في محاولة من البنك المركزي الأرجنتيني للسيطرة على وتيرة التضخم المتسارعة، والتي اقتربت من حاجز 300% كأعلى معدل عالمي، أصدر البنك ورقة نقدية جديدة من فئة 10 آلاف بيزو، مع التخطيط لطرح فئة أكبر بقيمة 20 ألفاً. ورغم الضخامة الرقمية لفئة الـ 10 آلاف بيزو، إلا أن قيمتها الفعلية لا تتجاوز 11 دولاراً وفقاً لسعر الصرف الرسمي.
في هذا الصدد، يوضح الخبير المصرفي الدكتور رمزي الجرم أن جدوى إصدار فئات نقدية كبرى كآلية لمواجهة الغلاء تختلف من اقتصاد إلى آخر؛ إذ ترتبط المسألة بالظروف السياسية والاجتماعية لكل دولة، والأهم من ذلك سلوك الأفراد ومدى اعتمادهم على نظم المدفوعات الرقمية مقابل النقد التقليدي.
هل تسير دول الشرق الأوسط وإفريقيا خلف الأرجنتين؟
أكد الجرم أنه لا يوجد مبرر لحذو دول مثل تركيا، والسودان، ولبنان، وزيمبابوي، ومصر حذو الأرجنتين -رغم معاناتها من مستويات تضخم مرتفعة- وذلك لأن هذه الاقتصادات تبنت بالفعل أنظمة متطورة في آليات التحول الرقمي والنقدي.
وتتفق رانيا جول، محللة الأسواق في الشرق الأوسط لدى "XS.com"، مع هذا الطرح، مشيرة إلى أن الدول التي يعود تضخمها إلى تراجع الإنتاج (مثل لبنان والسودان وزيمبابوي) لن تجد في طباعة فئات نقدية أكبر حلاً فعالاً، بل قد تسهم هذه الخطوة في تفاقم الأزمة.
وأضافت جول: "ليست جميع الدول مضطرة لمحاكاة التجربة الأرجنتينية؛ فإصدار الأوراق النقدية الكبيرة ليس السبيل الوحيد لكبح الأسعار، إذ توجد أدوات أكثر فاعلية كرفع أسعار الفائدة وتقليص الإنفاق الحكومي".
اقرأ أيضًا: الأرجنتين تبدأ حقبة جديدة من الاقتراض
هل تنجح طباعة العملة الجديدة في حل أزمة الأرجنتين؟
توضح رانيا جول أن الدول التي ينتج تضخمها عن الإفراط في المعروض النقدي -مثل الأرجنتين- قد تجد فائدة "لوجستية مؤقتة" في طباعة العملة بفئات نقدية أكبر، تكمن في تسهيل التداولات اليومية وتخفيف عبء حمل رزم ضخمة من النقود الصغيرة.
فالأرجنتين تستهدف من هذه الخطوة تذليل عقبتين: الأولى هي مواكبة الارتفاع الجنوني للأسعار الذي يصعّب الشراء والادخار، والثانية هي خفض التكلفة المادية والعملية لحمل النقد ونقله.
ومع ذلك، تؤكد جول أن هذه الحلول تبقى مسكنات موضعية مؤقتة؛ كونها لا تلمس الجذور الحقيقية للأزمة الأرجنتينية، المتمثلة في الاختلالات الهيكلية وسوء إدارة السياسات المالية.
اقرأ أيضًا: اقتصادات الشرق الأوسط.. ضحية الصراع بين “تل أبيب وطهران”؟
البدائل الاقتصادية المستدامة
تظل خطوة الأرجنتين مثيرة للجدل في الأوساط الاقتصادية، حيث تجمع الآراء على وجود بدائل لطباعة العملة، تضمن كبح التضخم بشكل مستدام، ومن أبرزها:
تشديد السياسة النقدية عبر تحجيم المعروض النقدي من قبل البنوك المركزية.
تحفيز الإنتاج المحلي من خلال الاستثمار في البنية التحتية، ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتطوير الكفاءات البشرية.
إدارة الصدمات الخارجية بالتعامل المرن مع تقلبات أسعار السلع الأساسية واضطرابات سلاسل التوريد العالمية.
في نهاية المطاف، تُثبت أزمة البيزو الأرجنتيني أن معالجة التضخم عبر طباعة فئات نقدية أكبر ليست سوى محاولة لتغيير شكل المشكلة لا جوهرها؛ فالأوراق النقدية الكبيرة قد تمنح المحافظ والجيوب راحة مؤقتة من ثقل رزم النقود، لكنها لا تملك القدرة على ترميم القوة الشرائية المنهارة.
