شهدت أسعار سندات اليوروبوندز هذا الأسبوع ارتفاعًا سريعًا ومفاجئًا، حيث إنّها اقتربت من 7.8 سنت للدولار (ما يعادل 7.8% من قيمتها الاسمية)، وارتفعت أسعار السندات بنسبة 20% بعد افتتاح الأسواق، مقارنة بأسعار الإقفال في نهاية الأسبوع الماضي، وقد جاء هذا التطور مخالفًا لتوقعات الكثير من المراقبين، حيث كان من المفترض أن تُشكل الحرب الشاملة مصدر قلق للمستثمرين، وليس دافعًا للتفاؤل والشراء.
وفقًا للخبراء، رغم الظروف الأمنية والسياسية المتوترة في لبنان بسبب الحرب التي تشهدها البلاد، شهدت أسعار سندات اليوروبوندز ارتفاعًا بسبب مزيج من العوامل الاقتصادية والسياسية؛ منها الرهانات على حلٍّ دولي شامل بعد الحرب، والاستفادة من الأسعار المنخفضة، والمضاربات في الأسواق المالية، واقتراب المواعيد القانونية، فهذه التحركات كلّها ساهمت في رفع الأسعار بشكل مفاجئ، كما أنّها تعكس رغبة بعض المستثمرين في اقتناص الفرص المتاحة وسط الفوضى، مع أملهم في تحقيق مكاسب كبيرة في المستقبل، إذا تم التوصل إلى حلول سياسية واقتصادية في لبنان.
العودة إلى مستويات ما قبل الحرب
أوضحت آمال سليمان -محللة أسواق المال- أن أسعار سندات اليوروبوند وصلت بعد هذه القفزة إلى مستوياتها السابقة قبل اندلاع المواجهات في الجنوب، في أكتوبر 2023، كما أن النزاع المتصاعد ساهم في رفع الأسعار إلى مستويات ما قبل الحرب، مما محا الأثر السلبي الذي تركته عمليات جبهة الإسناد في الجنوب على مدار عام كامل.
وعلى الرغم من بعض الأخبار التي ساهمت في ارتفاع أسعار السندات بشكل طفيف، مثل الأنباء المتعلقة برغبة الحكومة في إعادة شراء جزء منها، إلا أن تلك الأحداث لم تُؤَدِّ إلى الزيادة الكبيرة التي شهدناها هذا الأسبوع.
وعند الحديث عن القفزات المفاجئة في سوق اليوروبوندز، أوضحت سليمان أنّ فهم التحليل الذي يقود المتداولين إلى قراراتهم أمر مهم جدًا، حيث تضم هذه السوق غالبًا مستثمرين كبارًا وصناديق استثمارية ومؤسسات مالية متخصصة في تحليل سندات الجهات المتعثرة، بانتظار إعادة الهيكلة، لهذا فإن تداولات السوق تحمل أهمية خاصة نظرًا لأنها تنطوي على رهانات يقوم بها لاعبون محنّكون ولهم وزن ثقيل.
اقرأ أيضًا: السياحة في مصر والأردن ولبنان تدفع ثمن حرب غزة
رهان على حل دولي
ترى سليمان أن الإقبال على شراء السندات في ظل الحرب يرتبط بوجود رهان على حل دولي يأتي بعد التصعيد الحالي، ويتضمن إصلاحات مالية وتسويات سياسية يتطلع إليها المجتمع الدولي، حيث إنّ هؤلاء المتداولين يعتبرون أن تفجر الأوضاع ميدانياً قد يكون مقدمة لإعادة ترتيب الوضع الداخلي بعد انتهاء الحرب، مما يخلق توازنات جديدة.
كما يتوقع المتداولون أن تتزامن التحولات السياسية مع تحسن الوضع الاقتصادي وعلاقة لبنان بالخارج، بما في ذلك احتمال الدخول في برنامج صندوق النقد، وإعادة هيكلة السندات كجزء من الحلول الاقتصادية والسياسية المنتظرة.
