تقارير اقتصادية

    الاتحاد الأوروبي يرفع عقوبات المصارف والطاقة عن سوريا: تداعيات اقتصادية

    •آخر تحديث •6 دقائق
    الاتحاد الأوروبي يرفع عقوبات المصارف والطاقة عن سوريا: تداعيات اقتصادية

    في خطوة بارزة نحو إعادة بناء سوريا بعد سنوات من الحرب، قرَّر الاتحاد الأوروبي تعليق ورفع العقوبات الاقتصادية عن سوريا في عدة قطاعات رئيسية، تشمل المصارف والطاقة والنقل، وقد جاء هذا القرار خلال اجتماع وزراء خارجية الدول الـ27 في بروكسل، حيث تم الإعلان عن تعليق الإجراءات التقييدية التي كانت تستهدف هذه القطاعات، بما في ذلك النفط والغاز والكهرباء.

    يأتي هذا القرار في أعقاب الإطاحة بالرئيس السابق بشار الأسد في ديسمبر، ومحاولة الإدارة الجديدة في دمشق استعادة العلاقات مع المجتمع الدولي، مطالبة برفع العقوبات المفروضة خلال عهد النظام السابق.

    دوافع القرار وأبعاده السياسية

    أوضحت كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، أنَّ تعليق العقوبات لا يعني إلغاءها نهائيًا، مؤكدة أنَّ الاتحاد قد يُعيد فرضها إذا لم تلتزم القيادة السورية الجديدة باحترام حقوق الإنسان والقيم الديمقراطية.

    وسبق أن اتخذت الولايات المتحدة خطوة مشابهة، حيث أعلنت في 6 يناير إعفاءً جزئيًا للعقوبات على بعض المعاملات مع الهيئات الحكومية السورية لمدة 6 أشهر، وذلك بهدف تسهيل تدفق المساعدات الإنسانية، والتغلُّب على أزمة الطاقة، والسماح بالتحويلات الشخصية.

    وفي ظل هذه التطورات، يخطط الاتحاد الأوروبي إلى بناء علاقات جديدة مع الحكومة السورية الحالية، في إطار دعم الاستقرار في المنطقة، لكن تبقى إمكانية إعادة فرض العقوبات قائمة، ما لم تلتزم دمشق بمسار ديمقراطي يحترم حقوق الإنسان.

    ومن جانبه، أكَّد الدكتور سيد قاسم، الخبير الاقتصادي، أنَّ قرار الاتحاد الأوروبي تعليق العقوبات على قطاعات المصارف والطاقة والنقل في سوريا يمثل تحولًا مهمًا في المشهد الاقتصادي للبلاد، مُشيرًا إلى أنَّ هذه الخطوة قد تفتح الباب أمام انتعاش تدريجي بعد سنوات من القيود المالية والتجارية التي أثَّرت على مختلف جوانب الحياة الاقتصادية.

    رفع العقوبات عن المؤسسات المصرفية

    أكَّد مجلس الاتحاد الأوروبي في بيان رسمي أنَّه قرَّر رفع القيود عن خمس مؤسسات مالية رئيسية، هي:

    • المصرف الصناعي.
    • مصرف التسليف الشعبي.
    • مصرف الادخار.
    • المصرف الزراعي التعاوني.
    • مؤسسة الطيران العربية السورية.

    كما تضمَّن القرار السماح بوضع الأموال والموارد الاقتصادية لهذه الجهات تحت تصرُّف البنك المركزي السوري، في خطوة تهدف إلى تسهيل العمليات المالية ودعم النشاط الاقتصادي في البلاد.

    وأوضح قاسم في تصريحات خاصة لموقع “إيكونبيديا” أنَّ رفع العقوبات عن المؤسسات المصرفية السورية سيساهم في تحسين تدفق الأموال من الخارج، مما يُسَهِّل عمليات التحويل المالي بين السوريين في الداخل والخارج، ويُعَزِّز مناخ الاستثمار، كما أنَّ إعادة ارتباط المصارف السورية بالنظام المالي العالمي قد يسمح بعودة تدريجية لرؤوس الأموال الأجنبية، وهو أمر ضروري لإنعاش الاقتصاد السوري المنهك.

