تقارير اقتصادية

    مستقبل الاقتصاد السوري بعد سقوط النظام: هيمنة اقتصادية أم نهضة مستدامة؟

    •آخر تحديث •6 دقائق
    مستقبل الاقتصاد السوري بعد سقوط النظام: هيمنة اقتصادية أم نهضة مستدامة؟

    تشهد سوريا واقعًا اقتصاديًا وسياسيًا معقدًا مع استمرار النزاع، حيث تزداد التوقعات بشأن شكل المرحلة المقبلة، ويؤكد الخبراء أنَّ انهيار النظام خلق حالة من الفراغ المؤسسي والإداري، مما يمهد الطريق لفرض الهيمنة الاقتصادية في سوريا لقوى إقليمية مختلفة.

    مع تعطل الشركات الوطنية، وهيمنة اقتصادية من قبل الدول المتدخلة في النزاع، عبر شركاتها الكبرى، من المتوقع أن تشهد القطاعات الاستراتيجية، مثل الطاقة والاتصالات ومشروعات إعادة الإعمار، منافسة شرسة بين الشركات الأجنبية، وسط مخاوف من استمرار التبعية الاقتصادية وتراجع قدرة سوريا على تحقيق تعافٍ اقتصادي مستدام.

    تداعيات غياب السلطة المركزية في سوريا بعد سقوط النظام

    أكَّد الدكتور أحمد عبد الفتاح، الخبير الاقتصادي، أنَّ البلاد، بعد سقوط نظام بشار الأسد، تمر في حالة من الانقسام العميق وغياب المؤسسات الرسمية الفاعلة، مما سيمهد الطريق لمزيد من الهيمنة الاقتصادية في سوريا من قبل الدول الفاعلة في النزاع السوري عبر شركاتها الكبرى.

    وأوضح عبدالفتاح أن غياب السلطة المركزية في سوريا بعد سقوط النظام سيؤدي إلى فراغ إداري وتنظيمي كبير، ستترتب عليه صراعات بين القوى المختلفة، سواء السياسية أو العسكرية، ما سيزيد من تشرذم البلاد وانقسامها.

    وأضاف في تصريحات خاصة لـ”Econ-Pedia” أنَّ هذا الانقسام سيتسبب في تفكك مؤسسات الدولة التي كانت تعاني أصلًا من ضعف واضح خلال سنوات الحرب، الأمر الذي سيمنع أي قدرة حقيقية على إعادة بناء الاقتصاد الوطني بالاعتماد على الموارد المحلية أو الشركات الوطنية.

    وأشار إلى أن الشركات السورية، التي تعرضت لأضرار بالغة خلال سنوات النزاع، لن تكون قادرة على العودة للعمل سريعًا في ظل حالة عدم الاستقرار والفراغ المؤسسي.

    هيمنة الدول الفاعلة على القطاعات الاستراتيجية في سوريا

    نتيجة للانقسام في سوريا، ستجد الدول التي لعبت أدوارًا عسكرية وسياسية في سوريا فرصة لفرض هيمنتها الاقتصادية من خلال شركاتها الكبرى، خاصة في القطاعات الاستراتيجية مثل الطاقة والاتصالات وإعادة الإعمار.

    قطاع الطاقة

    فيما يتعلق بقطاع الطاقة، قال عبدالفتاح إن روسيا وإيران ستكونان في مقدمة الدول المستفيدة، خاصة أنهما تمتلكان استثمارات قائمة بالفعل في هذا المجال، وقد حصلتا على عقود خلال السنوات الماضية، وهو ما سيمنحهما أفضلية في تأمين حصص كبيرة من إنتاج النفط والغاز السوري.

    وأشار إلى أن إيران ستسعى لتعزيز تواجدها الاقتصادي عبر عقود طويلة الأمد، بينما ستركز روسيا على إدارة موارد الطاقة بما يضمن لها عوائد اقتصادية وسياسية كبرى.

    اقرأ أيضًا: سوريا.. بين التحديات الداخلية والتدخلات الدولية

    قطاع الاتصالات

    يرى عبدالفتاح أنَّ انهيار الشركات الوطنية سيجعل الفرصة سانحة أمام شركات أجنبية للدخول إلى السوق السوري في قطاع الاتصالات، مضيفًا أنَّ الشركات الإيرانية قد تكون الأكثر حضورًا في هذا المجال، نظرًا للعلاقات القوية التي تربط إيران ببعض القوى السياسية السورية، بينما ستسعى تركيا إلى تعزيز وجودها في مناطق الشمال السوري عبر شركاتها، خاصةً أنَّ أنقرة تسيطر بالفعل على أجزاء من تلك المناطق.

