أسواق السلع

    صعود أسعار الفضة 150% في عام.. مكاسب قوية وتحذيرات من التشبع

    •آخر تحديث •4 دقائق
    صعود أسعار الفضة 150% في عام.. مكاسب قوية وتحذيرات من التشبع

    واصلت أسعار الفضة تسجيل مكاسب قوية وغير مسبوقة في الأسواق العالمية، لتلامس مستوى تاريخيًا جديدًا قرب 94 دولارًا للأوقية، مدعومة بمزيج من العوامل الجيوسياسية والمالية والفنية، التي أعادت المعدن الأبيض إلى صدارة مشهد الملاذات الآمنة.

    ونجحت الفضة في اختراق مستويات مقاومة فنية محورية، ما عزز من الاتجاه الصاعد وأكسب الحركة السعرية زخمًا إضافيًا، خاصة في ظل حالة القلق المتصاعدة في الأسواق العالمية، وتزايد الإقبال الاستثماري على الأصول الآمنة عقب التطورات السياسية والاقتصادية الأخيرة.

    وجاء تسارع وتيرة الصعود بالتزامن مع تجدد موجة النفور من المخاطر عالميًا، في أعقاب تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بفرض رسوم جمركية جديدة على ثماني دول أوروبية، في خطوة أعادت إلى الأذهان سيناريوهات الحروب التجارية وما تحمله من تداعيات تضخمية واضطرابات في سلاسل الإمداد العالمية. وقد ساهم هذا التصعيد في دفع المستثمرين إلى تعزيز مراكزهم في المعادن النفيسة، وعلى رأسها الفضة، التي تجمع بين صفتَي الملاذ الآمن والمعدن الصناعي الحيوي.

    القفزات السعرية في السوق المحلية: الفضة أداة التحوط الأكثر كفاءة

    تعكس الارتفاعات في أسعار الفضة تحوّلًا في سلوك شريحة متزايدة من المستثمرين والأفراد، الذين باتوا ينظرون إلى الفضة باعتبارها أداة تحوط فعالة وأقل تكلفة نسبيًا مقارنة بالذهب، مع فرص صعود أعلى في ظل الزخم الحالي.

    وقفزت أسعار الفضة من مستويات قرب 90 دولارًا للأوقية إلى نحو 93 دولارًا، قبل أن تلامس حاجز 94 دولارًا خلال الجلسة، وهو أعلى مستوى تاريخي للمعدن الأبيض. وحقق المعدن مكاسب أسبوعية لافتة بلغت نحو 12.5% عالميًا، فيما سجلت الأسعار محليًا ارتفاعًا تجاوز 11.11% خلال الأسبوع الماضي، ما يعكس اتساع نطاق الصعود وتماسك الاتجاه الإيجابي.

    وقال أحمد عبد الفتاح، خبير أسواق المال، إنّ هذا الأداء الاستثنائي يرجع إلى تصاعد التوترات التجارية العالمية، بعدما لوّح الرئيس الأمريكي بفرض رسوم جمركية على دول رئيسية مثل المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا، إلى جانب عدد من دول شمال أوروبا، في حال عدم التوصل إلى تفاهمات سياسية واقتصادية، وهو ما أعاد المخاوف المرتبطة بالركود التضخمي وتأثيره على الاقتصادات الكبرى.

    وسبق وأعلن الرئيس الأمريكي أن الرسوم المقترحة ستبدأ بنسبة 10% اعتبارًا من الأول من فبراير، على أن ترتفع إلى 25% بحلول الأول من يونيو في حال فشل المفاوضات، وهو سيناريو من شأنه أن يزيد الضغوط على النمو العالمي وتعزيز الطلب على المعادن النفيسة.

    الذهب والفضة عند قمم تاريخية متزامنة

    وفقًا للخبير، بالتوازي مع صعود الفضة واصل الذهب بدوره تسجيل مستويات غير مسبوقة، ليبلغ أعلى سعر في تاريخه عند نحو 4690 دولارًا للأوقية، مدفوعًا بالعوامل الجيوسياسية والمالية ذاتها، كما بلغت الفضة ذروتها عند 94.08 دولارًا قبل أن تتراجع بشكل طفيف إلى 93.22 دولارًا، محققة مكاسب يومية تقارب 3.6%، في ظل استمرار عمليات جني الأرباح الجزئية دون الإخلال بالاتجاه الصاعد العام.

