تقارير الطاقة

    شبح أزمة الطاقة يهدد القارة العجوز

    •آخر تحديث •4 دقائق
    شبح أزمة الطاقة يهدد القارة العجوز

    مع اقتراب فصل الشتاء تعود أزمة الطاقة في أوروبا لتهديد القارة العجوز، ففي ظل تصاعد أسعار الغاز عالميًا وتزايد المخاوف بشأن توقف إمدادات الغاز الروسي عبر أوكرانيا، تأتي هذه التحديات لتمثل بداية شتاء بارد وتزيد الضغوط على المخزونات التي كانت الملاذ الأساسي للقارة خلال السنوات الماضية.

    ومع تصاعد التوترات الجيوسياسية وفرض عقوبات جديدة على روسيا يبرز سؤال جوهري: هل تمتلك أوروبا الأدوات الكافية لتفادي أزمة طاقة قد تعيد ذكريات الشتاء القاسي في 2022؟

    أسباب أزمة الطاقة في أوروبا

    صرَّح الدكتور علي الريامي، خبير أسواق النفط، أنَّ أوروبا تواجه احتمالية عودة أزمة الطاقة مع اقتراب فصل الشتاء، مستشهدًا بعدة عوامل تؤجج هذه الأزمة، من بينها انخفاض إمدادات الغاز الطبيعي، وتأثير التغيرات المناخية، والاضطرابات في الأسواق العالمية للطاقة.

    وأوضح خلال حديث له مع “Econ-Pedia” أنّ تقليص الإمدادات الروسية للغاز الطبيعي ترك فجوة كبيرة في سوق الطاقة الأوروبي، ورغم الجهود المبذولة لتعويض هذا النقص من خلال استيراد الغاز الطبيعي المسال، إلَّا أنَّ القدرات التخزينية الحالية في أوروبا ما تزال تمثل تحديًا كبيرًا أمام تغطية الطلب في أوقات الذروة.

    وأشار إلى أنَّ “الارتفاع العالمي في الطلب على الطاقة، خاصة مع تعافي الاقتصادات من آثار جائحة كوفيد-19، أدى إلى تصاعد أسعار الغاز والنفط، الأمر الذي أسهم في تعقيد الوضع بشكل أكبر، كما أنَّ البنية التحتية الخاصة بالطاقة المتجددة لم تصل بعد إلى مستوى يتيح تأمين احتياجات القارة بشكل مستدام خلال الفصول الباردة”.

    جهود حثيثة لمواجهة الأزمة

    أكَّد الريامي أنَّ أوروبا تبذل جهودًا مكثفة لمواجهة هذه التحديات، من بينها تعزيز التنويع في مصادر الإمداد من دول مثل النرويج والجزائر، إلى جانب إطلاق حملات لخفض استهلاك الطاقة، لكنَّه في الوقت نفسه أشار إلى أنَّ هذه الجهود، رغم أهميتها، قد لا تكون كافية لتجنب الضغوط المحتملة على المواطنين والصناعات الكبرى في ظل تقلبات السوق.

    “أزمة الطاقة المحتملة ليست مجرد تحدٍ اقتصادي، بل هي اختبار للسياسات الأوروبية وقدرتها على تحقيق توازن بين تأمين الإمدادات وتطبيق استراتيجيات الانتقال للطاقة النظيفة، حيث سيحدد النجاح في هذا الاختبار إلى حد كبير مستقبل أمن الطاقة في القارة”، بحسب الريامي.

    اقرأ أيضًا: إفلاس الشركات الأوروبية: أزمات الحرب والطاقة تدفع الشركات إلى الهاوية!

    اتفاقية نقل الغاز الروسي

    اتفق ياسين أحمد، خبير أسواق النفط، مع رأي الريامي، مؤكدًا أن أوروبا تواجه تهديدًا حقيقيًا بعودة أزمة الطاقة مع بداية فصل الشتاء، نتيجة تداخل عدة عوامل أبرزها تصاعد أسعار الغاز بنسبة 45% منذ مطلع 2024، وتوقف محتمل لإمدادات الغاز الروسي عبر أوكرانيا نهاية ديسمبر المقبل.

