دخل اندماج "سبيس إكس" و"تسلا" مرحلة الدراسة الرسمية، بعد تشكيل لجنتين خاصتين من مديرين مستقلين في الشركتين لفحص صفقة محتملة تجمع السيارات الكهربائية والروبوتات والبطاريات مع الصواريخ والأقمار الصناعية والحوسبة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
وقال إيلون ماسك إن اللجنتين لم تتفقا على أي شروط، وإنه لا يشارك في المناقشات بسبب تضارب المصالح، فيما يبقى إتمام الصفقة مرهوناً بموافقة المساهمين والاتفاق على سعر عادل لتبادل الأسهم، ويعني ذلك أن الفكرة ما زالت بعيدة عن اتفاق ملزم، حتى مع اتساع الرهان على كيان قد يصبح من الأكبر في تاريخ الأسواق.
عند إغلاق 20 أكتوبر، بلغت القيمة السوقية لـ"سبيس إكس" نحو 1.95 تريليون دولار، مقابل 1.48 تريليون دولار لـ"تسلا"، بما يرفع القيمة السوقية المجمعة إلى نحو 3.43 تريليون دولار، وفق Axios، وتتغير هذه القيمة مع حركة الأسهم يومياً، ولم تُحدد بعد قيمة المقابل أو نسبة مبادلة الأسهم في أي صفقة محتملة.
صفقة سبيس إكس وتسلا قد تتجاوز سجلاً عمره ربع قرن
إذا أُبرمت الصفقة عند تقييم قريب من القيمة السوقية الحالية للشركتين، فقد تتجاوز أكبر صفقات الاندماج السابقة بفارق واسع، فقد بلغت صفقة استحواذ "فودافون" على "مانسمان" عام 2000 نحو 190 مليار دولار، وظلت رمزاً لعصر الصفقات العملاقة في قطاع الاتصالات، وفق توثيق غولدمان ساكس.
غير أن حجم الكيان المحتمل لا يحسم جدوى الاندماج، فالمساهم في "تسلا" سيحتاج إلى معرفة كم سهماً سيحصل عليه مقابل حصته، ومدى تحمله للإنفاق الضخم الذي تتطلبه الصواريخ والأقمار الصناعية ومراكز البيانات، بينما يحتاج مساهم "سبيس إكس" إلى تقييم ما تضيفه أعمال السيارات والطاقة والروبوتات إلى شركة باتت تتوسع سريعاً في الذكاء الاصطناعي والاتصالات.
وتمتلك المسألة بعداً حساساً في الحوكمة، فبحسب "تسلا" لعام 2026، يملك ماسك نحو 19.8% من الشركة، فيما تمنحه حصته وهيكل الأسهم في "سبيس إكس" قوة تصويتية مسيطرة، ولذلك تصبح استقلالية اللجنتين، وتقييمهما لنسبة مبادلة الأسهم، جوهر الصفقة المرتقبة أكثر من مجرد جمع قيمتين سوقيتين كبيرتين.

لماذا تريد الشركتان العمل تحت سقف واحد؟
تربط "تسلا" و"سبيس إكس" بالفعل علاقات استثمارية وتجارية، فقد كشفت "تسلا" عن استثمار بقيمة ملياري دولار في أسهم "سبيس إكس" خلال مارس، إضافة إلى تعاملات مرتبطة بمنتجات تخزين الطاقة، وفق إفصاح "تسلا" الفصلي.
وتتسع نقاط الالتقاء لتشمل الرقائق الإلكترونية، ومراكز البيانات، والروبوتات البشرية، والقيادة الذاتية، وشبكة "ستارلينك"، كما استحوذت "سبيس إكس" في فبراير على "X.AI Holdings"، المالكة لمنصة "إكس" ومختبر "xAI"، ما جعلها تضم منصة اجتماعية ونماذج "غروك" وبنية حوسبة متنامية إلى جانب أنشطة الفضاء والاتصالات.
