الذهب والفضة

    صناديق الذهب المتداولة في 2024: التوترات والفرص الاستثمارية

    بقلم دانا تيسير••آخر تحديث •4 دقائق
    صناديق الاستثمار المتداولة في البورصة (ETFs) للذهب.

    شهدت صناديق الذهب المتداولة (ETFs) نقطة تحول لافتة؛ إذ سجلت تدفقات داخلة للشهر الثاني على التوالي، مجتذبةً 1.4 مليار دولار في يونيو. وجاء هذا الانتعاش مدفوعاً بزيادة جاذبية المعدن الأصفر للمستثمرين المحليين في مختلف الأقاليم نتيجة لانخفاض عوائد السندات في المناطق الرئيسة وضعف العملات غير الدولارية، مما دفع إجمالي الحيازات الإجمالية نحو التعافي، مع استقرار إجمالي الأصول المدارة عالمياً عند 233 مليار دولار.

    خسائر تاريخية وتفوّق آسيوي كاسح

    على الرغم من الانتعاش الأخير، تكبدت صناديق الذهب خسائر بلغت 6.7 مليار دولار منذ بداية العام، مسجلةً أسوأ أداء نصف سنوي لها منذ عام 2013. ومع ذلك، نجح الارتفاع الكبير في أسعار الذهب والتدفقات الأخيرة في دفع إجمالي الأصول المدارة للنمو بنسبة 8.8% على أساس سنوي.

    وتوضح المؤشرات الرقمية حجم التباين الإقليمي الحاد في حركة السيولة وحيازات الصناديق:

    • انكماش الحيازات العالمية: تراجعت الحيازات الإجمالية بمقدار 120 طناً لتستقر عند 3,105 أطنان، وهو مستوى يقل كثيراً عن الذروة التاريخية المسجلة في أكتوبر 2020 البالغة 3,915 طناً.

    • الرقم القياسي الآسيوي: حققت الصناديق الآسيوية أداءً تاريخياً غير مسبوق باجتذابها 3 مليارات دولار خلال النصف الأول، لتكون المنطقة الوحيدة التي سجلت تدفقات موجبة.

    • نزيف الغرب الجماعي: تفوقت التدفقات الداخلة لآسيا بشكل ملموس على الخروج الجماعي للسيولة من أسواق أمريكا الشمالية وأوروبا، والذي بلغ مجتمعاً 9.8 مليار دولار.

    ما الذي يُحرّك قرارات المستثمرين؟

    يوضح أحمد عزام، المحلل الأول لأسواق المال في مجموعة Equiti، الأهمية الهيكلية لهذه الصناديق قائلاً: "تُشكل صناديق الاستثمار المتداولة المدعومة بالذهب والمنتجات المماثلة ركيزة أساسية في السوق؛ إذ تعكس حركتها الرغبات والتوجهات قصيرة وطويلة الأجل للمستثمرين الأفراد والمؤسسات".

    وأضاف: "يمكن إرجاع التدفقات الداخلة الأخيرة إلى تصاعد التوترات الجيوسياسية في أوروبا الشرقية والشرق الأوسط، والمخاوف من التباطؤ الاقتصادي، وضغوط التضخم المستمرة، وهي عوامل دفعت البنوك المركزية الكبرى لتعديل سياساتها النقدية وزيادة مخصصات الذهب".

    ومن جانبه، يرى جو يرق، رئيس قسم الأسواق العالمية في Cedra Markets، أن التخارجات التي شهدتها صناديق الذهب في النصف الأول من العام هي إجراء استثماري طبيعي؛ فوصول المعدن الأصفر إلى ذروته التاريخية عند $2,450$ دولاراً للأونصة، وما تلا ذلك من تصحيح سعري، دفع المستثمرين إلى بيع حصصهم لاقتناص الأرباح، وهو ما يفسر خروج السيولة من هذه الصناديق.

    اقرأ أيضًا: معيار الذهب.. النظام النقدي الذي غيّر شكل الاقتصاد العالمي

    الأسواق الغربية تحت ضغط الأسهم والدولار

    تفاوتت استجابة الصناديق المتداولة بحسب البيئة المالية والسياسية لكل منطقة:

    أمريكا الشمالية: تفوق وول ستريت وقوة الأخضر

    واصلت الصناديق في أمريكا الشمالية تسجيل تدفقات خارجة طفيفة بلغت 573 مليون دولار في يونيو، لتصل خسائرها النصف سنوية إلى 4.9 مليار دولار (الأعلى في 3 سنوات).

    وتعود هذه الخسائر إلى قوة الدولار وانتعاش أسواق الأسهم التي صرفت أنظار المستثمرين عن الذهب رغم تراجع عوائد السندات الحكومية، وإن كانت الاضطرابات الجيوسياسية قد حدت نسبياً من وتيرة النزيف. ورغم تراجع الحيازات بمقدار 78 طناً، فإن قفزة أسعار الذهب بنسبة 13% رفعت إجمالي الأصول المدارة في المنطقة بنسبة 7.7%.

