تقارير اقتصادية

    كيف تؤثر زيادة أسعار الوقود في مصر على أسعار السلع؟

    •آخر تحديث •5 دقائق
    كيف تؤثر زيادة أسعار الوقود في مصر على أسعار السلع؟

    بدأت الحكومة في مصر تنفيذ قرارها الجديد بتعديل أسعار المنتجات البترولية، وذلك في إطار آلية المراجعة الدورية التي تعتمدها لجنة التسعير التلقائي للوقود، والتي تستند إلى متغيرات السوق العالمي وتكاليف الإنتاج المحلية.

    وتُعد هذه الزيادة الأولى التي يتم تطبيقها خلال عام 2025، بعد فترة استقرار دامت لستة أشهر، حيث كانت آخر مرة تم فيها تعديل أسعار الوقود في 18 أكتوبر  عام 2024، وجاء القرار بعد دراسة دقيقة للأوضاع الاقتصادية الراهنة، سواء على المستوى المحلي أو العالمي، وبخاصة ما يتعلق بارتفاع أسعار خام برنت وتقلبات سعر الصرف، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على تكلفة استيراد وإنتاج الوقود في مصر.

    ورغم هذه الخطوة، شددت وزارة البترول والثروة المعدنية في بيان رسمي على أن الدولة لا تزال تواصل دعم عدد من المنتجات البترولية الأساسية، وفي مقدمتها السولار، والبوتاجاز، بالإضافة إلى بنزين 80 و92، وذلك في إطار الحرص على البعد الاجتماعي وتخفيف الأعباء المعيشية عن المواطنين، خاصة الفئات الأكثر احتياجًا.

    تأثير زيادة أسعار الوقود على القطاعات الاقتصادية

    من جانبه، يقول الدكتور أحمد شوقي، الخبير الاقتصادي، إن قرارات الحكومة الأخيرة بشأن رفع أسعار المواد البترولية تأتي في إطار توجه واضح نحو تخفيف الأعباء عن الموازنة العامة للدولة، وذلك من خلال تقليص الدعم الموجه لمنتجات الوقود، وتحقيق كفاءة أكبر في إدارة الموارد.

    وأوضح شوقي أنَّ الزيادة شملت رفع سعر السولار بنسبة 14.8%، وبنزين 80 بنسبة 14.5%، بالإضافة إلى أسطوانات البوتاجاز المنزلية والتجارية بنسبة 33.3%، وكذلك المازوت الصناعي بنسبة 10.5%. وأشار إلى أنَّ هذه الزيادات ستنعكس بشكل مباشر على تكلفة العديد من الخدمات، في مقدمتها خدمات النقل التي سترتفع بمتوسط يتراوح بين 11% إلى 15%.

    وفي هذا السياق، لفت الخبير إلى أنَّ تأثير ارتفاع أسعار الوقود لا يتوقف عند تكلفة النقل فقط، بل يمتد إلى تكاليف التشغيل في القطاعات الصناعية والتجارية المختلفة، ما يعني زيادة محتملة في تكلفة التمويل والإنتاج بنحو 10% كمعدل متوسط، الأمر الذي سيؤثر بشكل واضح على أسعار السلع والخدمات.

    كما أكد أن القطاعات التجارية، مثل المطاعم والمتاجر والورش، ستكون من أكثر المتأثرين بالزيادات الأخيرة، خاصة تلك التي تعتمد على الغاز في توليد الكهرباء، لافتًا إلى أن التأثير على هذه القطاعات قد يصل إلى زيادة تتراوح بين 10% و30% وفقًا لنمط الاستهلاك.

    تعرّف إلى تفاصيل قرار رفع أسعار المحروقات في مصر

    دور الحكومة في التخفيف من التأثيرات الاقتصادية

    رغم الزيادات في أسعار الوقود، شدَّد الخبير الاقتصادي على أن الحكومة حرصت على اتخاذ إجراءات موازية للتقليل من حدة التأثير، من خلال تثبيت أسعار المازوت المستخدم في توليد الكهرباء والصناعات الغذائية، وأسعار الغاز المستخدم في تموين السيارات، وهو ما من شأنه إحداث حالة من التوازن النسبي في أسعار السلع الأساسية التي يُتوقع أن ترتفع بنسبة معتدلة بمتوسط 13% ± 2%.

    وأشار إلى أهمية الدور الرقابي للدولة خلال الفترة المقبلة، قائلاً: “لابد من تفعيل أدوات الرقابة على الأسواق بشكل مكثف لضمان عدم التلاعب بالأسعار أو استغلال المواطنين، خاصة في ظل المتغيرات الراهنة المتعلقة بتضخم الأسعار وسنة الأساس الجديدة”.