وأشارت الخبيرة في تصريحات خاصة لموقع Econ-Pedia إلى أن بعض المحللين يربطون الزيادة الحالية في الأسعار بمسائل تقنية، فهم يعتبرون أن أسعار سندات اليوروبوندز السابقة كانت منخفضة جدًا مقارنة بالقيمة المتوقعة عند إعادة هيكلتها؛ حيث تعتبر الحرب والتقلبات في أسواق المال فرصة للاستفادة من الأسعار المنخفضة، مما شجع بعض الأطراف على شراء السندات على المدى الطويل، مما أدى إلى “تصحيح” أسعارها.
كما أنّ هناك تحليلات أخرى تربط ما يحدث في سوق السندات بموعد انتهاء المهلة النهائية لتقديم المطالبات القانونية من قبل حملة السندات، وهذا الوضع يساهم، وفقًا لهذه النظرية، في تحريك السوق، ويحفز بعض المتداولين على بيع محافظهم، بينما يستفيد آخرون من الفرصة لشراء المزيد من السندات، مما يسهم في تعديل الأسعار مجددًا.
بداية أزمة الاقتصاد اللبناني
رصدت هبة الحسيني، الخبيرة الاقتصادية، بداية أزمة الاقتصاد اللبناني الذي شهد سنوات طويلة من العجز المالي والاقتصادي، مما اضطر الحكومة لإصدار سندات اليوروبوندز كوسيلة لتمويل العجز في الميزانية وسداد الديون السابقة، ومع تراكم الديون وارتفاع معدلات الفائدة أصبحت الدولة اللبنانية غير قادرة على الوفاء بالتزاماتها المالية.
في مارس 2020، أعلنت الحكومة اللبنانية لأول مرة في تاريخها أنها ستتخلف عن سداد سندات اليوروبوندز التي كانت تستحق بقيمة 1.2 مليار دولار، هذا التخلف عن السداد لم يكن مفاجئًا بسبب الأزمة الاقتصادية الحادة التي كان يمر بها لبنان، مع انخفاض الاحتياطات النقدية في البنك المركزي وتدهور قيمة الليرة اللبنانية، بالإضافة إلى الفساد وسوء الإدارة المالية التي أدت إلى تدهور الاقتصاد.
وقد شددت الخبيرة على ضرورة تنفيذ الحكومة خطة إصلاحات للتعامل مع أزمة سندات اليوروبوندز واستعادة الثقة في الاقتصاد اللبناني، تتضمن إعادة هيكلة الديون وإعادة جدولتها بالتنسيق مع الدائنين، بالإضافة إصلاح النظام المصرفي لتجنب المزيد من الانهيارات وتخفيف الضغط على البنوك، والحد من الفساد، وتحسين الشفافية في إدارة الأموال العامة، وتنويع الاقتصاد اللبناني بعيداً عن الاعتماد على القطاع المالي والعقاري، وتحفيز قطاعات مثل الصناعة والزراعة والسياحة.
تداعيات الأزمة
أكدت الحسيني أن أزمة سندات اليوروبوندز في لبنان تمثل واحدة من أبرز الأزمات المالية والاقتصادية التي واجهتها البلاد في السنوات الأخيرة، وهي ترتبط بشكل أساسي بعجز الدولة اللبنانية عن سداد ديونها السيادية في شكل سندات اليوروبوندز، مما أدى إلى تداعيات واسعة على الاقتصاد اللبناني، والنظام المصرفي، والمستثمرين الدوليين، منها ما يأتي:
- انهيار الثقة الدولية: أدى التخلف عن سداد سندات اليوروبوندز إلى تدهور سمعة لبنان في الأسواق المالية الدولية، فأصبحت الحكومة اللبنانية غير قادرة على الوصول إلى الأسواق العالمية لجذب التمويل المطلوب، مما زاد من حدة الأزمة المالية.
- تفاقم الأزمة المصرفية: كانت البنوك اللبنانية من كبار حاملي سندات اليوروبوندز، ونتيجة لهذا التخلف عن السداد تعرضت تلك البنوك لخسائر فادحة، مما أدى إلى تقييد السيولة وانهيار الثقة في النظام المصرفي اللبناني.
- تدهور الليرة اللبنانية: تراجعت قيمة الليرة اللبنانية بشكل كبير، مما أدى إلى ارتفاع التضخم وتفاقم الأوضاع المعيشية للمواطنين، فالقدرة الشرائية للمواطن اللبناني تراجعت بشكل ملحوظ، حيث زادت أسعار السلع الأساسية بشكل كبير.