ويستند منطق الاندماج إلى بناء سلسلة تقنية داخلية تبدأ من تصميم الرقائق والبطاريات والتصنيع، ثم تمتد إلى الحوسبة والبرمجيات والاتصال الفضائي والأجهزة الذاتية، وتستطيع "تسلا" تقديم خبرتها في التصنيع واسع النطاق، بينما تملك "سبيس إكس" قدرات الإطلاق وشبكة أقمار صناعية وبنية حوسبة تتوسع بسرعة.
ويأتي ذلك بعد طرح "سبيس إكس" عقب دمجها مع "xAI"، الذي نقل الشركة من نموذج يركز على الصواريخ والإنترنت الفضائي إلى تكتل يراهن أيضاً على الحوسبة والذكاء الاصطناعي.
اقرأ أيضاً: سيارة تسلا الطائرة.. من الأرض إلى السماء
نتائج "سبيس إكس" ترفع رهان الذكاء الاصطناعي
تعزز نتائج "سبيس إكس" في الربع الثالث دوافع هذا التقارب، فقد سجلت الشركة إيرادات بلغت نحو 14.6 مليار دولار، بزيادة 161% على أساس سنوي، وحققت صافي دخل قدره 4.4 مليار دولار، بعد خسارة صافية تجاوزت مليار دولار قبل عام، وفق نتائجها الرسمية.
وسجل قطاع "الذكاء الفائق"، وهو الاسم الذي تستخدمه الشركة لقطاع الذكاء الاصطناعي، إيرادات قدرها 7.6 مليار دولار خلال الربع، مقابل 813 مليون دولار قبل عام، وجاء النمو من اتفاقات خدمات سحابية، واستحواذ "كورسور"، وتوسع استخدام "غروك".
في المقابل، حقق قطاع الاتصال، الذي يشمل "ستارلينك" وخدمات الشركات والحكومات، إيرادات بلغت 5.3 مليار دولار ودخلاً تشغيلياً قدره 2.4 مليار دولار، ووصل عدد مشتركي "ستارلينك" الاستهلاكيين إلى 13.6 مليون مشترك بنهاية سبتمبر.
وأنفقت الشركة 19.6 مليار دولار كنفقات رأس مالية خلال الربع، ذهب معظمها إلى البنية الحاسوبية، وبلغت قدرتها الاسمية للحوسبة 1.7 غيغاواط بنهاية سبتمبر، ما يوضح حجم التمويل الذي قد ينتقل جزء من مخاطره إلى مساهمي "تسلا" إذا تم الاندماج.
اختبار الحوكمة قبل اختبار التكنولوجيا
تبدو قصة الاندماج مغرية على الورق، سيارات ذاتية القيادة وروبوتات وبطاريات ورقائق وأقمار صناعية وصواريخ ومراكز بيانات ضمن كيان واحد، إلا أن الجمع بين هذه الأصول يرفع أيضاً تعقيد الإدارة والتمويل والمساءلة أمام المساهمين.
وتعمل "تسلا" في سوق سيارات وطاقة تنافسي، بينما تعتمد "سبيس إكس" على نشاط إطلاق كثيف لرأس المال، وعلى توسع متسارع في الأقمار الصناعية والذكاء الاصطناعي، وتحتاج اللجان المستقلة إلى إثبات أن الاندماج المتوقع بين الشركتين أكبر من كلفة الدمج، وأن سعر الصفقة لا ينقل قيمة من مساهمي طرف إلى آخر.
وأكبر رقم في هذه القصة حتى الآن هو القيمة السوقية المحتملة للكيان الموحّد، لا صفقة موقعة، وسيحدد سعر تبادل الأسهم، وخطة الإنفاق، وقدرة اللجنتين على إقناع المستثمرين، ما إذا كان اندماج "سبيس إكس" و"تسلا" سيصبح صفقة تاريخية فعلاً، أم يبقى رهاناً ضخماً على رؤية ماسك التقنية.
