريد، يواصل المغرب السير بخطى ثابتة نحو تعزيز حضوره في هذا المجال، وذلك من خلال خطط واضحة لتوسيع القدرة الإنتاجية، وتشجيع الابتكار، وتطوير البحث العلمي المرتبط بالصناعات الجوية.

    وبفضل هذا التوجه، يُتوقّع أن يتجاوز المغرب حدود الصناعة التقليدية، ليُرسّخ مكانته كمركز عالمي للابتكار في صناعة الطيران، ويواصل جذب استثمارات جديدة تدعم نموه الصناعي وتنافسه في الأسواق الدولية.

    بداية نمو صناعة الطيران في المغرب

    رغم أن البدايات الأولى لصناعة الطيران في المغرب تعود إلى تسعينيات القرن الماضي، إلا أن التحول الحقيقي بدأ مع مطلع الألفية الثالثة، عندما تبنّت المملكة سياسة صناعية طموحة استهدفت جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وإنشاء مناطق صناعية متخصصة.

    وكانت منطقة النواصر الصناعية، المعروفة بـ”ميدبارك” قرب الدار البيضاء، من أبرز المحطات في هذه المسيرة؛ حيث تحوّلت إلى القلب النابض لصناعة الطيران في المغرب، مستضيفةً عشرات الشركات العالمية العملاقة مثل بوينغ، إيرباص، وسافران.

    ويُرجع خبراء الاقتصاد نجاح المغرب في تطوير هذا القطاع إلى مزيج من العوامل الاستراتيجية؛ في مقدّمتها الموقع الجغرافي المميز بين أوروبا وإفريقيا، والذي يمنح الشركات سهولة النفاذ إلى أسواق متعددة، بالإضافة إلى شبكة اتفاقيات التجارة الحرة مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة التي عززت من جاذبية المغرب كمركز صناعي عالمي.

    التعليم والتدريب: ركيزة نجاح المغرب في صناعة الطيران

    يؤكّد الدكتور كريم العمدة، أستاذ الاقتصاد الدولي، أن من أبرز العوامل التي أسهمت في نجاح المغرب في قطاع الطيران هو الاستثمار الاستراتيجي في التعليم والتدريب، إذ حرصت المملكة على إنشاء معاهد متخصصة لتأهيل الكوادر البشرية وفقًا لأعلى المعايير العالمية. ويُعد المعهد المتخصص في مهن الطيران ولوجستيك المطارات (ISMALA) مثالًا بارزًا على هذا التوجه؛ حيث يساهم في تأهيل آلاف الشباب المغربي وتزويدهم بالمهارات التقنية والمعرفية المطلوبة للعمل في هذه الصناعة الدقيقة.

    وأشار العمدة إلى أن التعاون الوثيق بين الحكومة المغربية وكبرى الشركات العالمية العاملة في المجال مكّن من تطوير برامج تدريبية متقدّمة، ما يضمن تدفّقًا مستمرًا للكفاءات المحلية المؤهلة، ويُسهم في تقليص الاعتماد على الخبرات الأجنبية، وتعزيز الاستقلالية الصناعية في هذا القطاع الحيوي.

    مواجهة التحديات بالابتكار والتوسع الصناعي

    رغم التحديات التي تواجه صناعة الطيران عالميًا، مثل تقلبات الأسواق وسرعة التحوّل التكنولوجي، يرى العمدة أنَّ المغرب يمتلك من المقومات ما يؤهله للتعامل بفعالية مع هذه المتغيرات. ويشير في هذا السياق إلى الخطط الوطنية الطموحة للتوسع في تصنيع مكونات الطائرات، وزيادة الاستثمار في البحث والتطوير، تأتي بهدف تعزيز القدرة التنافسية للصناعة المحلية ومواكبة التحوّلات العالمية في هذا المجال.

    وفي ختام حديثه، شدّد الدكتور كريم العمدة على أن صناعة الطيران في المغرب لم تعد مجرد نشاط صناعي تقليدي، بل أصبحت قصة نجاح مستدامة تجسّد الرؤية الاستراتيجية والطموح الوطني، القائمَين على الاستثمار في الإنسان والبنية التحتية الذكية. كما أكّد أن استمرار هذا النمو وتحقيق التميز العالمي في هذا القطاع، يعكس الحلم المغربي في ترسيخ موقعه كلاعب محوري في سوق الطيران الدولي.