    وأوضح أحمد في تصريحات لموقع “Econ-Pedia” أنَّ انتهاء اتفاقية نقل الغاز الروسي عبر أوكرانيا يُعد تحديًا كبيرًا أمام الدول الأوروبية، وأشار إلى أنَّ كييف أعلنت عدم نيتها تمديد العقد بغرض حرمان موسكو من الإيرادات الحيوية التي تعتمد عليها بشكل كبير، مما يجعل أوروبا أمام خطر انقطاع إمدادات خط الأنابيب الوحيد المتبقي.

    وأضاف أنَّ العقوبات الاقتصادية الأميركية التي طالت مصرف “غازبرومبنك” الروسي، وهو آخر المؤسسات المالية المسؤولة عن مدفوعات الغاز، فاقمت الوضع، إذ إنّ القرار يستهدف تقليص الإيرادات الروسية لكنه أيضًا يُهدد استقرار الإمدادات الأوروبية.

    تصاعد الأسعار وسحب المخزونات

    “رغم أنَّ أسعار الغاز لم تصل بعد إلى المستويات القياسية التي شهدناها عقب اندلاع الحرب في أوكرانيا عام 2022، إلا أنها مرتفعة بما يكفي لإثارة القلق في الوقت الحالي، الأمر الذي يعكس التأثير المستمر لوقف الغاز الروسي الرخيص وتأخر وصول شحنات الغاز المسال الأمريكية”، بحسب أحمد.

    وقد أكَد أنَّ الشتاء الحالي بدأ باردًا، مما أدى إلى زيادة الطلب على الغاز وسحب المخزونات بمعدل أسرع من المتوقع مضيفاً: “كانت المخزونات ملاذًا لأوروبا العام الماضي لكنَّها الآن تتناقص بسرعة، وهو ما يهدد قدرة القارّة على الصمود خلال موسم الشتاء.

    وأشار أحمد إلى أنَّ الوضع الحالي يُشبه بدايات أزمة 2022، عندما اضطرت أوروبا إلى شراء الغاز بأيِّ ثمن لتأمين الإمدادات، وقال: “دول مثل ألمانيا اضطرت حينها إلى شراء الغاز بأسعار قياسية من السوق الدولية، ما أدى إلى فرض ضرائب تخزين أثارت استياء الدول غير الساحلية مثل النمسا وسلوفاكيا وجمهورية التشيك”.

    وأضاف: “الأسعار المرتفعة في الصيف الماضي، والتي عادة ما تكون أقل بسبب التخزين، كانت إشارة واضحة إلى استمرار تأثير الأزمة، وفي حال استمرت الأمور على هذا النحو فإنَّ أسعار الطاقة قد تظلُّ مرتفعة لفترة أطول مما هو متوقع”.

    مخاطر مستقبلية محتملة

    حذَّر ياسين أحمد من أن أزمة الطاقة ستتفاقم إذا لم تتمكن أوروبا من ضمان تنويع مصادرها وملء مخزوناتها بشكل كافٍ، مؤكّدًا أنَّ الطلب المتزايد على الغاز في آسيا خلال فصل الشتاء سيؤدي إلى منافسة شديدة في السوق الدولية، مما سيضغط على الإمدادات ويزيد الأسعار.

    وأكّد ضرورة وضع خطط طويلة الأمد لضمان أمن الطاقة في أوروبا، قائلًا: “ما تزال القارة العجوز تعتمد بشكل كبير على واردات الغاز، وإذا لم يتم تعزيز الاستثمار في مصادر الطاقة المتجددة والبنية التحتية للغاز المسال، فإنها ستظل عرضة للأزمات كل شتاء”.

    واختتم أحمد تصريحاته موضحًا أنّ على أوروبا أن تتحرك بسرعة لضمان تأمين الإمدادات وتخفيف التأثيرات الاقتصادية على الصناعات والمستهلكين، وإلا فإن الأزمة قد تُلقي بظلالها على معدلات النمو والاستقرار في المنطقة.

    قد يهمّك أيضا: أزمة الطاقة في مصر تنهك الاقتصاد