تقارير الطاقة

    صفقة الغاز بين مصر وإسرائيل.. مكاسب الطاقة ومخاطر التبعية

    •آخر تحديث •5 دقائق
    صفقة الغاز بين مصر وإسرائيل.. مكاسب الطاقة ومخاطر التبعية

    في صفقة تعد الأكبر في تاريخ اتفاقيات الطاقة بين مصر وإسرائيل، أعلنت شركة “نيوميد إنرجي”، الشريك في تطوير حقل الغاز الإسرائيلي “ليفياثان” الواقع شمال إسرائيل، عن توقيع تعديل جوهري على اتفاق تصدير الغاز الطبيعي إلى مصر، يتضمن زيادة كبيرة في الكميات المتفق عليها وتمديد فترة التوريد حتى عام 2040.

    أرقام ومراحل تنفيذ الاتفاق المعدل بين مصر وإسرائيل

    وفق البيان الرسمي الصادر عن الشركة، فإن الاتفاق المعدل مع شركة “أوشن إنرجي” المصرية يشمل إضافة نحو 4.6 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي، ما يعادل 130 مليار متر مكعب، إلى الكميات الواردة في الاتفاق الأصلي، وتم توزيع هذه الإضافة على مرحلتين رئيسيتين: المرحلة الأولى تنص على تصدير نحو 706 مليارات قدم مكعب، أي ما يعادل 20 مليار متر مكعب، فور دخول التعديل حيز التنفيذ.

    أما المرحلة الثانية، فتشمل تصدير ما يصل إلى 3.9 تريليون قدم مكعب، أي 110 مليارات متر مكعب، لكنها مشروطة بتنفيذ توسعات استثمارية في البنية التحتية اللازمة لنقل الغاز وزيادة طاقتها الاستيعابية.

    كما يقضي الاتفاق المعدل بتمديد فترة التصدير حتى عام 2040، أو حتى استنفاد الكميات الإضافية بالكامل، أيهما يأتي أولاً، وهو ما يمنح الجانبين إطارًا طويل الأمد للتعاون في مجال الطاقة، ويعكس توجهًا استراتيجيًا لتعزيز الشراكة في هذا القطاع.

    الوضع الحالي لواردات مصر من الغاز الإسرائيلي

    تستورد القاهرة في الوقت الراهن نحو 1.1 مليار قدم مكعب يوميًا من الغاز الطبيعي الإسرائيلي، على أن ترتفع الكمية إلى 1.2 مليار قدم مكعب يوميًا اعتبارًا من يناير المقبل، في إطار الزيادة التدريجية لتدفقات الوقود المتفق عليها ضمن التفاهمات الجديدة.

    ومن المتوقع أن تواصل واردات مصر من الغاز الإسرائيلي الارتفاع لتتراوح بين 1.5 و1.6 مليار قدم مكعب يوميًا في نهاية عام 2026 وحتى مطلع 2027، وذلك مع استكمال مراحل التوسع في خطوط النقل ومرافق الاستيراد، بما يتوافق مع احتياجات السوق المحلي وخطط تعزيز صادرات الغاز المسال من الموانئ المصرية.

    من جانبها، قدّرت شركة “نيو ميد إنرجي” أن الإيرادات المحتملة من الاتفاق المعدل قد تصل إلى 35 مليار دولار إذا تم تصدير الكميات المقررة بالكامل حتى نهاية فترة التعاقد، وهو ما يمثل رقمًا قياسيًا في تاريخ الصفقات الموقعة بين الطرفين في مجال الطاقة.

    الأهداف الاستراتيجية لمصر في قطاع الطاقة

    تأتي هذه الصفقة في وقت تسعى فيه مصر إلى تعزيز إمداداتها من الغاز الطبيعي لضمان تلبية الطلب المحلي المتزايد، وفي الوقت نفسه دعم طموحاتها لتكون مركزًا إقليميًا لتجارة وتداول الطاقة في شرق المتوسط.

    وتعكس الاتفاقية توجه القاهرة إلى تنويع مصادر الإمداد عبر عقود طويلة الأجل، لتأمين استقرار إمدادات الطاقة ودعم خططها التصديرية نحو الأسواق الأوروبية والآسيوية.

    وقد كشف عدد من الخبراء الاقتصاديين عن أبعاد وتفاصيل صفقة الغاز الجديدة بين مصر وإسرائيل، وسط تساؤلات حادة حول شروطها، وأبعادها الاقتصادية، والخيارات البديلة المتاحة أمام القاهرة.

    وفي هذا السياق، قال الدكتور عمرو إبراهيم، الخبير الاقتصادي، إن صفقة الغاز بين مصر وإسرائيل، التي تمتد حتى عام 2040 أو حتى استنفاد الكميات المتفق عليها، تقضي بتوريد نحو 130 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي من حقل “ليفياثان” الإسرائيلي إلى مصر، تأتي في وقت يشهد فيه إنتاج الغاز المحلي تراجعًا منذ عام 2022، ما خلق فجوة متزايدة بين العرض والطلب، خاصة في أشهر الصيف التي يزداد فيها استهلاك الكهرباء.