    مشروعات إعادة الإعمار

    حذر الخبير من أنَّ مشاريع إعادة الإعمار ستتحول إلى ساحة تنافس شرسة بين الشركات الأجنبية، حيث ستسعى كل من روسيا وإيران وتركيا للحصول على نصيب الأسد من العقود الاقتصادية، وهو ما سيؤدي إلى تعزيز نفوذ هذه الدول على حساب الاقتصاد الوطني السوري.

    وأشار إلى أنَّ هذا التنافس سيؤدي إلى حرمان سوريا من الاستفادة الكاملة من مواردها وإمكاناتها الطبيعية، وسيزيد من التبعية الاقتصادية للدول الخارجية.

    تداعيات غياب المؤسسات السورية الرسمية

    أوضح الخبير الاقتصادي أنَّ غياب المؤسسات الرسمية والشركات الوطنية في هذه المرحلة سيؤدي إلى نتائج خطيرة على الاقتصاد السوري، أبرزها:

    • تحويل جزء كبير من عوائد القطاعات الاستراتيجية إلى الخارج.
    • تراجع قدرة الدولة على اتخاذ قرارات اقتصادية مستقلة.
    • انعدام قدرة الشركات الوطنية السورية على المنافسة مع الشركات الأجنبية.

    وفي هذا السياق، أكَّد عبد الفتاح أنَّ الوضع الاقتصادي بعد سقوط النظام سيعتمد بشكل كبير على قدرة سوريا على مواجهة التحديات الرئيسة، وعلى رأسها إعادة بناء المؤسسات الرسمية التي ستلعب دورًا أساسيًا في تنظيم وإدارة الموارد الاقتصادية. كما شدَّد على ضرورة وضع سياسات اقتصادية تُعزز دور القطاع الخاص المحلي وتُشجع على إطلاق مشاريع وطنية قادرة على المنافسة.

    وختم الدكتور أحمد عبد الفتاح تصريحه بالقول إنَّ سوريا بحاجة ماسة إلى تحقيق استقرار سياسي شامل يكون الأساس لنجاح عملية إعادة الإعمار، وهو السبيل الوحيد لضمان عدم هيمنة الدول الأجنبية على الاقتصاد السوري.

    وأضاف أنَّ إعادة بناء الاقتصاد بشكل مستدام يتطلب تكاتف الجهود الوطنية وتهيئة بيئة اقتصادية تحمي المصالح السورية بعيدًا عن التبعية للخارج.

    اقرأ أيضًا: كيف تؤثر حرب سوريا على الاقتصاد المصري؟

    استحواذ الشركات الأجنبية على القطاعات الحيوية في سوريا

    من جانبه، اتفق الدكتور محمد البنموسى، الخبير الاقتصادي، مع رأي عبدالفتاح، مؤكدًا أنَّ سقوط نظام الرئيس السوري بشار الأسد سيؤدي إلى واقع اقتصادي شديد التعقيد، يُنتج فراغًا مؤسسيًا وغيابًا للشركات الوطنية السورية، مما سيتيح للشركات الأجنبية، خاصةً التركية والقطرية، فرصًا واسعة للاستحواذ على القطاعات الاقتصادية الحيوية في سوريا.

    وأوضح البنموسى أنَّ المرحلة التي ستلي سقوط الأسد قد تتسم بانهيار المؤسسات الرسمية في الدولة، نتيجة سنوات الحرب والانقسام الداخلي، وهو ما سيؤدي إلى ضعف قدرة الحكومة السورية على إدارة الاقتصاد بشكل منظم. ومع هذا الفراغ، ستسعى الدول التي دعمت المعارضة إلى تعظيم مكاسبها الاقتصادية من خلال شركاتها الكبرى.

    تريليون دولار.. هل تُعيد إعمار سوريا وتغيير مستقبلها؟ إليك الرؤية الكاملة!

