اقتصادات عالمية

    سباق النفوذ بين الصين والغرب في إفريقيا

    بقلم دانا تيسير••آخر تحديث •4 دقائق
    سباق النفوذ بين الصين والغرب في إفريقيا
    علما الصين والولايات المتحدة، وعملات ورقية من الدولار الأمريكي يعلوها مجسم لخارطة إفريقيا، للدلالة على التنافس بين الغرب والصين على إفريقيا.

    يشهد سباق النفوذ بين الصين والقوى الغربية في القارة الإفريقية زخماً تاريخياً غير مسبوق، مدفوعاً بالثروات الطبيعية الهائلة والإمكانات الاقتصادية الواعدة التي تكتنزها القارة.

    ويتمايز هذا التنافس بشكل جذري في أساليبه وأدواته تبعاً لاستراتيجية كل طرف؛ إذ تتحرك بكين بآليات ناعمة ترتكز على الشراكات التجارية وعمليات التنمية الممنهجة، في حين يتبنى الغرب في كثير من الأحيان سلوكاً يوصف بالعدوانية السياسية والعسكرية عبر التورط في النزاعات الإقليمية لفرض السيطرة.

    لغة الأرقام والاستثمارات الصينية

    تعتمد الصيغة الصينية لبسط النفوذ على "العمل بصمت" وبناء ركائز اقتصادية مستدامة، وقد نجحت بكين في التحول إلى الشريك الاستراتيجي الأول لإفريقيا من خلال ضخ استثمارات ضخمة في قطاعات البنية التحتية، والطاقة، والتعدين، مستغلة الانشغال الغربي بالملفات الأمنية.

    وتعكس البيانات الهيكلية هذا التفوق؛ حيث استحوذت تدفقات الاستثمار الصيني المباشر في الدول الـ 36 التي يعمل بها البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية (EBRD) على نحو 40% من إجمالي الاستثمارات الجديدة خلال العام الماضي، مقارنة بـ 5.1% في عام 2022، ونسبة ضئيلة جداً بلغت 0.6% قبل عشرين عاماً. وفي المقابل، تراجع الحضور الغربي ليقتصر مجموع استثمارات الولايات المتحدة وألمانيا معاً على 8% فقط في تلك المناطق.

    تحولات هيكلية فرضتها الحروب الجيوسياسية

    وفي تحليل لهذه الديناميكيات، أوضحت مدرس الاقتصاد في جامعة القاهرة، الدكتور سماح علي، في تصريحات خاصة، أن خارطة الاستثمارات الصينية المباشرة خضعت لـ "تحول هيكلي ملموس" خلال السنوات الخمس الماضية.

    وأشارت علي إلى أن تداعيات الحرب التجارية بين واشنطن وبكين، بالتوازي مع التوترات الناتجة عن الحرب الروسية الأوكرانية، أعادت رسم مسارات الاستثمار الأجنبي المباشر للصين؛ حيث وجهت ثقلها نحو آسيا الوسطى، وشرق أوروبا، بالإضافة إلى شمال وشرق إفريقيا. هذا التحول لا يعد مجرد رد فعل طارئ على التحديات الجيوسياسية، بل يمثل جزءاً من رؤية بكين بعيدة المدى لتعزيز مكانتها القيادية في الاقتصاد العالمي.

    اقرأ أيضًا: فرنسا تراهن على الاقتصاد لاستعادة إفريقيا.. 23 مليار يورو

    إفريقيا كمخزن استراتيجي لمعادن المستقبل

    من جانبه، يسلط محلل الأسواق وعضو قسم أبحاث السوق في الشرق الأوسط لدى "XS.com"، سامر حسن، الضوء على حجم الدعم المالي الصيني؛ مبيناً أن بكين قدمت أكثر من 1.3 تريليون دولار في صورة قروض ومنح على مدار عقدين، لتصبح الممول الأول لـ 165 دولة منخفضة ومتوسطة الدخل، وشيدت عبرها ما يزيد عن 20 ألف مشروع.