    ومن جهة أخرى، قال الخبير إنّ “الدولة خصصت 130 مليار جنيه ضمن الموازنة العامة لدعم أسعار البنزين، وتعمل حاليًا على توجيه هذا المبلغ لتخفيف عبء الفوائد من ناحية، ودعم القطاعات الإنتاجية كالصناعة والزراعة والصادرات من ناحية أخرى، بهدف تحفيز النمو وتوفير منتجات محلية تقلل من الاعتماد على الاستيراد، وبالتالي احتواء التضخم”.

    التحرك نحو خفض أسعار الفائدة

    أشار الدكتور أحمد شوقي إلى أن السياسة النقدية في مصر بدأت تتحرك نحو خفض أسعار الفائدة، في محاولة لتوفير عائد حقيقي على الجنيه المصري، ما يسهم في تقليل تكلفة التمويل على الشركات والمصانع، وكذلك خفض بند الفوائد في الموازنة العامة، والذي يمثل نحو 40% من إجمالي المصروفات الحكومية.

    واختتم شوقي تصريحاته بالتأكيد على أهمية التوازن بين إجراءات الإصلاح الاقتصادي والعدالة الاجتماعية، مؤكدًا أن الحكومة تحتاج إلى مواصلة العمل على دعم الفئات المتضررة، مع الحفاظ على استدامة السياسات المالية والاقتصادية في ظل التحديات العالمية والمحلية.

    اقرأ أيضًا: الدولار في مصر يتخطى الـ51 جنيهًا

    كيف ستؤثر أسعار المحروقات في أسعار السلع

    صرح الدكتور سيد قاسم الخبير الاقتصادي ، بأن ارتفاع أسعار المحروقات سيؤدي حتمًا إلى زيادة معدلات التضخم، مشيرًا إلى أن هذا سيُترجم إلى زيادات جديدة في أسعار السلع والخدمات داخل السوق المحلي. كما لفت إلى ضرورة تدخل الحكومة لضبط السوق والتحكم في حجم المعروض من السلع الأساسية، بما يحدّ من تفاقم التضخم ويقلص من أثر الزيادة على المستهلكين.

    وأضاف الخبير أن زيادة أسعار الوقود سترفع تكلفة التشغيل والنقل لمختلف الأنشطة الاقتصادية، ما سينعكس في نهاية المطاف على أسعار السلع النهائية التي يتحملها المواطن، مشيرًا إلى أنَّ اعتماد قطاعي التصنيع والتوزيع بشكل كبير على الوقود يجعل من تأثير الزيادة في أسعار المحروقات أمرًا مباشرًا وسريعًا على الأسواق.

    وأوضح قاسم أن زيادة أسعار الوقود بنسبة 15% قد تؤدي إلى مضاعفة أسعار عدد من المنتجات، بسبب ارتفاع تكلفة الإنتاج، وأكد أن هذه التكاليف الإضافية سيتم تحميلها على المستهلك النهائي، بوصفها جزءًا من دورة الإنتاج الكاملة.

    كما أشار إلى أن التضخم مرشح للارتفاع خلال الفترة المقبلة، وهو ما سيؤثر بدوره على قرارات البنك المركزي المصري، خاصة فيما يتعلق بسعر الفائدة في اجتماعه المرتقب خلال هذا الشهر، حيث سيتعين على البنك دراسة الأوضاع بدقة لضبط السياسة النقدية.

    اقرأ المزيد: كيف تؤثر زيادة أسعار الوقود في مصر على المواطن؟

    سد الفجوة بين تكلفة الإنتاج وسعر البيع الفعلي

    من جهتها، أكدت وزارة البترول والثروة المعدنية أن الزيادات الأخيرة في أسعار المحروقات لم تكن كافية لسد الفجوة بين تكلفة الإنتاج وسعر البيع الفعلي في السوق المحلي، وذلك نتيجة لارتفاع أسعار الطاقة على المستوى العالمي، وأوضحت أن الدولة لا تزال تتحمل دعمًا يوميًا للوقود يقدر بنحو 366 مليون جنيه (ما يعادل نحو 11.464 مليون دولار)، لتغطية فارق السعر، وهو ما يعادل دعمًا شهريًا بقيمة 11 مليار جنيه (نحو 214.7 مليون دولار).

    وفي السياق ذاته، أشارت الوزارة إلى أن مصر تستورد نحو 40% من احتياجاتها من السولار، و50% من البوتاجاز، بالإضافة إلى استيراد نحو 25% من البنزين المستخدم محليًا، وهو ما يرفع من تكلفة توفير هذه المنتجات في السوق المحلي بشكل كبير.

    كما لفتت إلى أن تكلفة إنتاج لتر السولار شهدت انخفاضًا طفيفًا بلغ نحو 40 قرشًا للتر، نتيجة تراجع أسعار خام برنت في الأسواق العالمية، إلا أن هذا الانخفاض لم يكن كافيًا لسد الفجوة السعرية، في ظل استمرار ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل والتوزيع، فضلاً عن تقلبات السوق العالمي.

    قد يهمك أيضًا: زيارة ماكرون لمصر.. خطوة جديدة نحو تعزيز الشراكة الاستراتيجية