تواجه سلاسل الإمداد العالمية تحديات متنامية تهدد استقرار حركة التجارة الدولية، في ظل تفاقم أزمة ازدحام الموانئ الرئيسية في شمال أوروبا، فرغم الجهود المبذولة لتقليل الضغط على الموانئ وتحسين الكفاءة التشغيلية إلا أن الأوضاع الراهنة تكشف عن قصور في قدرة البنية التحتية الحالية على استيعاب حجم العمليات المتزايد، مما أدى إلى تراكم السفن قبالة السواحل وانتظارها لفترات طويلة قبل السماح لها بالرسوّ، وهو ما تسبب في تأخير عمليات الشحن والتفريغ وتباطؤ سلسلة الإمداد بشكل عام.
نقص العمالة وظروف مناخية معيقة
تعود جذور الأزمة إلى تداخل عدة عوامل رئيسية، يأتي في مقدمتها النقص الحاد في العمالة المؤهلة داخل الموانئ الأوروبية، ما أسفر عن تراجع ملحوظ في سرعة وكفاءة مناولة البضائع؛ فقلّة العمالة المدربة أدت إلى تباطؤ العمليات وزيادة الاختناقات في تدفق الشحنات إلى أوروبا.
وتفاقم الوضع بفعل التغيرات المناخية التي أثرت سلباً على بعض الممرات المائية الحيوية، أبرزها نهر الراين؛ فقد أدى انخفاض منسوب المياه إلى تقليص القدرة الاستيعابية للنقل النهري، ما اضطر السفن إلى تقليل حمولتها أو اللجوء إلى مسارات بديلة أطول وأكثر تكلفة.
تسببت العوامل التي ذكرناها آنفًا في ارتفاع كبير في تكاليف الشحن البحري، وارتفعت معها رسوم التأخير والغرامات التي تتحملها شركات النقل بسبب طول فترات الانتظار. هذا الواقع الجديد جعل من الصعب على الشركات التجارية الالتزام بجداول التسليم المتفق عليها في العقود، مما أثر بدوره على توافر السلع في الأسواق النهائية وأسهم في رفع معدلات التضخم بشكل مباشر.
الأزمة لم تبقَ محصورة في أوروبا، بل امتدت تداعياتها إلى آسيا والولايات المتحدة، حيث بدأت تظهر بوادر أزمة مماثلة في موانئ كبرى مثل ميناء شنغهاي الصيني وميناء لوس أنجلوس الأمريكي، مما يُشير إلى تزايد الضغط على سلاسل التوريد بسبب تكدس الحاويات وتباطؤ عمليات التفريغ والتحميل، الأمر الذي يؤدي بدوره إلى اضطراب في دورة العرض والطلب على المستوى العالمي.
التوترات الجيوسياسية تعقّد الوضع
في خضم هذه الأزمة التشغيلية، جاءت التوترات الجيوسياسية لتضيف طبقة جديدة من التعقيدات؛ فقد اضطرت العديد من السفن التجارية إلى تغيير مساراتها لتفادي المناطق الساخنة، خاصة تلك الواقعة في البحر الأحمر، حيث دفعت الهجمات المتكررة من قبل الحوثيين السفن إلى الابتعاد عن قناة السويس والتوجه نحو طريق رأس الرجاء الصالح، ما زاد من مسافات الإبحار وتكلفتها.
هذه الاضطرابات الجيوسياسية رفعت من الأعباء المالية على الشركات وقلَّلت قدرتها التنافسية، خاصةً في القطاعات التي تعتمد على هوامش ربح ضيقة، حيث لم تعد قادرة على امتصاص الزيادات المتتالية في التكاليف دون التأثير على أسعار المستهلك النهائي.
سياسات تجارية غامضة تزيد الطين بلة
ساهم الغموض المتكرر في السياسات التجارية الأمريكية، لا سيما بشأن فرض تعريفات جمركية جديدة، في إضعاف ثقة الأسواق العالمية وزيادة التوتر داخل النظام التجاري الدولي؛ فالقرارات المفاجئة وغير المدروسة تدفع الشركات إلى إعادة تشكيل استراتيجياتها بشكل متواصل، ما يؤدي إلى تقلبات ملحوظة في الطلب العالمي ويزيد من حالة عدم اليقين وعدم الاستقرار في الأسواق الدولية، مما يعرقل تدفق التجارة ويسبب اضطرابات متكررة في سلاسل الإمداد العالمية.
قد يهمّك أيضًا: أوروبا تخسر تريليون دولار بسبب العقوبات التي فرضتها على روسيا
أرقام مقلقة من الموانئ الأوروبية
تشير البيانات الصادرة من موانئ شمال أوروبا، مثل بريمرهافن وأنتويرب وهامبورغ، إلى مستويات غير مسبوقة من الازدحام، حيث ارتفعت فترة انتظار السفن في ميناء بريمرهافن بنسبة 77% بين نهاية مارس ومنتصف مايو، وسجل ميناء أنتويرب زيادة في أوقات الانتظار بنسبة 37%، في حين بلغت الزيادة في ميناء هامبورغ حوالي 49%، كما عانت موانئ أخرى مثل روتردام وفيليكستو البريطانية من تأخيرات متزايدة، بحسب تقارير وكالة “بلومبرغ”.
