تقرير: باسل محمود
بعد سنوات من الأزمات الاقتصادية التي عصفت بسوريا، جاءت الحكومة الانتقالية لتعلن عن خطوة وصفها البعض بالضرورية، وهي زيادة رواتب موظفي القطاع العام بنسبة تصل إلى 400%. هذه الزيادة قد تسهم في تحسين وضع المواطن السوري الذي يعاني من ارتفاع حاد في الأسعار وفقدان القدرة الشرائية. لكن، هل تكون هذه الزيادة حلاً فعالاً في ظل الظروف الاقتصادية الحالية أم أنَّها ستؤدي إلى المزيد من التضخم وتفاقم الأزمة؟
من الانهيار إلى الصدمة
تعيش سوريا اليوم في مرحلة حرجة، كان انهيار العملة المحلية أحد أبرز ملامحها؛ ففي عام 2010 كان سعر صرف الليرة السورية مستقراً عند 46 ليرة مقابل الدولار، لكن بعد سنوات من الحرب شهدت العملة السورية انهياراً كارثياً، حتى وصل الدولار إلى 22 ألف ليرة في يوم سقوط نظام الأسد في 8 ديسمبر 2024.
هذا الانهيار السريع في قيمة العملة السورية كان أحد الأسباب الرئيسة لزيادة أسعار السلع الأساسية بشكل غير مسبوق، حيث وصل التضخم إلى مستويات قياسية تخطَّت الـ 2000%، في الوقت الذي أصبح فيه دخل الموظف الحكومي أقل من 30 دولاراً شهرياً، ما وضع ملايين السوريين تحت خط الفقر، وزاد من معاناتهم في ظل غلاء الأسعار وندرة السلع الأساسية.
لكن مع إعلان الحكومة عن زيادة الرواتب بنسبة 400%، بدأ الحديث عن إمكانية تحسين الأوضاع المعيشية لبعض المواطنين، فهل يمكن لهذه الزيادة أن تكون حلاً حقيقياً، أم أنها مجرد مُسَكِّن مؤقت؟
اقرأ أيضًا: انهيار الليرة السورية وتوقف الرحلات!
تحديات زيادة الرواتب في سوريا
يُمكن أن تُسهم زيادة الرواتب بنسبة 400% بشكل جزئي في رفع القدرة الشرائية للمواطن السوري، لكن بعض الخبراء الاقتصاديين يرون أنَّ هذه الزيادة قد تؤدي إلى مضاعفات اقتصادية غير مرغوب فيها، مثل ضخ كميات كبيرة من النقود في السوق، ما سيرفع الطلب على السلع والخدمات، فترتفع معه الأسعار بشكل حاد، الأمر الذي قد يُقلل من تأثير الزيادة على مستوى معيشة المواطن.
بالإضافة إلى ذلك، فإنَّ ارتفاع الطلب على الدولار من قبل التجار الذين سيضطرون لاستيراد السلع، سيؤدي إلى مزيد من الضغط على سعر صرف الليرة، الأمر الذي سيُفاقم الوضع الاقتصادي، وهذا يعني أنّ القدرة الشرائية للمواطن السوري قد تبقى محدودة بسبب ارتفاع التضخم رغم الزيادة الكبيرة في الرواتب.
اقرأ المزيد من التفاصيل في هذا التقرير: من يدير الاقتصاد ويدفع رواتب السوريين؟
تخفيض الأسعار ودعم العملة الوطنية
يُعارض العديد من الخبراء الاقتصاديين زيادة الرواتب كحل مستدام للأزمة الاقتصادية، فَهُم يرون أنَّ تخفيض الأسعار هو الحل الأمثل لتحسين القوة الشرائية للمواطن، حيث يتطلب رفع الرواتب ضخ كتل نقدية ضخمة، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى تضخم مفرط يُفاقم الأزمة الاقتصادية، كما حدث في الماضي عندما رفع النظام السابق الأجور في وقت غير مناسب.
بدلاً من زيادة الرواتب، يجب على الحكومة التركيز على ضبط الأسعار، خاصة أسعار السلع الأساسية مثل المواد الغذائية والوقود، بالإضافة إلى تحسين قيمة الليرة السورية من خلال استراتيجيات لتحفيز الاقتصاد المحلي وجذب الاستثمارات، بدلاً من الاعتماد على الزيادة البسيطة في الرواتب.
هل يمكن لزيادة الرواتب أن تنقذ الاقتصاد السوري؟
بحسب بعض الخبراء، فإنَّ الحكومة قد لا تمتلك القدرة على تغطية زيادة الرواتب بنسبة 400% بسبب ضعف الإيرادات الحكومية؛ حيث تشير التوقعات إلى أن زيادة الرواتب قد تتطلب أموالاً تصل إلى 1.6 مليار دولار سنوياً، وهو مبلغ كبير يصعب تأمينه في ظل الوضع الاقتصادي الراهن.
الحكومة، التي تعاني من غياب الإيرادات المتنوعة، تعتمد بشكل أساسي على الضرائب التي تفرضها على التجارة الداخلية والتصدير، لكن هذا لا يكفي لتغطية نفقات زيادة الرواتب الضخمة.
ورغم هذه التحديات، هناك من يرى أنَّ الزيادة قد تكون مدعومة من دول صديقة لسوريا، وهو ما قد يساعد في تمويل هذه الزيادة المؤقتة، لكن تبقى هذه الحلول بحاجة إلى مزيد من الدراسة والتخطيط لضمان استدامتها.
اقرأ أيضًا: الاقتصاد السوري: بين العقوبات والتحديات لإعادة الإعمار
تجارب سابقة في سوريا
تاريخياً، أظهرت العديد من الدراسات الاقتصادية أنَّ زيادة الرواتب بشكل غير مدروس في أوقات الأزمات يمكن أن يكون لها تأثيرات سلبية على الاقتصاد.
في حالة سوريا، قد تؤدي هذه الزيادة إلى انهيار أكبر في قيمة العملة وارتفاع معدلات التضخم. على سبيل المثال، في فترة النظام السابق، تمَّ رفع الرواتب بشكل متكرر دون مراعاة الأوضاع الاقتصادية، الأمر الذي أدى إلى زيادة الأسعار دون تحسن حقيقي في مستوى معيشة المواطن.
في حين تبدو الزيادة في الرواتب خطوة إيجابية، إلا أنَّها لا تمثل حلاً جذرياً للأزمة الاقتصادية في سوريا؛ إذ إنّ الحلول الأكثر فعالية تتطلب تركيزاً على تحفيز الاقتصاد المحلي، ودعم العملة الوطنية، وتخفيض الأسعار لضمان تحسن فعلي في المستوى المعيشي للسوريين.
وزبدة الأمر أنّ الإجراءات المُتخذة يجب أن تتضمن استراتيجيات طويلة المدى لضمان استدامة التحسُّن الاقتصادي، وأن تواكبها إصلاحات في السياسة المالية والمصرفية لتحفيز الإنتاج وزيادة الاستثمارات المحلية والأجنبية.
اقرأ أيضًا: خط الغاز القطري التركي.. سقوط الأسد وتغيير المعادلة