    اطّلع أيضًا على أبرز العوامل التي جعلت من المغرب قوة صاعدة في صناعة الطيران!

    المغرب يعزّز موقعه كمحور إقليمي في صناعة الطيران

    ترى الدكتورة منال العشري، أستاذ الاقتصاد الدولي، أن مستقبل صناعة الطيران في المغرب يبدو واعدًا، ويعكس تطورًا متسارعًا في السنوات الأخيرة، مشيرة إلى أن المملكة باتت لاعبًا محوريًا في هذا القطاع على مستوى القارة الإفريقية ومنطقة البحر الأبيض المتوسط، وذلك بفضل التدفق المستمر للاستثمارات، وتوسّع الشراكات الدولية، إلى جانب التحسينات المتواصلة في البنية التحتية الصناعية.

    وفي تصريحات خاصة لـ “Econ-Pedia”، أكدت العشري أن أحد العوامل الرئيسية التي دفعت بهذه الصناعة نحو التقدّم هو الموقع الجغرافي الاستراتيجي للمغرب، الذي يجعله حلقة وصل مثالية بين أوروبا وإفريقيا، ووجهة مفضّلة للشركات العالمية الراغبة في التوسّع داخل القارتين.

    وأوضحت العشري أن الحكومة المغربية تضطلع بدور فاعل في دعم قطاع الطيران، عبر تقديم حوافز مالية وجذب استثمارات أجنبية نوعية، مشيرة إلى أن خطة التسريع الصناعي التي تبنّتها المملكة قد شكّلت خارطة طريق واضحة لتطوير القطاع، وتعزيز قدراته التنافسية على المستويين الإقليمي والدولي.

    وتابعت: “على مدار العقدين الماضيين، شهد المغرب تطورًا ملحوظًا في الصناعات الجوية، حيث تم إنشاء عدد كبير من المنشآت الصناعية المتخصصة في تصنيع وتجميع مكونات الطائرات، مدعومًا باستثمارات ضخمة من شركات رائدة مثل بوينغ وإيرباص، وقد ساهمت هذه المشروعات في ترسيخ بنية تحتية صناعية قوية، تُعد اليوم من بين الأفضل في المنطقة، ما زاد من جاذبية المغرب للاستثمارات الدولية في مجال الطيران”.

    ووفقًا للعشري، فإنّه يُتوقع أن تستمر صناعة الطيران في المغرب في النمو بفضل هذه العوامل، كما أن الاستثمارات في التقنيات الحديثة مثل الطائرات الكهربائية والمركبات الجوية غير المأهولة قد تفتح آفاقاً جديدة لهذه الصناعة، بالإضافة إلى التحول نحو الاستدامة والاهتمام بالبيئة، مما قد يقود إلى تطوير حلول جديدة تتماشى مع المعايير الدولية الصارمة.

    اقرأ أيضًا: مصر والمغرب تقودان الاستثمارات الأجنبية المباشرة في 2025

    حجم صناعة الطيران في المغرب

    يعتبر المغرب حالياً مركزاً إقليمياً مهماً في صناعة الطيران، ومستقبله في هذا المجال يبدو مشرقاً بفضل السياسات الحكومية الداعمة للاستثمار في التعليم والبنية التحتية، والشراكات العالمية القوية.

    ووفقًا للبيانات الصادرة عن وزارة الصناعة والتجارة المغربية، بلغ إجمالي قيمة صادرات قطاع الطيران في البلاد 10.7 مليارات درهم، ما يعادل مليار دولار، خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2024، مسجلة نموًا بنسبة 18%، مقارنةً بالفترة نفسها من عام 2023، وهذا النمو كان مدفوعًا بشكل خاص بزيادة مبيعات قطاع التجميع.

    وفي عام 2023، حققت صناعة الطيران في المغرب صادرات بقيمة 22 مليار درهم، بزيادة بلغت حوالي 38% مقارنة بعام 2021، وهو ما يعكس النمو المستمر للصناعة في المملكة؛ حيث أصبحت  تستقطب أكثر من 140 شركة عالمية في مجال صناعة الطيران، بما في ذلك عمالقة مثل شركة إيرباص الأوروبية وبوينغ الأميركية، ما يؤكد مكانة المغرب كشريك استراتيجي يتمتع بجودة وتنافسية عاليتين في هذا القطاع.