    تحرير قطاعات الطاقة والنقل

    أشار الخبير إلى أنَّ تحرير قطاع الطاقة سيُتيح لسوريا إمكانية استيراد المعدّات والتقنيات الحديثة، مما يساهم في تحسين إنتاج وتوزيع الكهرباء والوقود، وهو ما سينعكس إيجابًا على تكاليف الإنتاج الصناعي والمعيشي. أما في قطاع النقل، فإنَّ رفع القيود عن مؤسسة الطيران العربية السورية يُمكن أن يؤدي إلى تحسين حركة النقل الجوي والتجاري، مما يسهل عمليات التبادل التجاري ويعيد تنشيط قطاع السياحة.

    اقرأ أيضًا: انعكاسات تخفيف العقوبات الأوروبية على حياة السوريين

    هل يكفي رفع العقوبات لإنقاذ الاقتصاد السوري؟

    تطرَّق قاسم إلى ملف إعادة الإعمار، مشيرًا إلى أن رفع العقوبات عن سوريا قد يفتح المجال أمام مشاريع تنموية ضخمة، وهو ما سينعكس على خلق فرص عمل جديدة، وتحسين الوضع الاقتصادي تدريجيًا. ومع زيادة حجم المشروعات وإعادة بناء البنية التحتية، يمكن أن تتراجع الأسعار تدريجيًا، ويتحسَّن مستوى معيشة المواطنين إذا ترافق ذلك مع استقرار سعر صرف الليرة السورية.

    لكن رغم التفاؤل الحذر الذي أبداه الخبير الاقتصادي بشأن تأثير رفع العقوبات، إلَّا أنَّه أكَّد أنَّ هُناك تحديات كبيرة قد تعيق تحقيق النتائج المرجوة، أبرزها الفساد الإداري وسوء الإدارة اللذان قد يؤثران على توجيه الموارد إلى القطاعات التي تحتاج إلى دعم فعلي. كما أنَّ عدم الاستقرار السياسي قد يكون عائقًا أمام تدفُّق الاستثمارات الأجنبية، خاصة في ظل وجود مخاوف من إعادة فرض العقوبات إذا لم تلتزم الحكومة السورية الجديدة بالإصلاحات السياسية والاقتصادية المطلوبة دوليًا.

    وفي ختام حديثه، شدَّد الدكتور سيد قاسم على أنَّ رفع العقوبات خطوة إيجابية لكنَّها ليست كافية وحدها، مؤكدًا أنَّ نجاح الاقتصاد السوري في الاستفادة من هذا القرار يعتمد على تنفيذ إصلاحات حقيقية، وتعزيز بيئة الأعمال والاستثمار، وضمان الشفافية والحوكمة الرشيدة، حتى يكون التعافي الاقتصادي مستدامًا وقادرًا على مواجهة التحديات المستقبلية.

    التفاؤل بتحسُّن الاقتصاد السوري

    من جانبها، ترى الدكتورة منال العشري، عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي، أنَّ القرارات الأخيرة المتعلقة بسوريا تفتح نافذة أمل نحو استعادة الاستقرار الاقتصادي، خاصة بعد سنوات العزلة والعقوبات التي أثرت بشكل كبير على البنية الاقتصادية والبنية التحتية.

    وأكَّدت العشري في تصريحات خاصة لموقع “إيكونبيديا” أنَّ رفع بعض العقوبات أو تخفيفها قد يساهم في تحسين تدفق الأموال والاستثمارات، ويدعم عودة بعض الأنشطة التجارية، كما أنَّ بعض الدول بدأت تُعيد علاقاتها الاقتصادية مع سوريا، مما قد يُسهم في تحريك عجلة الاقتصاد.

    ولفتت عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي إلى أنّه ومع رفع العقوبات عن قطاع الطاقة من المتوقع أن يرتفع إنتاج النفط، وأن تعود سوريا إلى تصديره إلى دول الاتحاد الأوروبي التي كانت تستورد 90% من النفط السوري، لكنَّه توقف بسبب العقوبات، مما كبَّد البلاد خسائر مالية ضخمة.