    كيف ستستفيد تركيا من الوضع الراهن في سوريا؟

    أشار البنموسى إلى أنَّ تركيا ستكون في مقدمة المستفيدين من هذا الوضع لعدة اعتبارات؛ أولها التواجد العسكري التركي على الأرض، خاصةً في مناطق الشمال السوري، حيث نجحت تركيا في خلق نفوذ اقتصادي عبر ضخ بضائعها وسيطرتها على حركة التجارة في تلك المناطق، كما أنَّ الشركات التركية ستستفيد بتعزيز وجودها في قطاعات متعددة مثل البنية التحتية، والصناعات الخفيفة، والتجارة.

    وأضاف في تصريحات خاصة لـ”Econ-Pedia” أنَّ قطاعي الاتصالات والطاقة سيكونان محط اهتمام رئيس للشركات التركية، حيث ستستغل أنقرة ضعف الشركات الوطنية السورية وغياب المنافسة المحلية، لتقديم خدماتها وتوسيع شبكاتها. ومن جهته، يتوقع البنموسى أن تصبح مناطق الشمال السوري معتمدة بشكل شبه كامل على الشركات التركية في توفير الخدمات الأساسية.

    قطر تلعب دورًا مؤثرًا في سوريا بعد سقوط النظام

    “الدوحة ستلعب دورًا اقتصاديًا مؤثرًا بعد سقوط الأسد، وذلك من خلال استثماراتها الكبيرة في إعادة الإعمار؛ حيث تمتلك الشركات القطرية خبرة واسعة في تنفيذ مشاريع ضخمة، ولديها الموارد المالية التي تُمكنها من اقتناص عقود إعادة بناء المدن المدمرة، وهو ما سيعزز نفوذ قطر الاقتصادي في سوريا”،وفقًا للبنموسى.

    كما يعتقد الخبير أنّ قطر ستتجه إلى الاستثمار في قطاعات مثل العقارات، والتمويل، والخدمات الأساسية، مع التركيز على مجالات التعليم والصحة التي تمثل جزءًا رئيسًا من توجهاتها الاستثمارية في الدول التي تمر بنزاعات مشابهة. وأضاف أنَّ دخول الشركات القطرية للسوق السورية سيأتي مدفوعًا برغبة قطر في تحقيق حضور اقتصادي وسياسي أكبر في المنطقة.

    آخر مستجدات سوريا بعد الأسد: احتفالات بالتحرير ومخاوف من فراغ سياسي

    التنافس الإقليمي والدولي في السوق السورية

    أوضح  البنموسى أنَّ هيمنة الشركات التركية والقطرية على السوق السورية لن تتم دون منافسة قوية من جانب الشركات الروسية والإيرانية، التي تمتلك مصالح راسخة في سوريا، خاصةً في قطاعي الطاقة والبنية التحتية، لافتًا إلى أنَّ هذا التنافس قد يؤدي إلى تعقيد المشهد الاقتصادي، حيث ستتحول البلاد إلى ساحة مفتوحة للتنافس بين القوى الإقليمية والدولية.

    ومن جهته، حذَّر البنموسى من أنَّ هذا الوضع سيُضعف قدرة الاقتصاد السوري على التعافي السريع، حيث ستتحكم الدول الأجنبية، من خلال شركاتها، في القطاعات الاقتصادية الرئيسة، مما سيؤدي إلى تهميش الشركات السورية وحرمانها من دورها الطبيعي في إعادة البناء، فضلًا عن أنَّ تدفق العوائد الاقتصادية إلى الخارج سيحرم الاقتصاد الوطني من الاستفادة من موارده وإمكاناته.

    وفي ختام حديثه، شدَّد الدكتور محمد البنموسي على أنَّ مستقبل سوريا الاقتصادي يعتمد بشكل أساسي على قدرتها على إعادة بناء مؤسساتها الرسمية ودعم القطاع الخاص المحلي، موضحًا أنَّ تحقيق التوازن بين الاستثمارات الخارجية والداخلية سيكون أمرًا حاسمًا في هذه المرحلة، لتجنب الوقوع في فخ التبعية الاقتصادية.

    ومن ناحية أخرى، أكَّد الخبير على ضرورة وضع سياسات اقتصادية صارمة تحفظ السيادة الوطنية وتمنح الشركات السورية الفرصة للمشاركة في إعادة الإعمار وقيادة عملية التنمية الاقتصادية بعيدًا عن الهيمنة الخارجية.