تقارير اقتصادية

    زيارة ترامب للسعودية.. مسار جديد للعلاقات وصفقات عملاقة

    •آخر تحديث •5 دقائق
    زيارة ترامب للسعودية.. مسار جديد للعلاقات وصفقات عملاقة

    تتجه الأنظار إلى الزيارة الثانية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى المملكة العربية السعودية، والتي تأتي بعد مرور ثماني سنوات على زيارته الأولى في عام 2017. وتكتسب هذه الزيارة أهمية خاصة نظراً لما تحمله من أبعاد استراتيجية تتجاوز الأطر البروتوكولية التقليدية، لتتحول إلى محطة مفصلية في إعادة رسم خارطة التحالفات الإقليمية في الشرق الأوسط.

    وقد أثارت هذه الزيارة موجة من التحليلات المتباينة بشأن أهدافها المعلنة والخفية، خاصة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية واستمرار الأزمات في عدد من الدول، وعلى رأسها سوريا ولبنان، فضلاً عن التحديات السياسية والاقتصادية التي تفرض نفسها بقوة على المشهد العام في المنطقة.

    السعودية في قلب الرؤية الأمريكية الجديدة

    أكد الدكتور كريم سيد، أستاذ العلوم السياسية، أن هذه الزيارة تحمل دلالات استراتيجية ترتبط بإعادة صياغة التحالفات في المنطقة، وتعزيز دور المملكة العربية السعودية كمركز ثقل سياسي واقتصادي في الاستراتيجية الأمريكية الجديدة.

    وبحسب سيد، فإن اختيار ترامب للرياض كنقطة انطلاق في جولته الأولى ليس مصادفة، بل خطوة محسوبة بدقة تعكس أهمية المملكة في رؤية الإدارة الأمريكية الحالية. وأضاف السيد أن المملكة لم تعد مجرد حليف تقليدي للولايات المتحدة، بل باتت ركناً أساسياً في استراتيجية واشنطن لإعادة ترتيب التحالفات الإقليمية، خاصة في ظل تصاعد التوترات مع إيران وانحسار نفوذ حلفائها في لبنان وسوريا.

    كما أشار السيد إلى أن التحولات الجيوسياسية في المنطقة دفعت الولايات المتحدة إلى تعزيز شراكتها مع السعودية، التي أصبحت بمثابة بوابة رئيسية لواشنطن إلى المنطقة، في وقت تتراجع فيه علاقات الولايات المتحدة مع بعض حلفائها التقليديين في أوروبا وآسيا.

    الاقتصاد والتكنولوجيا كأدوات للنفوذ

    يرى الدكتور كريم سيد أن الإدارة الأمريكية تسعى من خلال هذه الزيارة إلى فتح آفاق جديدة للتعاون الاقتصادي مع السعودية، خاصة في مجالات التكنولوجيا والطاقة والذكاء الاصطناعي، ويأتي ذلك في إطار رؤية السعودية 2030 التي تسعى إلى تقليل الاعتماد على النفط وتنويع مصادر الدخل، ما يجعلها منصة جاذبة للاستثمارات الأمريكية.

    وأوضح سيد أن ترامب يراهن على تعزيز التعاون الاقتصادي بين البلدين من خلال مشاريع استراتيجية ضخمة قد تصل إلى تريليونات الدولارات، وهو ما يهدف إلى دعم الاقتصاد الأمريكي وتعزيز نفوذ واشنطن الاقتصادي في المنطقة.

    وأضاف سيد: “الملفات الاقتصادية لا يمكن فصلها عن الملفات السياسية في هذه المرحلة، فالتعاون الاقتصادي بين الولايات المتحدة والسعودية سيشكل قاعدة مهمة لتعزيز التحالفات السياسية والأمنية في المنطقة، بما يتماشى مع الأهداف الاستراتيجية لكلا البلدين”.

    اطّلع على تفاصيل القمة الاستراتيجية التي ستُعقد في الرياض بحضور دونالد ترامب

    رسائل ضمنية لإسرائيل

    أكد الدكتور كريم سيد أن تجاهل ترامب لتل أبيب في جولته الإقليمية يحمل رسائل ضمنية حول تغير موقف واشنطن تجاه الحكومة الإسرائيلية الحالية، خصوصاً في ظل الانتقادات الدولية المتزايدة تجاه الحرب على غزة وما رافقها من اتهامات بارتكاب جرائم حرب.

    وأشار سيد إلى أنَّ ترامب يتعمد إرسال إشارات سياسية مفادها أن واشنطن لن تكون غطاءً دائماً لسياسات الحكومة الإسرائيلية، خاصة إذا كانت تلك السياسات تتعارض مع المصالح الأمريكية في المنطقة أو تضر بالعلاقات مع الحلفاء الإقليميين مثل السعودية.

    وأضاف: “هذا الموقف يضع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في موقف صعب، خاصة مع إصرار السعودية على عدم التطبيع مع إسرائيل قبل قيام دولة فلسطينية، وهو ما قد يؤدي إلى عزلة تل أبيب إقليمياً ويعيد ترتيب الأولويات في المنطقة”.

