تقرير: باسل محمود
أبرمت مصر وتركيا 17 اتفاقية جديدة لتعزيز التعاون المشترك بينهما، مما يشير إلى بدء مرحلة جديدة في العلاقات بعد سنوات من الخلافات. هذه الاتفاقيات، التي تغطي مجالات متعددة تشمل الصناعة، التجارة، الدفاع، الصحة، البيئة، والطاقة، تم توقيعها خلال زيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى العاصمة التركية أنقرة، وهي الزيارة الأولى من نوعها منذ توليه الحكم في مصر.
من بين الاتفاقيات الموقعة، مذكرة تفاهم تتعلق بتطوير المنطقة الصناعية في العاصمة الإدارية الجديدة، واتفاقية تخصيص أراضٍ لتطوير منطقة صناعية في مدينة 6 أكتوبر.
شملت المذكرات أيضاً، التعاون في مجالات سياسة المنافسة، التعليم العالي، السكك الحديدية، الطيران المدني، وتكنولوجيا المعلومات.
وفي إطار التعاون العلمي والاقتصادي، تم توقيع مذكرات تفاهم تتعلق بمجال الزراعة، الصحة، العلوم الطبية، المشروعات الصغيرة والمتوسطة، السياحة، الثقافة، إلى جانب التعاون في الطاقة، البيئة، التوظيف، والتنمية الحضرية.
كما تم التوقيع على مذكرة تفاهم بين وزارتي الخارجية المصرية والتركية ووزارة الهجرة المصرية.
وفي ختام الزيارة، وقّع الرئيسان السيسي وأردوغان على إعلان مشترك للاجتماع الأول لمجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى، مؤكدين على تعزيز التعاون الثنائي بين البلدين في المرحلة المقبلة.
6.6 مليار دولار التبادل التجاري بين مصر وتركيا
بلغ حجم التبادل التجاري بين مصر وتركيا نحو 6.6 مليار دولار خلال عام 2023، بمستوى صادرات لمصر 3.8 مليار دولار، وواردات تبلغ 2.8 مليار دولار، لتصبح بذلك مصر أكبر شريك تجاري لتركيا في القارة الإفريقية.
في صدارة قائمة السلع التي تقوم مصر بتصديرها إلى تركيا، جاء الوقود والزيوت المعدنية ومنتجات تقطيرها بقيمة 831.6 مليون دولار، تلاها اللدائن ومصنوعاتها بقيمة 373.7 مليون دولار، ثم الأسمدة بقيمة 357.4 مليون دولار، أعقبه الحديد والصلب بقيمة 363.5 مليون دولار، ثم الملابس الجاهزة بقيمة 243 مليون دولار، وأخيراً الآلات والأجهزة الكهربائية بقيمة 188 مليون دولار.
اقرأ أيضًا: المصريون والأتراك.. من أكبر المشترين لعقارات دبي
انعكاسات إيجابية
يقول الباحث الاقتصادي، أحمد أبو علي، في تصريحات خاصة لـ “Econ-Pedia”: “لا شك، زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى تركيا لها انعكاسات إيجابية للغاية، خاصة على الصعيد الاقتصادي، وهذا التقارب السياسي بين البلدين، الذي يأتي بعد فترة من التوترات والعلاقات المضطربة، سيترجم في المستقبل القريب إلى نتائج ملموسة تتمثل في زيادة حجم الاستثمارات التركية في مصر، وذلك في العديد من القطاعات الاقتصادية المتنوعة، وفي مقدمتها قطاع الصناعة”.
أضاف: “إعلان الرئيسين عن تدشين منطقتين صناعيتين تركيتين في مصر خلال الفترة المقبلة يعكس رغبة حقيقية في تعزيز التعاون الاقتصادي بين البلدين، وهاتان المنطقتان الصناعيتان ستوفران بيئة خصبة للاستثمارات التركية المباشرة، وستعملان على تعزيز التبادل التجاري المشترك، وهو ما سيفتح المجال واسعاً أمام تدفق كميات كبيرة من الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى السوق المصري، وومن المتوقع أن يكون لهذه الخطوة تأثير إيجابي واضح على حركة التجارة والصناعة في مصر، بما يسهم في تحسين كفاءة الاقتصاد المصري وزيادة قدرته التنافسية على الصعيدين الإقليمي والدولي”.
