أعادت شحنات المغناطيسات الصينية المتراجعة إلى الولايات المتحدة ملف المعادن النادرة إلى واجهة المفاوضات بين واشنطن وبكين، قبيل لقاء الرئيسين دونالد ترامب وشي جين بينغ، فهذه المكونات، التي تدخل في صناعات السيارات والطيران والدفاع، تمنح الصين قدرة على التأثير في خطوط إنتاج تبعد آلاف الكيلومترات عن مصانعها.
وبلغت الصادرات الصينية من مغناطيسات العناصر الأرضية النادرة إلى الولايات المتحدة 512 طناً خلال أغسطس، بانخفاض يقارب 20% مقارنة بشهر يوليو، و13% على أساس سنوي، بحسب بيانات الجمارك الصينية التي أوردتها "فايننشال تايمز".
ويأتي التراجع فيما تطالب واشنطن بكين بالوفاء بتعهداتها بشأن استقرار تدفقات المعادن الحيوية، وسط استمرار اعتماد قطاعات صناعية غربية على الإمدادات الصينية.
مكونات صغيرة تتحكم في صناعات كبيرة
تُستخدم المغناطيسات المصنوعة من عناصر أرضية نادرة، في المحركات الكهربائية والروبوتات وتوربينات الرياح ومعدات الطيران والدفاع، بفضل قدرتها على توفير أداء قوي ضمن أحجام صغيرة، ولذلك قد يؤدي نقص أحد أنواعها إلى تأخير إنتاج سلعة كاملة، حتى مع توافر بقية مكوناتها.
وتكشف بيانات وكالة الطاقة الدولية حجم التركّز الصناعي، إذ استحوذت الصين في 2024 على 60% من التعدين العالمي للعناصر الأرضية النادرة المستخدمة في المغناطيسات، و91% من تكريرها، و94% من تصنيع المغناطيسات الدائمة المتلبدة.
وتتضاعف أهمية هذه الهيمنة عبر مراحل المعالجة، من فصل العناصر إلى إنتاج المعادن والسبائك ثم المغناطيسات، حيث أن امتلاك الخام فقط لا يضمن وحده القدرة على توفير مكوّن صناعي بالمواصفات والكميات التي تحتاجها المصانع.
وسبق أن ظهرت آثار هذا الاعتماد خلال 2025، عندما أدت القيود الصينية إلى صعوبات في تأمين المغناطيسات لدى شركات سيارات في الولايات المتحدة وأوروبا، واضطرت بعض الشركات إلى تقليص التشغيل أو إيقاف الإنتاج مؤقتاً، وفق الوكالة.

هدنة التجارة تحت اختبار التراخيص
منحت تفاهمات "بوسان"، التي توصل إليها ترامب وشي في أكتوبر 2025، الأسواق فترة من التهدئة بعد مواجهة جمركية حادة، وتضمنت الترتيبات تعهدات صينية بتسهيل صادرات معادن حيوية، مقابل تعليق إجراءات أميركية، مع اقتراب انتهاء عدد من الترتيبات المؤقتة في 10 نوفمبر 2026.
لكن واشنطن ما تزال تطالب بتنفيذ الالتزامات بصورة كاملة، وبحسب "بلومبرغ"، دعت تصريحات لوزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في يوليو الصين إلى الوفاء بتعهداتها، فيما ناقش بيسنت ونائب رئيس الوزراء الصيني خه لي فنغ العلاقات التجارية في نيويورك قبل القمة.
ويرى محللو "كابيتال إيكونوميكس"، وفق "فايننشال تايمز"، أن بطء الموافقات وانتقائيتها يعكسان استعداد بكين لاختبار حدود الهدنة، ويظل هذا تفسيراً لسلوك التراخيص، حيث أن تراجع الشحنات خلال شهر واحد، لا يكفي بمفرده لإثبات قرار سياسي جديد بتقييد الإمدادات.
وبالنسبة إلى الشركات، تكتسب مواعيد الموافقة والتسليم أهمية مباشرة، إذ قد يدفع تأخرها إلى زيادة المخزون الاحتياطي أو شراء بدائل أعلى تكلفة أو تعديل جداول الإنتاج.
اقرأ أيضاً: المعادن النادرة.. هل تفقد الصين ورقتها الأقوى؟
اليابان وألمانيا ضمن دائرة ضغط الصين
امتد انخفاض شحنات المغناطيسات الصينية في أغسطس إلى اليابان وألمانيا، بنسبة تقارب 17% و22% على أساس سنوي، على التوالي، وفق البيانات الواردة في تقرير "فايننشال تايمز".
وتواجه اليابان أيضاً قيوداً صينية أوسع على تصدير مواد ذات استخدام مزدوج إلى كيانات محددة، وسط توتر سياسي بشأن تايوان، أما الشركات الأوروبية، فتظل معرضة لاضطرابات التوريد بحكم اعتمادها على الصين، حتى عندما تختلف طبيعة الخلافات السياسية والتجارية.
ومع ذلك، تختلف حركة المغناطيسات عن حركة العناصر الخام ومركباتها، حيث يشير تقرير "سيلفرادو" الصادر في سبتمبر إلى أن صادرات المغناطيسات الصينية تعافت عالمياً بدرجة كبيرة مقارنة بمستويات ما قبل القيود، بينما بقيت صادرات بعض العناصر والمركبات الخاضعة للرقابة منخفضة، وهذا يعني أن التعافي الإجمالي قد يخفي نقصاً في منتجات محددة تحتاجها صناعات بعينها.
التراخيص تمنح بكين معلومات عن عملائها
يتجاوز أثر نظام التراخيص التحكم في توقيت الشحنات، فطلبات التصدير تتضمن معلومات عن المستخدمين النهائيين والاستخدامات المقصودة، ما يتيح للسلطات الصينية الاطلاع على تفاصيل من سلاسل التوريد التي تعتمد على منتجاتها.
ويرى تقرير للمعهد الملكي للخدمات المتحدة "RUSI"، صدر في يونيو، أن هذه البيانات تمنح بكين رؤية أوسع لاعتماد الشركات الغربية على الإمدادات الصينية، كما يصف التقرير ذلك بأنه مكسب معلوماتي، خاصة مع عدم امتلاك بعض الشركات صورة مكتملة عن مصادر المواد التي تدخل في مكوناتها.
اقرأ أيضاً: “مشروع فولت”: سلاح ترامب لكسر هيمنة الصين على المعادن
بناء البدائل يحتاج إلى سلسلة صناعية كاملة
توسّع الولايات المتحدة وأوروبا استثماراتهما في التعدين والمعالجة وإعادة التدوير، لكن توفير بدائل واسعة النطاق يحتاج إلى سنوات من البناء والتطوير، وتبقى مراحل التكرير وإنتاج السبائك والمغناطيسات من أبرز مواطن النقص، بحسب وكالة الطاقة الدولية.
وتواجه المشروعات الجديدة تكاليف مرتفعة وحاجة إلى معدات وخبرات متخصصة، فضلاً عن ضرورة إقناع العملاء بتوقيع عقود طويلة الأجل تساعد على تمويل الإنتاج.
وتضع هذه الفجوة الزمنية المصانع الغربية أمام معادلة صعبة، فهي تحتاج إلى استمرار الإمدادات الصينية لتشغيل خطوطها اليوم، وإلى تمويل البدائل لتقليل اعتمادها غداً، ولهذا ستُقاس قيمة أي تفاهم بين ترامب وشي بانتظام الشحنات وسرعة التراخيص، وبمدى منح الصناعة وقتاً لبناء مصادر أخرى قبل أزمة التوريد التالية.