     المغرب تُطلق مناقصة دولية لتشغيل أكبر حوض لبناء وصيانة السفن في إفريقيا.. اقرأ التفاصيل!

    شراكات استراتيجية ومشاريع صناعية

    ضمن استراتيجية متكاملة لتعزيز ريادة المغرب في صناعة الطيران، تم تنفيذ عدد من المشاريع الصناعية النوعية التي شكّلت دفعة قوية لقدرات البلاد في هذا المجال الحيوي.

    ومن أبرز هذه المشاريع، افتتاح شركة “سابكا المغرب” في عام 2022 مصنعًا جديدًا بالقرب من مطار الدار البيضاء، متخصصًا في التصنيع والتجميع شبه الكامل لهيكل طائرة “PC-12″، الأمر الذي يمثّل خطوة متقدّمة في تعزيز خبرات المغرب في مجال تصنيع هياكل الطائرات.

    توسع في الشراكات الدولية خلال معرض فارنبورو للطيران

    شهد معرض “فارنبورو” للطيران في بريطانيا، يوليو الماضي، توقيع مجموعة من الاتفاقيات النوعية التي عززت حضور المغرب على الساحة الدولية؛ فقد تم توقيع بروتوكول اتفاق مع شركة “كولينز إيروسبيس”، إحدى أكبر شركات الطيران العالمية، بهدف إنشاء منظومة توريد خاصة بها في المغرب، ما يمهّد الطريق أمام تكامل أكبر في سلسلة الإمداد الصناعية.

    وفي خطوة استهدفت معالجة واحدة من الحلقات المفقودة في سلسلة التوريد الوطنية، تم توقيع مذكرة تفاهم مع شركة “غال إيروسبيس” الكندية لإنشاء مشروع مشترك داخل المملكة، يركّز على تطوير وحدة إنتاج وتعديل الأجزاء الداخلية لمقصورات الطائرات، وهو ما يُسهم في توسيع قدرات التصنيع المتخصص داخل المغرب.

    توطين تصنيع المحركات وتطوير الكفاءات المحلية

    وقّعت المملكة اتفاق شراكة مهم مع مجموعة “أسيتوري” الإسبانية (ACITURRI) لتوطين أنشطتها في منطقة “ميدبارك” الصناعية، حيث يهدف المشروع إلى تطوير منظومة متكاملة لصناعة أجزاء محركات الطائرات، بما يشمل نقل التكنولوجيا وتدريب الكفاءات المغربية وتأهيلها للمشاركة الفعلية في هذه الصناعة عالية الدقة.

    خطط وتوقعات استثمارية واعدة

    تتوقع وزارة الصناعة المغربية أن يشهد عام 2024 تدفّق استثمارات إضافية في قطاع المعدات المرتبطة بصناعة الطيران، بقيمة تقديرية تصل إلى 2.5 مليار دولار، لتُضاف إلى سلسلة المشاريع التي تُعزّز من قدرة المغرب على تحقيق معدل اندماج محلي أعلى داخل القطاع، وترسيخ موقعه كمنصة تنافسية عالمية في مجال تصنيع الطائرات ومكوّناتها.

    ومن جانبه، يقول الدكتور ياسر حسين، الخبير الاقتصادي، إنَّ قطاع صناعة الطيران في المغرب يواجه مستقبلاً واعداً، يتسم بالتقدم التكنولوجي، والتوسع في الأسواق الدولية، وتعزيز الاستدامة البيئية، وإنَّ وزارة الصناعة وضعت خططاً طموحة تهدف إلى تطوير القطاع بشكل كبير، مع التركيز على تحقيق هدف تجميع أجزاء طائرة كاملة بحلول عام 2030. وتشمل هذه الخطط:

    • تنويع القدرات الصناعية: من خلال استهداف الأنشطة ذات الإمكانات العالية والقيمة المضافة الكبيرة، يسعى المغرب إلى توسيع مهارات القطاع وطرح وظائف جديدة.
    • تنويع الشركاء: التركيز على تنويع الموردين والعملاء ضمن منصة الطيران المغربية، مع الاستفادة من الخبرة المغربية لخدمة الدول الأفريقية في مجالات مثل الصيانة والإصلاح والمراجعة والهندسة.
    • مواكبة تطورات سوق العمل: تعمل الوزارة على مراقبة تطورات سوق العمل العالمية لتلائم العرض التدريبي مع المتطلبات المهنية الجديدة التي تظهر في صناعة الطيران.
    • تقليل انبعاثات الكربون: من خلال تشجيع استخدام الطاقة النظيفة وتحسين كفاءة الطاقة بين الشركات العاملة في القطاع، يهدف المغرب إلى تقليل البصمة الكربونية لصناعة الطيران.
    • توجيه الأسواق العامة: وخصوصًا العسكرية، نحو تطوير أنشطة قطاع الطيران، بما يعزز من مكانة المغرب في هذه الصناعة الحيوية.

    التفاؤل باقتصاد المغرب في 2025.. هل يتحقق؟ اقرأ تفاصيل تدابير الحكومة المغربية!

    من الكمية إلى الجودة: رؤية استراتيجية لتعزيز تنافسية

    يرى الدكتور ياسر حسين، الخبير في الاقتصاد الصناعي، أن تجربة المغرب في صناعة الطيران تمثل نموذجًا فريدًا في التحول الاستراتيجي؛ إذ بدأت الدولة بالتركيز على جذب الاستثمارات وزيادة الإنتاجية، لتنتقل في مرحلة لاحقة إلى تحسين جودة المنتجات الصناعية، مما أسفر عن مستويات متقدّمة من التركيز الصناعي ورفع القدرة التنافسية للمملكة في واحدة من أكثر الصناعات تطورًا على مستوى العالم.

    ويؤكد الدكتور حسين أن هذا التحوّل في الرؤية الصناعية، من الكم إلى النوع، يعكس نضجًا في التخطيط والتوجيه الاستثماري، ويمنح المغرب قدرة أكبر على اختراق الأسواق الدولية وتلبية متطلبات الشركات العالمية الكبرى في قطاع الطيران.

    الفجوة بين الطيران والسيارات

    رغم التقدّم اللافت في صناعة الطيران، يشير الخبير إلى أن الدخل المحقق من هذا القطاع لا يزال محدودًا مقارنةً بصناعة السيارات، التي سجلت إيرادات بلغت نحو 141 مليار درهم (14.1 مليار دولار) في عام 2023، بينما بلغ إجمالي صادرات الأنشطة الصناعية في المغرب نحو 375 مليار درهم (37.5 مليار دولار)، لم تُشكّل منها صادرات قطاع الطيران سوى 22 مليار درهم (2.2 مليار دولار).

    هذا التفاوت، بحسب الدكتور حسين، لا يقلّل من أهمية صناعة الطيران، بل يكشف عن فرص واعدة للنمو والتوسع، خاصةً في ظل ما تمتلكه المملكة من منصات صناعية متطوّرة، وقاعدة قوى عاملة محترفة تتكوّن من تقنيين ومهندسين مؤهلين على أعلى مستوى.

    جذب الاستثمارات وتوسيع القاعدة الصناعية

    يؤكّد الخبير أن هذه المنظومة الصناعية المتكاملة تمثل عنصر جذب قوي للشركات العالمية، خصوصًا شركات الطيران الأمريكية، ما يعزّز من تدفّق الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى المغرب، ويُمهّد الطريق نحو تحوّله إلى مركز صناعي متكامل يخدم أسواق إفريقيا وأوروبا على حد سواء.

    وفي ختام حديثه، شدّد الدكتور حسين على أن الطموح المغربي لم يعد يقتصر على لعب دور قاعدة لتصنيع مكونات الطائرات، بل يتجه نحو بناء مركز إقليمي متكامل للبحث والتطوير والابتكار في قطاع الطيران، بما يعزز من مكانة المغرب على خارطة الدول الرائدة في صناعة الطيران المدني والعسكري، ويؤسس لمرحلة جديدة من التميز التكنولوجي والإنتاجي في المنطقة.

    اقرأ أيضًا: تمديد خط القطارات فائقة السرعة بالمغرب بتكلفة 10 مليارات دولار