كان الميزان التجاري بين الدولتين يصب لصالح تركيا حتى عام 2021 بسبب تجاوز حجم صادراتها إلى مصر قيمة وارداتها منها، إلى أن انعكس الوضع بحلول عام 2022 مع تحول العجز التجاري إلى فائض، وذلك بفضل الزيادة الأخيرة في حجم صادرات الغاز الطبيعي المصري.
رفع التبادلات التجارية بين مصر وتركيا
يستهدف البلدان رفع حجم التبادلات التجارية بينهما إلى 15 مليار دولار، ويتصل بالبُعد التجاري للعلاقات، إمكانية عقد مباحثات بشأن إعادة تشغيل خط النقل البحري “الرورو” الذي توقف عام 2015 نظرًا لعدم ملاءمته للقاهرة، ويكتسب هذا الطريق التجاري البحري أهمية متزايدة لتركيا خلال المرحلة الراهنة نظرًا لإغلاق مسار التجارة عبر ميناء حيفا الإسرائيلي الذي اعتمدت عليه أنقرة لتصدير بضاعتها إلى الخليج على خلفية التوترات الجارية مع إسرائيل بسبب حرب غزة، على أن تراعي صيغة تشغيل الخط مصالح الطرفين المصري والتركي بحيث تتضمن تقديم تسهيلات للصادرات المصرية إلى أوروبا عبر الموانئ التركية، وبالأخص الحاصلات الزراعية سريعة التلف بما يعزز الصادرات المصرية ويفتح أسواقًا جديدة أمامها، مقابل نقل الصادرات التركية من ميناءي مرسين وإسكندرونة التركيين، إلى موانئ دمياط وبورسعيد المصريين، قبل شحنها لاحقًا إلى ميناء العرب على البحر الأحمر، ثم تحميلها على متن السفن التركية إلى دول الخليج.
أهمية مصر وتركيا في المنطقة
يقول الخبير الاقتصادي، الدكتور كريم العمدة: “نتفق جميعاً على أن مصر وتركيا دولتان مهمتان في المنطقة، وبالتالي فإن التقارب بينهما يعد أمراً إيجابيًا للغاية للطرفين”.
أضاف في تصريحات خاصة لـ “Econ-Pedia”: “ومع ذلك، أود أن أشير إلى أنه على الرغم من التوترات السياسية التي كانت قائمة بين مصر وتركيا واستمرت لما يقارب عشر سنوات
إلا أن الجانب الاقتصادي لم يتأثر بشكل كبير، فعلى سبيل المثال، كانت هناك شركات تركية تعمل في مصر خلال فترة الأزمة والخلاف بين البلدين، بل إن تلك الشركات التركية كانت توسع نشاطها في مجالات مثل السياحة، والصناعة، وخاصة في صناعة الزجاج والأجهزة الكهربائية المنزلية”.
“الملفت للنظر في العلاقة التجارية بين مصر وتركيا، ليس فقط حجم التجارة الذي هو معقول وقابل للزيادة، ولكن أيضاً نوعية السلع التي يتم تبادلها”. قال كريم العمدة.
تابع: “نحن اقتصادياً، نمارس ما يُعرف بالتجارة داخل نفس القطاع”، أي أن مصر وتركيا يكملان بعضهما البعض في سلاسل التوريد بشكل ممتاز على سبيل المثال، نحن نستورد من تركيا مواد أولية بسيطة لصناعة الملابس والمنسوجات، وفي المقابل، نصدر لهم أقطان وخيوط وأصباغ، وهذه المواد تستخدم في تركيا لإنتاج الملابس، ونحن نستورد منهم الأقمشة لإنتاج ملابس جاهزة في مصر”.
أضاف: “هذا النوع من التجارة داخل القطاع الواحد يعد مفيداً للغاية لكلا البلدين، فنحن نصدر ونستفيد، ونستورد ونستفيد كذلك، وحتى إذا وجدنا عجزاً تجارياً بين مصر وتركيا لصالح تركيا، فإن هذا ليس بالضرورة أمراً سلبياً، لأننا نستورد سلعًا مهمة لصناعات حيوية في مصر”.