    موضوع ذو صلة: التصنيف الائتماني لإسرائيل تحت المراقبة.. وستاندرد آند بورز تحذر

    الملف السوري

    أوضح سيد أن الملف السوري يشكل عنصراً رئيسياً في المباحثات بين ترامب والقيادة السعودية، حيث تهدف الرياض إلى دعم الانتقال السياسي في سوريا والتخفيف من حدة العقوبات الدولية، بما يسمح بإعادة الإعمار وتحقيق الاستقرار.

    وقال سيد إنّ “السعودية ترى أن أي استقرار في سوريا سيؤدي إلى تقليص نفوذ إيران في المنطقة، وهو ما يتماشى مع الأهداف الأمريكية، وفي المقابل تخطط واشنطن إلى دعم القوى المعتدلة في سوريا، بما يضمن تقليل تأثير روسيا وإيران على المشهد السوري”.

    اقرأ المزيد: ترامب يعلن رفع العقوبات عن سوريا بعد مشاورات مع السعودية وتركيا

    إعادة تشكيل التوازنات السياسية في لبنان

    أما في المشهد اللبناني، فأشار سيد إلى أن الولايات المتحدة والسعودية تراقبان تراجع نفوذ حزب الله نتيجة الأزمة الاقتصادية والتفكك السياسي، وهو ما قد يُمهد لتحالفات جديدة تعيد رسم الخارطة السياسية في لبنان بما يخدم مصالحهما.

    وأضاف أن كلا الطرفين يراهن على تحريك ملفات الإصلاح والدعم الدولي لتقليص تأثير القوى المرتبطة بإيران، وفتح المجال أمام قوى أكثر توافقًا مع الرؤية الغربية والعربية.

    المملكة وموقعها الإقليمي الجديد

    “تسعى السعودية إلى تعزيز موقعها الإقليمي والدولي عبر الاستثمار في ملفات استراتيجية مثل الوساطة بين القوى الكبرى وتطوير قطاع التكنولوجيا والطاقة المتجددة، وهو ما يمنحها أوراقاً سياسية واقتصادية مهمة في المفاوضات مع واشنطن”، بحسب سيد.

    كما أوضح الدكتور كريم سيد أنَّ المملكة أصبحت مركزاً إقليمياً للحوار، وهو ما يعزز من مكانتها كقوة إقليمية قادرة على التأثير في القضايا الدولية الكبرى، مثل الملف النووي الإيراني وأمن الطاقة العالمي.

    وأشار إلى أن السعودية تستفيد من هذا الدور لتعزيز موقفها في المحافل الدولية، خاصة مع ازدياد التقارب مع الصين وروسيا، وهو ما يجعلها شريكاً استراتيجياً لواشنطن يجب التعامل معه بحذر.

    اطّلع على تفاصيل القمة الاستراتيجية التي ستُعقد في الرياض بحضور دونالد ترامب

    بداية عهد جديد أم إعادة تموضع

    أكَّد الدكتور كريم سيد أن زيارة ترامب للسعودية تأتي في توقيت حساس على المستويين الإقليمي والدولي، وقد تشكل بداية عهد جديد في العلاقات الأمريكية الشرق أوسطية، خاصة في ظل التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة.

    واعتبر سيد أن هذه الزيارة تمثل فرصة للطرفين لإعادة تقييم مواقفهما من الملفات الساخنة في المنطقة، مثل الملف الفلسطيني، وملف النووي الإيراني، وقضية استقرار لبنان وسوريا.

    واختتم سيد قائلاً:”هذه الزيارة قد تكون نقطة انطلاق لمرحلة جديدة من التحالفات السياسية والاقتصادية، ولكنها أيضاً تحمل في طياتها مخاطر عديدة، خاصة في حال فشل الطرفين في التوصل إلى تفاهمات واضحة حول الملفات المعقدة التي لا تزال عالقة دون حلول جذرية”.

    أكبر صفقة أسلحة في التاريخ

    في سياق متصل، أعلن البيت الأبيض عن توقيع الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة العربية السعودية على “أكبر صفقة أسلحة في التاريخ”، موضحاً أن الصفقة التي تم توقيعها بين واشنطن والرياض بلغت قيمتها 142 مليار دولار.

    وأشار البيت الأبيض إلى أن الصفقة تتعلق بتزويد المملكة العربية السعودية بمعدات قتالية متطورة تشمل مجموعة واسعة من الأسلحة الحديثة التي ستعزز من قدرة القوات السعودية الدفاعية.

    ووفقاً لتقرير لوكالة “رويترز”، ذكر مصدران أن المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة بحثتا أيضاً إمكانية شراء الرياض طائرات مقاتلة من طراز إف-35، وهي واحدة من الطائرات الأكثر تقدماً في العالم.

    كما وقع ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، والرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، وثيقة الشراكة الاقتصادية الاستراتيجية بين البلدين، في خطوة تعكس عمق العلاقات بين الجانبين واهتمامهما بتعزيز التعاون في مختلف المجالات.

    إضافة إلى ذلك، تم التوقيع على عدة اتفاقيات بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية في مجالات الطاقة والدفاع والتعدين، مما يعكس رغبة الطرفين في تعزيز التعاون المشترك في هذه القطاعات الحيوية.

    اقرأ أيضًا: جولة ترامب الخليجية.. تريليون دولار وربما أكثر على الطاولة