    أوروبا: سياسات نقدية مغايرة واضطراب سياسي

    سجلت الصناديق الأوروبية تدفقات داخلة بقيمة 1.4 مليار دولار في يونيو للشهر الثاني على التوالي، ممتصة جزءاً من خسائر النصف الأول لتستقر عند صافي تخارج بقيمة 4.9 مليار دولار. وجاء هذا الانتعاش نتيجة تبني البنوك المركزية الأوروبية سياسات تيسيرية مغايرة لمسار الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي؛ حيث خفض البنك المركزي الأوروبي الفائدة لأول مرة منذ 5 سنوات، وتبعه البنك الوطني السويسري بخفض ثانٍ، في حين أبقى بنك إنجلترا الفائدة دون تغيير مؤقتاً بسبب الانتخابات المفاجئة.

    وساهمت بيئة العوائد المنخفضة، وتراجع الأسهم، وحالة عدم اليقين السياسي في المملكة المتحدة وفرنسا في تعزيز جاذبية الذهب كملاذ آمن. ورغم تراجع الحيازات بنسبة 6% في أسوأ نصف أول للصناديق الأوروبية منذ 2013، ارتفعت القيمة الإجمالية للأصول المدارة بنسبة 6.3% بفضل كلفة المعدن المرتفعة.

    الصين والهند تقودان الطفرة الاستثمارية الآسيوية

    استمر الزخم الاستثماري الآسيوي مع تسجيل تدفقات إيجابية للشهر السادس عشر على التوالي، بلغت 560 مليون دولار في يونيو، قادتها الصين بضخ 429 مليون دولار. ويعزو الخبراء تمسك المستثمرين الصينيين بالذهب إلى ثلاثة عوامل رئيسة:

    • استمرار ضعف أسواق الأسهم المحلية.

    • الأزمة الهيكلية الممتدة في قطاع العقارات.

    • الانخفاض المتواصل في قيمة العملة المحلية (الرنمينبي).

    ولم يقتصر المشهد على بكين؛ إذ سجلت اليابان أيضاً تدفقات موجبة للشهر الـ 16 بدعم من تراجع الين. هذا الأداء القياسي والتاريخي لآسيا رفع إجمالي أصولها المدارة إلى أعلى مستوى على الإطلاق عند 14 مليار دولار، مع نمو الحيازات بمقدار 41 طناً.

    وفي سياق متصل، يتساءل جو يرق عبر موقعنا: "هل يتجه المستثمرون في الصين والهند للذهب للتحوط أم للتنويع؟" مشيراً إلى أن تكثيف البنك المركزي الصيني لعمليات الشراء على مدار 18 شهراً يعكس استباقاً لخفض الفائدة عالمياً وتعزيزاً لجاذبية المعدن كملاذ آمن طويل الأجل ضد مخاطر الركود الاقتصادي.

    اقرأ أيضًا: أيهما أفضل الأسهم أم الودائع البنكية؟

    مؤشرات السيولة وحجم التداول العالمي

    على صعيد حركة التداول اليومية، سجل السوق العالمي للذهب متوسط سيولة بلغ 195 مليار دولار في يونيو، بإنخفاض شهري نسبته 9.5%. ومع ذلك، تباينت مستويات النشاط بشكل واضح بين الأسواق الموازية والبورصات الرسمية للمشتقات كما يأتي:

    • الأسواق خارج البورصة (OTC): ارتفعت الأنشطة التجارية بنسبة 8.6% مقارنة بشهر مايو، بدعم رئيس من تداولات رابطة سوق السبائك بلندن (LBMA)، مما يعكس طلباً عالمياً قوياً على الذهب الفعلي.

    • المشتقات المتداولة: سجلت انخفاضاً حاداً بنسبة 32% على أساس شهري، وتراجعت أحجام التداول في بورصة السلع (COMEX) بنسبة 35%، بالتزامن مع تباطؤ العقود -- الآجلة في بورصة شنغهاي بنسبة 24%.

    • سيولة الصناديق المتداولة: انكمشت أحجام تداولها بنسبة 15% بتأثير مباشر من الصناديق الأمريكية.

    وعلى الرغم من هذا الهبوط المؤقت في يونيو، يظل متوسط السيولة اليومية للسوق العالمية خلال عام 2024 مستقراً عند 210 مليارات دولار/يوم، وهو مستوى مرتفع بشكل ملحوظ مقارنة بمتوسط الربع الأول من العام ذاته (182 مليار دولار) وبإجمالي عام 2023 (163 مليار دولار).

    قد يهمّك أيضًا: توقعات أسعار الذهب 2025.. ارتفاع قياسي إلى 3000 دولار