في ظل سعي مصر إلى تعزيز الشمول المالي ودمج الاقتصاد غير الرسمي ضمن المنظومة الاقتصادية الرسمية، يبرز الدور المتنامي لشركات تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر كأداة رئيسية لتوفير السيولة والدعم للفئات التي لا تصلها الخدمات المصرفية التقليدية، وخاصة في المناطق النائية أو ذات الدخل المحدود.
ورغم هذا التوسّع تظل هذه الشركات تواجه تحديات هيكلية وتشريعية ومالية، تؤثر بشكل مباشر على قدرتها في أداء دورها التنموي بالكفاءة المطلوبة، وتحد من قدرتها على الوصول إلى شرائح أوسع من المستفيدين.
ووفقًا لأحدث البيانات الصادرة عن الهيئة العامة للرقابة المالية والبنك المركزي المصري، فقد تجاوزت محفظة التمويل الموجهة للمشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر حاجز 95.5 مليار جنيه حتى نهاية عام 2024، وهو رقم يعكس اتساع نطاق التمويل والنشاط في هذا القطاع، لكنه لا يعني بالضرورة تحسنًا جوهريًا في البيئة التنظيمية أو التشغيلية، مما يستدعي تدخلات أوسع لتطوير البنية التشريعية وتحسين مناخ العمل والاستثمار في هذا القطاع الحيوي.
دور شركات تمويل المشروعات الصغيرة في الاقتصاد
ويقول الدكتور محمد عبد الهادي، الخبير الاقتصادي، إنَّ هذه الشركات تلعب دورًا محوريًا في دعم الفئات المهمشة وتوسيع النشاط الإنتاجي، إلا أنها ما تزال تفتقر إلى البنية المؤسسية القادرة على تمكينها من الاستدامة والتوسع، وأوضح أن أبرز المشكلات تتمثل في صعوبة الحصول على تمويل طويل الأجل بفائدة مناسبة، ما ينعكس على أسعار الإقراض المقدمة للعملاء، ويؤثر على قدرتها التنافسية مقارنة بالبنوك.
وأضاف عبد الهادي أن العديد من الشركات الصغيرة لا تملك بنية إدارية مؤهلة أو أنظمة تكنولوجية متطورة تساعدها على إدارة التدفقات النقدية أو تحليل بيانات العملاء، مما يجعلها عُرضة للتقلبات الاقتصادية المفاجئة، كما أكد أن بعض الإجراءات الحكومية، مثل تعقيد استخراج التراخيص أو التعاملات الضريبية، تزيد من صعوبة التوسع والوصول إلى الأسواق النائية.
منافسة غير متكافئة مع البنوك
قال أحمد العسيلي، الباحث الاقتصادي، إن القطاع غير المصرفي يضخ تمويلًا يُقدّر بنحو 38.8 مليار جنيه لما يقرب من 1.9 مليون عميل خلال عام 2024، في مقابل نحو 36 مليار جنيه وفّرتها البنوك لحوالي 744 ألف عميل، ما يؤكد أن شركات التمويل تلعب دورًا أكبر من حيث عدد العملاء، ولكن بأدوات أقل.
وأشار العسيلي إلى أن شركات التمويل تواجه ضعفًا في الموارد، وتحارب في ظل غياب دعم حكومي حقيقي، ووسط منافسة شرسة مع البنوك التي تحظى بدعم تنظيمي وتمويلي وتكنولوجي. وأكد أن الشركات تعاني من غياب البنية الرقمية، وهو ما يحد من قدرتها على تطوير خدمات ذكية أو الوصول الفعال إلى الشرائح المستهدفة.
كما نوه إلى أن المنافسة في السوق لم تعد بين شركات تمويل مماثلة، بل مع مؤسسات مصرفية كبرى تتمتع بكل مقومات النجاح من دعم حكومي وتكنولوجيا متقدمة وانتشار جغرافي واسع، في حين لا تملك شركات التمويل تطبيقات إلكترونية فعالة أو قواعد بيانات متكاملة.
وأضاف: “في ظل غياب اتحاد مستقل يمثل هذه الشركات أمام صناع القرار، تصبح المشاركة في صياغة السياسات مستبعدة، مما يزيد من الفجوة بين التشريعات وواقع هذه الشركات”، ويقول العسيلي إن “شركات التمويل تُعامل باعتبارها كيانًا ثانويًا رغم أنها تمول فئات لا تصل إليها البنوك أصلًا”.
أمور عليك معرفتها حول القروض المصرفية للمشروعات الصغيرة
التأثير التنموي واضح رغم العقبات
تكشف الأرقام عن حجم التأثير الفعلي لهذه الشركات، إذ تشير تقارير البنك المركزي إلى أن عدد المستفيدين من التمويل متناهي الصغر يبلغ نحو 4.5 مليون شخص، 70% منهم من النساء، ويتركزون في محافظات الصعيد والدلتا. وتشير تقديرات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن نحو 65% من هذا التمويل يُوجَّه إلى المناطق الريفية والمهمشة، ما يسلط الضوء على دور هذه الشركات في سد فجوة التمويل التنموي.
ووفقاً للعسيلي، هذه المساهمة لا تخفي حجم التحديات، فغياب الهياكل التمويلية المستقرة، وارتفاع تكاليف التشغيل، والمنافسة التسويقية مع البنوك، كلها عوامل تُضعف استمرارية هذه الشركات وتحدّ من فعاليتها، كما أن تراجع قدرة الشركات على التكيّف مع تغيرات السوق وتفضيلات المستهلكين يؤدي إلى فقدان الحصة السوقية تدريجيًا.
التحديات لا تقتصر على الجوانب المالية فحسب، بل تمتد إلى ضعف المهارات الإدارية، وضغط المهام، حيث يدير صاحب المشروع في كثير من الأحيان عدة وظائف في الوقت نفسه. فضلًا عن أنّ هذه الشركات تفتقر إلى أدوات تسويق رقمية فعالة، في وقتٍ أصبحت فيه البنوك تُهيمن على المساحات الإعلانية ومنصات التواصل.
إصلاحات تشريعية عاجلة لإنقاذ القطاع
بدوره، دعا الدكتور محمد عبد الهادي إلى صياغة خريطة إصلاح شاملة تعيد التوازن إلى القطاع، تبدأ بتعديل القوانين المنظمة لعمل هذه الشركات، وتسهيل إجراءات التراخيص، وتقديم حوافز ضريبية، وإنشاء صندوق وطني لدعم السيولة، بالإضافة إلى مبادرات رقمية تُعزز كفاءة التشغيل.
أما أحمد العسيلي، فشدّد على أهمية العدالة في الفرص، موضحًا أن هذه الشركات لا تطلب حماية خاصة، بل فقط شروطًا متساوية تسمح لها باللعب في ساحة واحدة مع البنوك، وقال: “هذه الشركات تمول أحلام الناس الصغيرة، وتخلق فرص عمل من لا شيء، لكن لا يمكن الاستمرار وسط بيئة تُكبلنا في كل اتجاه”.
واختتم العسيلي تصريحه بالتأكيد على أن هذه الشركات تُزرع في تربة صلبة من التحديات، لكنها تنمو رغم الصعوبات، داعيًا الدولة إلى أن تنظر إليها كشريك حقيقي في التنمية، لا كمتلقٍ للتمويل أو كيان بديل، بل كجزء لا يتجزأ من منظومة اقتصادية تحتاج إلى كل مكوناتها للنهوض.
قد يهمّك أيضًا: حريق سنترال رمسيس يُشعل أزمة رقمية غير مسبوقة في مصر