    اقرأ أيضًا: الذهب يلامس 4700 دولار للأوقية.. صعود تاريخي مدفوع بالحروب التجارية

    تداعيات اقتصادية أوسع وضغوط على الدولار

    في المقابل، تعرضت أسواق الأسهم الأوروبية لضغوط حادة نتيجة المخاوف التجارية، حيث تراجع مؤشر CAC 40 الفرنسي بنحو 1.6%، وانخفض مؤشر DAX الألماني بنسبة 1.3%، بينما تراجع مؤشر IBEX 35 الإسباني بنحو 0.3%، وهبط مؤشر FTSE 100 البريطاني بنسبة 0.5%، في دلالة واضحة على انتقال السيولة من الأصول عالية المخاطر إلى الملاذات الآمنة.

    ووفقًا للخبير، أدى التصعيد التجاري إلى ضغوط ملحوظة على الدولار الأمريكي، الذي تراجع بنحو 4% أمام الفرنك السويسري، وانخفض بنسبة 0.2% أمام الين الياباني، قبل أن يقلص جزءًا من خسائره لاحقًا، وساهم هذا التراجع في دعم أسعار المعادن النفيسة، إذ يؤدي ضعف الدولار إلى زيادة جاذبية الذهب والفضة لحائزي العملات الأخرى.

    وفي هذا السياق، توقعت مؤسسات مالية كبرى أن تترك الرسوم الجمركية المحتملة أثرًا سلبيًا على النمو الأوروبي، حيث قدّرت مؤسسة ING تراجع الناتج المحلي الإجمالي لمنطقة اليورو بنحو 0.2 نقطة مئوية، بينما رجّحت Capital Economics أن ينخفض نمو الاقتصاد البريطاني بنسبة تتراوح بين 0.3% و0.75% في أسوأ السيناريوهات.

    العرض والطلب يعيدان تشكيل الفجوة بين الذهب والفضة

    يرى الخبير أنه رغم تراجع بعض المخاوف المرتبطة بنقص المعروض بعد إعلان عدم فرض تعريفات مباشرة على المعادن الأساسية وفق المادة 232، فإن استمرار القيود الهيكلية في سوق الفضة، إلى جانب الطلب الاستثماري والمضاربي المتزايد، يواصل دعم الأسعار عند مستويات مرتفعة.

    كما تشير البيانات إلى عدم وجود استعجال لدى مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي لخفض أسعار الفائدة قبل يونيو على الأقل، وهو ما يضيف مزيدًا من التعقيد للمشهد النقدي، ويُبقي المعادن النفيسة في موقع داعم كأدوات تحوط.

    وسجلت نسبة الذهب إلى الفضة أدنى مستوى لها منذ عام 2012، بعدما كانت قد تجاوزت 100 في أبريل 2025، في ظل ارتفاع أسعار الفضة بنحو 150% خلال الاثني عشر شهرًا الماضية، ما يعكس تفوق زخم الفضة مقارنة بالذهب في المرحلة الراهنة.

    اقرأ أيضًا: هل تدخل الفضة عصر الأسعار القياسية؟

    مستقبل السوق.. صعود قوي وتحذيرات من التشبع

    أوضح الخبير أنّ الفضة استفادت من عودة قوية للطلب المضاربي بالتوازي مع الطلب الصناعي، وهو ما فاقم الضغوط على السيولة وسلاسل الإمداد، وأشعل موجة واسعة من تغطية المراكز البيعية. ومع ذلك، ترى مؤسسات مالية مثل BMO Capital Markets أن السوق قد يكون دخل مرحلة تشبع شرائي، ما يجعل احتمالات التصحيح قائمة، خاصة في حال غياب محفزات جديدة أو حدوث تهدئة سياسية مفاجئة.

    واختتم الخبير  تصريحاته مؤكدًا أن الفضة لا تزال تتمتع بزخم صعودي قوي على المدى القصير، مدفوعة بالطلب الاستثماري والمضاربي، في حين يظل المسار طويل الأجل مرهونًا بتوازن العرض والطلب الصناعي، وتطورات السياسة النقدية الأمريكية، واحتمالات اتساع الفائض المادي في السوق خلال السنوات المقبلة.

    قد يهمّك أيضًا: رسوم ترامب على شركاء إيران تشعل توترًا تجاريًا جديدًا