    ولفت إلى أنَّ مصر لجأت خلال العامين الماضيين لاستيراد الغاز الطبيعي المسال LNG بكميات ضخمة بلغت نحو 160 شحنة، وهو ما كلف الدولة مليارات الدولارات. وأكد أن الغاز المستورد من إسرائيل يمثل حاليًا ما بين 15% و20% من استهلاك مصر، وأن الاعتماد على خطوط الأنابيب بديل أقل تكلفة من استيراد الغاز المسال عبر السفن، كما أنّ الصفقة تمنح القاهرة فرصة لتعزيز دورها كمركز إقليمي لإعادة تصدير الغاز إلى أوروبا، بما يحقق مكاسب اقتصادية وجيوسياسية مهمة.

    قد يهمّك أيضًا: عودة مصانع الأسمدة المصرية للعمل بكامل طاقتها بعد عودة إمدادات الغاز

    تساؤلات حول شروط وبنود الاتفاقية

    من جانبها، أثارت الدكتورة عاليا المهدي، أستاذ الاقتصاد، عدة تساؤلات حول طبيعة وشروط الاتفاق، موضحة أن العقود طويلة الأجل عادةً ما يتم تحديد كميات التوريد اليومية أو السنوية وأسعار الشراء لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، وليس قيمة إجمالية مطلقة للتعاقد، وتساءلت: “هل الأسعار ثابتة طوال مدة التعاقد أم متغيرة وفق آليات محددة؟ وما هي شروط تعديل الأسعار إذا تغيرت الأسواق العالمية؟”

    كما تساءلت المهدي عن الجهة القضائية المرجعية في حال وقوع نزاعات، وهل سيتم اللجوء للقانون المصري، أم الإسرائيلي، أم القانون الإنجليزي؟ إضافة إلى ذلك، طالبت بالكشف عن بنود القوة القاهرة، وشروط فسخ العقد لأي من الطرفين، والعقوبات المترتبة على الإخلال بشروطه.

    وأشارت إلى أن مثل هذه الاتفاقات بين الدول يجب أن يتم عرضها على مجلس النواب لمناقشتها والموافقة عليها، متسائلة عن سبب عدم اللجوء إلى مصادر بديلة مثل قطر أو الجزائر أو ليبيا أو روسيا، وهي جميعها دول غنية بالغاز وتربطها بمصر علاقات تعاون قائمة.

    أهمية تطوير البنية التحتية ومخزون الغاز الاستراتيجي

    شدَّد إبراهيم على أن توسعة حقل “ليفياثان”، التي ستتكلف نحو 2.4 مليار دولار، ستسمح بزيادة الإنتاج والإمدادات لإسرائيل ومصر والأردن حتى عام 2064، لافتًا إلى أن الحقل يملك احتياطيات مؤكدة تبلغ نحو 600 مليار متر مكعب، لكنه حذر من تكرار انقطاع الإمدادات كما حدث خلال الحرب بين إسرائيل وإيران، داعيًا إلى إنشاء مخزون استراتيجي من الغاز وتنويع مصادر الاستيراد، لتفادي أي اضطرابات مستقبلية.

    ويرى إبراهيم أن هذه الاتفاقية ترسل رسالة واضحة عن قدرة مصر على الدخول في صفقات استراتيجية كبيرة رغم التحديات الاقتصادية، وأنها خطوة تعزز مكانة القاهرة كمركز لتجارة الطاقة في شرق المتوسط. لكنه أكد أن نجاح هذا التوجه يتطلب إدارة ذكية للمخاطر، وتطوير البنية التحتية، وزيادة الاستثمارات في الطاقة المتجددة.

    الطاقة النظيفة كخيار موازٍ للغاز الطبيعي

    اتفق الخبيران على أنَّ الطاقة الشمسية والرياح تمثلان حلولًا مساعدة، لكنَّها حتى الآن لا تكفي لتغطية الطلب المحلي الهائل على الكهرباء، ما يجعل الغاز الطبيعي –خاصة المستورد عبر الأنابيب– خيارًا واقعيًا على المدى المتوسط، وأشارا إلى أن الغاز يعد أقل مصادر الطاقة الأحفورية تلويثًا، ويمكن أن يشكل جسرًا نحو تحول تدريجي للطاقة النظيفة.

    وبحسب ما أورده الخبراء، فإن الصفقة المطروحة تحمل في طياتها مزيجًا من الفرص والتحديات؛ فهي تمنح مصر درجة من الأمن الطاقوي، وتفتح المجال أمام تعزيز صادراتها إلى الأسواق الأوروبية، لكنها في المقابل تثير تساؤلات مشروعة بشأن الشروط التعاقدية، وهيكل الأسعار، والمخاطر الجيوسياسية المرتبطة بها.

    ويظل النجاح مرهونًا بقدرة الحكومة على تحقيق توازن دقيق بين ضمان احتياجات البلاد من الطاقة، والحفاظ على استقلالية القرار الاقتصادي، وتنويع مصادر الإمداد بما يدعم التحول التدريجي نحو الطاقة المستدامة.

    قديهمّك أيضًا: نمو الاقتصاد المصري 4% في 2025 وسط تباطؤ الإصلاح