- المفاوضات مع الدائنين: بعد الإعلان عن التخلف عن السداد، حاولت الحكومة اللبنانية الدخول في مفاوضات مع الدائنين الدوليين لإعادة هيكلة الديون، لكن هذه المفاوضات تعثرت بسبب عدم قدرة الحكومة على تقديم خطة اقتصادية مقنعة للتعافي والإصلاح، خاصة مع الضغوط الداخلية والخارجية على الحكومة لتبني إصلاحات جذرية.
- التدخلات الدولية: طلبت لبنان المساعدة من صندوق النقد الدولي (IMF) للخروج من أزمتها، لكن هذه المفاوضات لم تحقق تقدماً يذكر بسبب تعثر الإصلاحات الداخلية؛ حيث إنّ التعامل مع صندوق النقد يتطلب تنفيذ إصلاحات اقتصادية وهيكلية قاسية، تشمل إعادة هيكلة القطاع المالي وإصلاح النظام الضريبي وتحسين كفاءة الإدارة العامة.
أسباب ارتفاع أسعار سندات اليوروبوندز
اتفقت الحسيني مع رأي سليمان، مؤكدة أنّ أحد الأسباب الرئيسة التي قد تفسر ارتفاع أسعار سندات اليوروبوندز هو الرهان على تدخل دولي ينهي الحرب، ويعيد الاستقرار إلى لبنان، فبعض المستثمرين يرون أن تصاعد الصراع الحالي قد يُمهّد الطريق لحل سياسي شامل، يتضمن إعادة هيكلة النظام المالي في البلاد وإدخال إصلاحات اقتصادية عميقة.
وفي حال حدوث هذا السيناريو، يمكن أن يلعب المجتمع الدولي دورًا في دفع لبنان نحو تسوية سياسية تشمل توازنات جديدة في الداخل، بما في ذلك تحسن في إدارة الدين العام وبرنامج تعاون مع المؤسسات المالية الدولية مثل صندوق النقد الدولي.
بالإضافة إلى الأسعار المنخفضة وفرص الاستثمار، فبالنسبة للمستثمرين تمثل عملية شراء السندات عند هذا السعر المنخفض فرصة لتحقيق أرباح كبيرة على المدى الطويل، وإذا تمكنت لبنان من إعادة هيكلة ديونها وتحقيق تسوية سياسية واقتصادية، قد ترتفع قيمة السندات بشكل كبير، مما يجعل الاستثمار فيها الآن قرارًا مربحًا.
المضاربات المالية
بالنسبة للمضاربات المالية في الأسواق الدولية، يجب أن نأخذ في الاعتبار أن أسواق السندات، خاصة في حالة الدول المتعثرة مثل لبنان، كثيرًا ما تشهد مضاربات من قبل صناديق استثمارية كبرى تسعى لتحقيق أرباح سريعة من خلال الاستفادة من التقلبات المالية. بعض هذه الصناديق ترى أن الفوضى الحالية في لبنان قد تمثل فرصة لتحقيق مكاسب كبيرة من خلال شراء السندات بأسعار منخفضة، ثم بيعها لاحقًا عند ارتفاع الأسعار نتيجةً لأي تحسن مفاجئ في الأوضاع السياسية أو الاقتصادية.
فهذه المضاربات يمكن أن تكون أحد العوامل التي دفعت أسعار سندات اليوروبوند إلى الارتفاع رغم الحرب، خاصة أن المستثمرين في هذه السوق غالبًا ما يمتلكون تحليلات معقدة وتوقعات طويلة الأمد بشأن تطور الأوضاع المالية في لبنان.
كما أنّ الخبيرة لفتت إلى أنّ هناك تحليلًا سياسيًا يرى أن الضربات التي تلقاها حزب الله خلال الصراع قد تساهم في تغيير التوازنات السياسية في لبنان، وبعض المستثمرين قد يراهنون على أن ضعف حزب الله سيؤدي إلى تحسين الظروف الداخلية في البلاد، ويفتح الباب أمام حلول اقتصادية جديدة ودعم دولي للبنان، مما يزيد من قيمة الأصول المالية بما في ذلك سندات اليوروبوندز.
اقرأ أيضًا: كيف أثر الصراع الإيراني الإسرائيلي على التصنيف الائتماني لدول المنطقة