    وأضاف حسن أن هذه التمويلات مكنت الدول النامية من تطوير بنيتها التحتية الأساسية من موانئ، وسكك حديدية، وشبكات اتصالات، ومحطات طاقة، والأهم من ذلك مشاريع استخراج النفط والغاز، وبهذا الأداء التشغيلي تجاوزت الصين الوعود غير المنفذة لدول مجموعة السبع (G7)، وتجلى التنافس بوضوح في تزاحم الأقطاب على قارة تفتقر للتمويل وتزخر باحتياطيات هائلة تتعطش إليها المصانع الكبرى.

    وتكمن الأهمية الاستراتيجية للقارة في استحواذها على أكثر من 80% من الاحتياطي العالمي لعناصر حيوية مثل المنغنيز، والبلاتينيوم، والكروم، بالإضافة إلى مخزونات وافرة من الليثيوم، والكوبالت، والنيكل؛ إذ تشكل صادرات المعادن قرابة 30% من إجمالي صادرات 23 دولة إفريقية.

    محورا الاستراتيجية الصينية لإزاحة الغرب

    تفسر الدكتورة سماح علي آليات النجاح الصيني عبر تمحور استراتيجيتها حول ركيزتين أساسيتين لخلق أسواق بديلة تستوعب فائض المدخرات المحلية:

    أولاً: الكيانات التمويلية البديلة: وظفت بكين فائض استثماراتها المحاصرة بالقيود الأمريكية لتأسيس كيانات تمويلية جديدة تنافس المؤسسات التقليدية كالبنك الدولي والبنك الأوروبي. وتميزت هذه الكيانات بتفادي نقطة الضعف الغربية المتمثلة في "المشروطية السياسية" والتدخل في الشؤون الداخلية للدول، مما جعلها الخيار الأفضل للحكومات الإفريقية.

    ثانياً: بناء الشراكات والاستهداف الجغرافي: ركزت الصين على تنويع أسواقها وتقليل الاعتماد على الغرب عبر اختراق شمال إفريقيا وآسيا الوسطى. واستغلت الشركات الصينية ميزتها التنافسية الفائقة في تنفيذ مشاريع البناء بكفاءة عالية وكلفة مالية أقل، مما أدى تدريجياً إلى إزاحة الشركات الغربية المنافسة من الأسواق الإفريقية.

    اقرأ أيضًا: صراع اقتصادي جديد.. اليابان تنافس الصين في إفريقيا

    "إفريقيا هي صين الصَين" والتحول السياسي الحاد

    يرى المحلل الاقتصادي سامر حسن أن الاندفاع نحو الثروات الإفريقية تفرضه متطلبات ثورة الذكاء الاصطناعي، والتحول الأخضر، وصناعة السيارات الكهربائية، واصفاً المعادلة بقوله: "إن إفريقيا تمثل (الصين الخاصة بالصين ذاتها) والتي سترتكز عليها قاطرة النمو المستقبلي لبكين"، في الوقت الذي يحاول فيه الغرب بقيادة واشنطن الاستحواذ على حصة من هذه المعادن لكسر النفوذ الصيني الروسي المتنامي.

    ونبّه حسن إلى أن هذا التكالب دفع بكين للتغلغل بشكل أعمق عبر تمويلات سخية قد تحمل في طياتها بنوداً تتيح السيطرة على الأصول السيادية للدول المتعثرة عن السداد، بالتوازي مع تقارير تشير إلى إسهام هذا الصراع في زعزعة أنظمة الحكم الحليفة للغرب أو التي تمثل بقايا الإرث الاستعماري الأوروبي، وقد تجسد ذلك بوضوح في سلسلة الانقلابات العسكرية المتتالية التي ضربت الدول الغنية بالموارد.

    واختتم حسن بالإشارة إلى أن الطموح الصيني يوسع الفجوة لصالحه مستغلاً انخراط الغرب وأوروبا في حرب استنزاف طويلة الأمد في أوكرانيا، والتي تستنزف قدراتهم المالية والعسكرية، وتتسبب في اضطراب سلاسل توريد الحبوب والطاقة عالمياً.

    ورغم هذا الانقسام الحاد، يرى الخبراء أن هذا التنافس قد يتحول مستقبلاً إلى فرصة للتعاون المشترك إذا ما اتفقت القوى العظمى على صياغة أطر للتنمية المستدامة تضمن استقرار القارة السمراء وتحقق مصالح الجميع.

    اقرأ أيضًا: تراجع تمويل الصين لإفريقيا.. نهاية عصر المليارات