تقارير اقتصادية

    سوريا.. من دمار الحرب إلى آمال الإنعاش الاقتصادي

    •آخر تحديث •5 دقائق
    سوريا.. من دمار الحرب إلى آمال الإنعاش الاقتصادي

    تقرير: باسل محمود

    عاش الاقتصاد السوري في السنوات الأخيرة حالة من التدمير الشامل بعد أكثر من عقد من الحرب الأهلية التي طحنت البلاد، تاركة وراءها دماراً هائلًا وارتفاعًا في معدلات الفقر إلى مستويات قياسية. ومع ذلك، يبدو أن هناك بعض إشارات الأمل وسط الظلام، مع محاولات جديدة لإعادة بناء اقتصاد سوريا المدمر، بحسب وول ستريت جورنال.

    لكنَّ هذا التحول يحتاج إلى معركة متعددة الجوانب، مع الأمل في تحقيق الاستقرار والنمو وسط التحديات الاقتصادية والسياسية العميقة.

    بداية جديدة في سوريا

    مرَّت سوريا بمراحل اقتصادية صعبة للغاية منذ بداية الحرب الأهلية في عام 2011، رغم أنّها كانت تتمتع باقتصاد ناشئ ينمو بوتيرة سريعة، حتى أصبح يمثل نموذجًا للاقتصاد ذو الدخل المتوسط الأدنى، لكن مع اندلاع الاحتجاجات والحرب الدموية تحوَّلت سوريا إلى ساحة معركة طاحنة دمرت بنيتها الاقتصادية بالكامل.

    خسرت البلاد ما بين 3 إلى 5 مليارات دولار سنويًا نتيجةً لفقدان السيطرة على حقول النفط المهمة، وأصبحت أغلب الصادرات مهددة بالعقوبات الدولية.

    اليوم، بعد أكثر من عشر سنوات من الحرب، يحاول القادة الجدد في البلاد بدء صفحة جديدة، فقد وصلوا إلى السلطة وسط تحديات جسيمة، تشمل الفقر المدقع، وتدمير البنية التحتية، وارتفاع معدلات التضخم، حيث تشير البيانات إلى أن نحو 75% من السوريين يعيشون على أقل من 3.65 دولار يوميًا، مما يعكس حجم الأزمة الاقتصادية التي يعاني منها الشعب السوري.

    رواتب أعلى أم تضخم أعمق؟ اطّلع على السيناريوهات الاقتصادية المحتملة في سوريا

    سوريا الحديثة .. تحديات في زمن الأزمات

    من أبرز التحديات التي يُواجهها القادة الجدد في سوريا، الذين ينتمون إلى جماعة “هيئة تحرير الشام”، هي نقص الخبرة والإلمام في إدارة دولة بحجم سوريا المعقد؛ فبعد سنوات من سيطرة النظام السابق، اضطر المسؤولون الجدد إلى تعلُّم كيفية التعامل مع البيروقراطية الواسعة التي كانت تسيطر على النظام البعثي، مما شكل تحديًا مستمرًا لعملية الحكم.

    في حديثه عن الوضع، قال محمد حلاق، صاحب شركة تجارة المواد الغذائية ونائب رئيس غرفة تجارة دمشق: “نحتاج إلى الخبرة في إدارة الأعمال، نحتاج إلى التكنولوجيا، نحتاج إلى الكثير من الأشياء، وبشكل خاص، نحتاج إلى رفع العقوبات لكي يعمل النظام المصرفي بشكل صحيح”.

    هذه الحاجة إلى المساعدة الخارجية، أصبحت أكثر وضوحًا من أي وقت مضى، خاصةً في ظل العقوبات الدولية القاسية التي تُعيق عجلة الاقتصاد السوري.

    اقرأ أيضًا: تركيا تعزز نفوذها عبر إعادة ترسيم الحدود البحرية مع سوريا

    العقوبات الدولية وتأثيرها على الاقتصاد السوري

    العقوبات الدولية المفروضة على سوريا من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، بسبب ارتباط “هيئة تحرير الشام” بتنظيم القاعدة، كانت ولا تزال عقبة كبيرة أمام إعادة بناء الاقتصاد السوري، ورغم محاولة الهيئة قطع علاقاتها مع التنظيم إلَّا أنَّ هذه العقوبات بقيت قائمة، مما يزيد من تعقيد عملية استعادة الاستقرار الاقتصادي.

    لم تقتصر العقوبات على النفط أو التجارة فحسب، بل تشمل أيضًا النظام المصرفي الذي يعاني من عجز في الاحتياطيات، مما يعرقل العمليات المالية والمصرفية الأساسية.