اقرأ أيضًا: كيف يؤثر تحويل الودائع السعودية إلى استثمارات على الاقتصاد المصري؟
استقطاب الاستثمارات التركية
الحكومة المصرية تسعى إلى استقطاب حصة من الاستثمارات التركية التي بدأت تتوسع داخل القارة الإفريقية، التي تعد سوقاً استثمارية مهمة للشركات التركية
لا سيَّما مع إلغاء شرط التأشيرة للمواطنين الأتراك، وانخفاض تكاليف الإنتاج الإجمالية وتكاليف العمالة، وإمكانية الاستفادة من اتفاقيات الإعفاء الجمركي للنفاذ للأسواق الأفريقية، وتفعيل الاتفاقيات المشتركة وفي مقدمتها اتفاقية التشجيع والحماية المتبادلين للاستثمارات، واتفاقية تجنب الازدواج الضريبي.
وتستهدف مصر جذب الاستثمارات التركية في قطاعات مثل مجالات الصناعات الهندسية والكيميائية والغذائية والأدوية والتصنيع الزراعي، والمنتجات الورقية والتغليف، والملابس الجاهزة والمنسوجات، والبناء والتشييد، والصناعات الورقية وغيرها من القطاعات.
يقول أبو علي: “إقامة المناطق الصناعية المشتركة بين مصر وتركيا، لن تكون فقط منصة لتسهيل التجارة بين البلدين، بل ستكون أيضاً محفزاً كبيراً للاستثمارات في القطاعات الرئيسية مثل الصناعة والهندسة والطاقة والبنية التحتية”.
أضاف: “تركيا بفضل خبراتها المتقدمة في مجالات التصنيع، يمكنها أن تسهم بشكل مباشر في نقل التكنولوجيا إلى مصر وتطوير القاعدة الصناعية المحلية، وهذه الخطوة ستمكن الشركات التركية من الدخول بشكل أكبر إلى السوق المصري، واستغلال فرص الاستثمار الضخمة التي يوفرها”.
زيادة في السياحة التركية إلى مصر
ارتفع عدد السياح الأتراك القادمين إلى مصر عام 2023، نتيجة لقرار إلغاء شرط التأشيرة للمواطنين الأتراك في أبريل 2023، الذي كان له بالغ الأثر في مضاعفة عدد السياح الأتراك في شرم الشيخ 5 مرات خلال عام 2023 مقارنة بعام 2022، بحسب تقديرات سفير تركيا لدى القاهرة، صالح موتلو شين.
إجمالي عدد السائحين الأتراك في مصر خلال عام 2023 يقدر بنحو 160 ألف سائح، وبلغ خلال الأشهر الأربعة الأولى من هذا العام نحو 80 ألف سائح بارتفاع بلغ 40% على اساس سنوي.
التوقعات تشير إلى وصول 250 ألف سائح تركي حتى نهاية العام الجاري.
15 مليار دولار تبادل تجاري هدفا ليس بعيد المنال
الدكتور كريم العمدة، كشف عن أن اتفاقية التجارة الحرة التي تم توقيعها بين مصر وتركيا في عام 2005 تهدف إلى زيادة حجم التجارة بين البلدين، كما ذكر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الذي يسعى إلى تحقيق حجم تجارة يصل إلى 15 مليار دولار.
“أعتقد أن هذا الهدف ليس بعيد المنال إذا استمر تركيزنا وتحسنت العلاقات السياسية، والتي سيكون لها تأثير إيجابي على التعاون الاقتصادي بين البلدين”… بحسب العمدة.
أنهى حديثه مشيرا إلى أن الشركات التركية أبدت اهتماماً بالاستثمار في مصر، خاصة في العاصمة الإدارية ومدينة السادات، التي تضم منطقة صناعية مخصصة لصناعة الملابس والمنسوجات. “أرى أن القطاعات الواعدة للتعاون بين البلدين تشمل القطاع الهندسي وقطاع الملابس الجاهزة”… قال العمدة.
يحظى البُعد الاقتصادي في العلاقات المصرية التركية بأولوية كبيرة على أجندة البلدين، وقد ظل العامل الاقتصادي والتجاري المتنفس الوحيد للعلاقات المصرية التركية خلال مرحلة التوترات عندما قرر البلدان النأي به عن مسار الخلافات السياسية، ولعله أيضاً من الملفات التي ستشهد تقدماً إيجابياً عقب تحسن العلاقات.