    بالإضافة إلى ذلك، من المتوقع أن يشهد القطاع المصرفي السوري نقلة نوعية بعد قرار رفع العقوبات، حيث ستتمكن البنوك السورية من استئناف تعاملاتها مع المؤسسات المالية الدولية، وإعادة الاندماج في النظام المصرفي العالمي بعد سنوات من العزلة. ومن أبرز هذه التغييرات إعادة التواصل مع القنوات المصرفية الرسمية في معظم دول العالم، مما يسهم في تسهيل المعاملات التجارية وتعزيز التدفقات المالية إلى داخل البلاد.

    كما شددت العشري على أنَّ واحدة من أهم النتائج المنتظرة لهذا القرار هي إعادة استخدام نظام “سويفت” (SWIFT)، وهو النظام العالمي لتحويل الأموال بين البنوك كانت سوريا محرومة منه بسبب العقوبات، الأمر الذي سيُسَهِّل العمليات المصرفية الدولية، ويمكن الشركات السورية من تنفيذ تحويلات مالية آمنة وسريعة، ويُتيح للمؤسسات المالية إمكانية تبادل البيانات المالية مع نظيراتها في الخارج، مما يُعَزِّز الثقة في النظام المصرفي السوري.

    تحسن قيمة الليرة السورية وانخفاض التضخم

    توقَّعت العشري أن يُؤَدي رفع القيود عن القطاع المصرفي إلى زيادة تدفُّق العملات الأجنبية إلى السوق السورية، مما قد يُساعد في انتعاش الليرة السورية التي عانت من تدهور كبير خلال السنوات الماضية، كما أنَّ توفر العملات الصعبة سيؤدي إلى تراجع تكاليف الاستيراد، مما ينعكس إيجابيًا على أسعار السلع والمواد الأساسية، ويساهم في تقليل معدلات التضخم التي كانت من أبرز التحديات التي تواجه المواطنين.

    تسهيل تحويلات المغتربين واستقرار سوق الصرف

    أشارت العشري أيضًا إلى أنَّ قرار رفع العقوبات سيُتيح للسوريين في الخارج إرسال الأموال إلى عائلاتهم بسهولة وأمان عبر القنوات المصرفية الرسمية، بدلاً من الاعتماد على السوق السوداء وشبكات التحويل غير الرسمية، الأمر الذي من شأنه أن يُسهم في استقرار سعر الصرف من خلال تقليل المضاربة على الدولار، وتعزيز ثقة المواطنين في المصارف الرسمية كوسيلة آمنة وموثوقة لتحويل الأموال.

    التعامل مع المؤسسات المالية الدولي

    من بين الفوائد الكبرى لرفع العقوبات عن البنوك السورية هو عودة الشركات السورية إلى التعامل مع المؤسسات المالية الدولية، مما يسهل عمليات الاستيراد والتصدير، ويعزز القدرة على استيراد المواد الأساسية، مثل الأدوية والمواد الغذائية، التي كانت تُواجه صعوبات بسبب العقوبات، كما أنَّ تحسُّن بيئة الأعمال قد يُشَجِّع على عودة الاستثمارات الأجنبية، خصوصًا مع زيادة الاستقرار المالي وإعادة الثقة في الاقتصاد السوري.

    واستطردت العشري أنَّ إعادة دمج البنوك السورية في النظام المالي العالمي ورفع القيود عنها يمثل بداية لمرحلة اقتصادية جديدة، لكن يبقى نجاح هذه الخطوة مرهونًا بقدرة الحكومة السورية على تنفيذ إصلاحات اقتصادية حقيقية، وتحقيق الاستقرار السياسي، لضمان استدامة هذه الفوائد وتحويلها إلى تحسُّن ملموس في معيشة المواطنين

    واختتمت الخبيرة تصريحاتها بالقول: “لا تزال هُناك تحديات كبيرة، أبرزها عدم اليقين السياسي، وضعف ثقة المستثمرين، إضافةً إلى احتمال عودة العقوبات في أي لحظة، خاصة مع استمرار بعض القضايا العالقة دوليًا. كما أنَّ الاقتصاد السوري يحتاج إلى إصلاحات هيكلية عميقة، وليس مجرد رفع جزئي للعقوبات، كي يتمكن من تحقيق نمو مستدام”.

    موضوع هام: هل يمهد الاتحاد الأوروبي الطريق لتعافي الاقتصاد السوري برفع العقوبات؟