    الآن، في ظل انهيار العملة السورية، أصبح الحصول على الدولار أمرًا بالغ الأهمية بالنسبة للمواطنين والشركات، حيث إنّ تداول العملات الأجنبية في السوق المفتوحة أصبح يتمّ بشكل نادر بعد أن كانت محظورة سابقًا.

    النفط مفتاح نهوض الاقتصاد السوري

    يُعد النفط أحد العوامل الرئيسة التي تحدد مستقبل الاقتصاد السوري؛ فقد كانت سوريا قبل اندلاع الحرب واحدة من الدول المصدرة للنفط، وكانت تشكل جزءًا كبيرًا من إيرادات الدولة، لكن مع تصاعد النزاع فقدت البلاد العديد من حقول النفط، وأصبحت الطاقة واحدة من أبرز التحديات التي تواجه الحكومة السورية الجديدة.

    اليوم، تُسيطر قوات سوريا الديمقراطية الكردية على معظم حقول النفط في شمال شرق سوريا، بينما يسعى القادة الجدد في دمشق لاستعادة هذه الحقول.

    وفقًا لطارق أسفور، المسؤول عن تخزين ونقل الوقود في الشركة الحكومية، فإنَّ استعادة السيطرة على حقول النفط في البلاد يمثل خطوة أساسية نحو تحقيق استقلالية طاقوية وتقليل الاعتماد على الواردات.

    تركيا توسع نفوذها في سوريا .. ما دور قطاع الطاقة؟ اقرأ التقرير الكامل!

    الشركات الخاصة.. حافز للأمل

    رغم هذه الصعوبات، تظهر بعض العلامات على التحسُّن، خاصةً في قطاع الأعمال، مما جعل العديد من رجال الأعمال السوريين يشعرون بالتفاؤل الحذر، حيث انخفضت الأسعار بشكل ملحوظ، وتمَّ التخلص من العديد من الرسوم والرشاوى التي كانت مفروضة في عهد الأسد، كما بدأ السوق يشهد عودة المنتجات الأجنبية بشكل أكبر، وهو ما يراه الكثيرون علامة على تحسن الوضع.

    صاحب محل تبغ في دمشق، صالح مصطفى، أشار إلى أنَّه يمكن للمستهلكين الآن اختيار السجائر الأجنبية بحرية، بعد أن كانت هذه المنتجات تُباع “تحت الطاولة” وبأسعار مرتفعة للغاية. هذه التغييرات الصغيرة تعكس بداية تحول في السوق المحلي، وهو ما يزيد من التفاؤل بشأن المستقبل.

    هل يمكن للعقوبات أن تتغير؟

    من الواضح أنَّ العقوبات الدولية ما زالت تُمثل التحدي الأكبر أمام سوريا، لكن تُشير بعض الأنباء إلى أنَّ الولايات المتحدة تدرس بعض الأشكال المؤقتة لتخفيف العقوبات بهدف توفير المساعدات الأساسية؛ ففي ديسمبر الماضي التقت باربارا ليف، مساعدة وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأدنى، بالحكومة السورية الجديدة في دمشق، مما قد يكون بدايةً لتحول السياسة الأمريكية تجاه سوريا.

    في نفس السياق، يدرس الاتحاد الأوروبي أيضًا إمكانية رفع العقوبات، لكن بشرط الحصول على ضمانات من “هيئة تحرير الشام” بأنها ستلتزم بتطبيق الإصلاحات الضرورية، خاصةً فيما يتعلق بحقوق الإنسان وحقوق المرأة.

    تنافس القوى الإقليمية على النفوذ

    فضلًا عن التحديات الداخلية، تواجه سوريا منافسةً من القوى الإقليمية والدولية؛ إذ إنّ تركيا، التي تربطها علاقات مع “هيئة تحرير الشام”، تعد واحدة من أكبر اللاعبين الذين يسعون للاستفادة من عملية إعادة البناء.

    ويرى بعض الخبراء، مثل عمر داهي، أستاذ الاقتصاد في كلية هامبشاير، أنَّ تركيا ستكون الفائز الأكبر في سوريا، نظرًا لقدرتها الصناعية والبنية التحتية المتقدمة التي قد تُتيح لها السيطرة على العديد من المشاريع الكبرى في البلاد.

    طريق سوريا نحو إعادة بناء اقتصادها المدمر ليس سهلًا، لكن على الرغم من التحديات الكبرى فإن هناك بارقة أمل في الأفق، وفي حال تمكنت البلاد من التغلب على العقوبات الدولية واستعادة السيطرة على مواردها النفطية، فإنَّها قد تبدأ في التعافي تدريجيًا.

    لكن يبقى السؤال الأهم هو: هل ستنجح الحكومة الجديدة في إدارة هذه التحديات في ظل الظروف السياسية والاقتصادية المعقدة؟

    موضوع ذو صلة: هل ينجح مشروع مارشال في إنقاذ سوريا؟