في خضم التغيرات الجذرية التي تشهدها سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد، يتبلور مشهد سياسي جديد يعكس تحولات عميقة في موازين القوى الدولية والإقليمية وصراع النفوذ الدولي في سوريا، هذا الواقع لا يقتصر على الأوضاع الداخلية فحسب، وإنّما يمتد ليشمل إعادة صياغة دور القوى الكبرى التي لطالما لعبت أدوارًا مؤثرة في الأزمة السورية، وعلى رأسها روسيا وإيران.
وبينما تسعى أوروبا لرسم خارطة طريق جديدة لسوريا من خلال شروط صارمة تتعلق بإعادة الإعمار واحترام حقوق الإنسان، تبرز تساؤلات كبيرة حول مستقبل النفوذ الروسي والإيراني في البلاد.
سوريا بين التحالفات الخارجية وإعادة تشكيل النفوذ السياسي
شكَّلت سوريا منذ اندلاع أزمتها ساحة صراع مفتوحة بين قوى إقليمية ودولية، حيث عززت كل من روسيا وإيران وجودهما في المشهد السوري عبر تحالفات عسكرية وسياسية مع نظام الأسد، مما أدى إلى تعقيد الأزمة وإطالة أمدها.
واليوم، يُعيد سقوط النظام وظهور حكومة انتقالية جديدة رسم ملامح النفوذ في سوريا، مع انسحاب روسي تدريجي وضغوط غربية متزايدة على إيران، ما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة قد تعيد تشكيل المشهد السياسي والاقتصادي للبلاد.
وفي ظل هذه المعطيات، تواجه سوريا تحديات هائلة تتعلق بإعادة الإعمار، وتحقيق الاستقرار السياسي، واستعادة السيادة الوطنية بعيدًا عن التدخلات الخارجية.
وفي الوقت الذي يسعى فيه الاتحاد الأوروبي إلى لعب دور رئيس في إعادة بناء سوريا بشرط تحقيق إصلاحات جوهرية، تظهر ملامح صراع جديد بين القوى الكبرى لإعادة ترتيب المصالح في البلاد.
مستقبل سوريا: تحديات الحكومة الانتقالية وتوازن القوى
أصبح مستقبل سوريا اليوم يعتمد بشكل كبير على كيفية إدارة الحكومة الانتقالية لهذه التحولات، ومدى قدرتها على تحقيق توازن داخلي وخارجي يلبي طموحات الشعب السوري في الحرية والديمقراطية، بعيدًا عن نفوذ القوى التي كانت شريكة في معاناته على مدار سنوات طويلة.
في تحليل معمق للأوضاع السياسية في سوريا ومستقبل النفوذ الروسي والإيراني، أكَّد الباحث السياسي منير أديب أنَّ التطورات الأخيرة في سوريا تُشير إلى مرحلة جديدة من التوازنات السياسية والعسكرية في المنطقة، مع تراجع الدور الروسي والإيراني في ظل الشروط الأوروبية الصارمة تجاه الحكومة الجديدة في دمشق.
اقرأ أيضًا: تريليون دولار.. هل تُعيد إعمار سوريا وتغيير مستقبلها؟
انسحاب روسي تدريجي وإعادة ترتيب الأولويات
أوضح أديب في تصريحات خاصة لموقع “Econ-Pedia” أنَّ هُناك تقارير تتحدث عن انسحاب روسي واسع النطاق من الأراضي السورية، خاصةً مع تغير المشهد السياسي بعد سقوط نظام بشار الأسد، قائلاً: “روسيا خسرت الكثير في سوريا بعد عقود من الدعم لنظام الأسد، ووجودها العسكري متمثلًا في قواعد مثل حميميم وطرطوس مهدد بالتراجع، إذ إنّ التفاهمات الجديدة مع الحكومة الانتقالية السورية قد تؤدي إلى تقليص النفوذ الروسي تدريجيًا، مما يعكس هشاشة استراتيجيتها في المنطقة”.
كما أشار أديب إلى أنَّ موسكو تحاول الحفاظ على مصالحها الاستراتيجية من خلال مفاوضات مع أطراف محلية ودولية، لكنَّه أكد أنَّ هذا التحرك قد لا ينجح في ظل الضغط الأوروبي الواضح لإبعاد روسيا عن المشهد السوري الجديد.
مستقبل النفوذ الإيراني في سوريا
أكَّد أديب أنَّ طهران كانت شريكًا رئيسًا في دعم نظام الأسد، وقد شاركت في العمليات العسكرية التي استهدفت المدنيين، حيث “تحمّل الإيرانيون مسؤولية كبيرة في قمع الشعب السوري، واليوم تواجه إيران عقوبات غربية ومحلية جديدة”.
وأضاف: “الشعب السوري يُدرك الآن تمامًا أنَّ إيران كانت جزءًا من معاناتهم، وهو ما سيدفع الحكومة الانتقالية إلى إعادة النظر في علاقتها بطهران”.
وأكَّد أنَّ الاتحاد الأوروبي مستعد لدعم سوريا في إعادة الإعمار شريطة تحقيق تغيير حقيقي في النظام السياسي وضمان خروج القوى الأجنبية التي شاركت في النزاع.
وقال: “الدول الأوروبية تعي حجم المأساة التي تعرض لها السوريون، خاصةً أنَّ العديد منهم لجأوا إلى أوروبا بسبب ويلات الحرب، كما أنّ هناك شروطًا واضحة تتعلق باحترام حقوق الإنسان وحقوق المرأة، وهي مسائل جوهرية لأي دعم مستقبلي”.
وفي هذا السياق، قال الخبير: “رفع العقوبات عن سوريا يظل موضوعًا حساسًا، يعتمد على مدى التزام الحكومة الجديدة بالمبادئ الدولية وضمان الحريات لجميع أطياف الشعب السوري”.
اقرأ أيضًا: الاقتصاد السوري: التحديات والفرص في مرحلة إعادة الإعمار
التوازنات الإقليمية والدولية
أوضح أديب أنَّ المرحلة المقبلة ستشهد تغيرات جذرية في التحالفات، وقال:”روسيا ليست في موقع يسمح لها بفتح جبهات جديدة أو التصعيد في سوريا، خاصةً بعد استنزافها في أوكرانيا، في حين تسعى أوروبا لتحقيق استقرار طويل الأمد في المنطقة من خلال دعم الحكومة الانتقالية ومساعدتها على تحقيق السيادة الوطنية”.
واختتم أديب تصريحه بالتأكيد على أهمية وعي الشعب السوري بدوره في بناء المستقبل، وقال: “اليوم تقع المسؤولية الكبرى على عاتق السوريين أنفسهم لتحديد مستقبلهم السياسي بعيدًا عن النفوذ الخارجي، فالشعب السوري لديه فرصة حقيقية لبناء دولة جديدة قائمة على الحرية والديمقراطية والعدالة”.
تصريحات الباحث منير أديب تأتي في وقت حساس تمر فيه سوريا، حيث تتشابك المصالح الدولية والإقليمية في صراع نفوذ مكثف، مما يزيد من تعقيد المشهد السياسي، الأمر الذي يفرض تحديات جسيمة على الحكومة الجديدة لتحقيق التوازن المطلوب بين القضايا الداخلية والضغوط الخارجية.
اقرأ أيضًا: اشتعال سباق الهيمنة الاقتصادية في سوريا