بحسب التقرير نفسه، فإن الأسباب الجوهرية للأزمة تشمل النقص في العمالة داخل الموانئ، إلى جانب تأثير انخفاض مستويات المياه في نهر الراين، مما حدَّ من حركة الشحن بين شمال أوروبا ووسطها. كما أشار التقرير إلى أن القرار الذي اتخذه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتأجيل فرض رسوم جمركية بنسبة 145% على الواردات الصينية أدى إلى طفرة مفاجئة في الطلب على الشحن بين الصين والولايات المتحدة، ما فاقم الضغط على موانئ الترانزيت.
تحليلات وتوقعات مستقبلية
في تصريح خاص، أكَّد الدكتور ياسر حسين، أستاذ الاقتصاد، أن حالة عدم الاستقرار المتصاعدة في الأسواق العالمية ناتجة إلى حد كبير عن السياسات الجمركية المتقلبة والتهديدات المتكررة بفرض رسوم جديدة، ما أربك حسابات المستثمرين والمستوردين على حد سواء، وأصبح من الصعب على هذه الأطراف وضع خطط ثابتة للطلب والإمداد.
وأشار حسين إلى أن شركات النقل البحري الكبرى، وعلى رأسها MSC، أعلنت بالفعل عن زيادات وشيكة في أسعار الشحن، بدءاً من يونيو، في ظل التوجه التصاعدي الذي تشهده أسعار الشحن الفوري، مؤكداً أن اضطراب سلاسل الإمداد بات من أكبر التحديات التي تواجه قطاع اللوجستيات العالمي.
وقد أرجع حسين جزءاً كبيراً من الأزمة إلى الوضع المتأزم في البحر الأحمر منذ أواخر 2023، نتيجة هجمات الحوثيين التي دفعت السفن التجارية لتغيير مساراتها نحو الجنوب عبر رأس الرجاء الصالح بدلاً من قناة السويس، وبيّن أن هذا التحول زاد من التكاليف وعمّق الأزمة في قطاع الشحن، نظراً لطول الرحلة وزيادة استهلاك الوقود والزمن.
وتطرق د. حسين إلى التصعيد السياسي الأخير من جانب ترامب، والمتمثل في تهديده بفرض رسوم جمركية بنسبة تصل إلى 50% على صادرات الاتحاد الأوروبي اعتباراً من 1 يونيو، وهو ما خلق موجة من القلق داخل أوساط الصناعة الأوروبية. ورغم أن التنفيذ تأجل إلى 9 يوليو، فإن هذه التهديدات ما زالت تمثل عبئاً نفسياً واقتصادياً على الشركات والمستثمرين.
اقرأ أيضًا: ترامب يمهل أوروبا حتى 9 يوليو لتفادي الرسوم الجمركية
هدنة تجارية مؤقتة بين واشنطن وبكين
في إطار حديثه عن تحركات الأسواق، أوضح حسين أن الاتفاق المؤقت بين الولايات المتحدة والصين لتعليق بعض الرسوم الجمركية لمدة 90 يوماً خلق حالة من الانتعاش المؤقت في حركة الشحن؛ حيث شهدت الموانئ الصينية، وخصوصاً خلال الأسبوع الثاني من مايو، ارتفاعاً ملحوظاً في عدد الحاويات المتجهة إلى الولايات المتحدة، والتي تجاوزت 228 ألف حاوية نمطية، وهو رقم يعادل ضعف المعدلات المعتادة.
وبيّن أن هذا الارتفاع يعود بشكل كبير إلى موجة من الشراء المبكر التي تقودها شركات التجزئة الأمريكية تحسباً لعودة محتملة للرسوم الجمركية، وهو ما أدى إلى زيادة أسعار الشحن من شنغهاي إلى لوس أنجلوس بنسبة 16% لتصل إلى 3,136 دولاراً للحاوية سعة 40 قدماً، وهو أعلى مستوى تسجله هذا العام.
مخاطر مستقبلية واختناقات قادمة
حذّر الدكتور حسين من أنَّ استمرار هذا النشاط دون معالجة جذرية للأسباب الهيكلية قد يؤدي إلى اختناقات جديدة في سلاسل الإمداد خلال الأشهر المقبلة، مشيراً إلى أن التأخيرات المستمرة في الموانئ الأوروبية قد تُحدث تأثيرات متسلسلة على المسارات البحرية المتجهة إلى آسيا والولايات المتحدة.
وفي ختام تصريحاته، شدد على أنَّ الحلول المؤقتة لم تعد كافية، داعياً إلى إعادة هيكلة شاملة للسياسات اللوجستية العالمية، تبدأ من استقرار السياسات التجارية وتحديث البنية التحتية للموانئ، مروراً بتوفير عمالة مدربة، وصولاً إلى ضرورة تعزيز التعاون الدولي لتفادي تحوّل الأزمات الإقليمية إلى كوارث عالمية تهدد أمن واستقرار التجارة العالمية.
اقرأ أيضًا: رسوم ترامب على أوروبا تُشعل فتيل الحرب التجارية من جديد
