اقتصادات عربية

    رفع أسعار الوقود.. هل تدخل حياة المصريين مرحلة جديدة من الغلاء؟

    •آخر تحديث •9 دقائق
    رفع أسعار الوقود.. هل تدخل حياة المصريين مرحلة جديدة من الغلاء؟

    في خطوة جديدة ضمن برنامج الإصلاح الاقتصادي المدعوم من صندوق النقد الدولي، أعلنت الحكومة المصرية عن رفع أسعار الوقود للمرة الثالثة خلال العام الجاري 2025، بزيادة بلغت نحو 13% في المتوسط، وذلك في إطار جهودها لإعادة هيكلة منظومة الدعم وضبط الموازنة العامة، وسط تحديات مالية حادة وضغوط معيشية متزايدة.

    ويأتي القرار ضمن خطة أوسع تهدف إلى تحقيق توازن بين الأسعار المحلية والعالمية للوقود، وتقليص فجوة التكلفة بين الإنتاج وسعر البيع للمستهلك، في وقت تسعى فيه الدولة لتقليل الاعتماد على الواردات وتحسين كفاءة إدارة الطاقة.

    تفاصيل رفع أسعار الوقود في مصر

    بحسب بيان رسمي صادر عن وزارة البترول والثروة المعدنية، دخلت الزيادات الجديدة حيز التنفيذ اعتبارًا من صباح الجمعة، 17 أكتوبر 2025، وشملت جميع أنواع الوقود، بمتوسط ارتفاع يقارب جنيهين لكل لتر. وقد جاءت الأسعار الجديدة على النحو الآتي:

    • بنزين 95: من 19 جنيهًا إلى 21 جنيهًا للتر.
    • سعر بنزين 92: من 17.25 جنيهًا إلى 19.25 جنيهًا للتر.
    • بنزين 80: من 15.75 جنيهًا إلى 17.75 جنيهًا للتر.
    • السولار: من 15.5 جنيه إلى 17.5 جنيه للتر.
    • غاز السيارات: من 7 جنيهات إلى 10 جنيهات للمتر المكعب.

    وأكَّدت الوزارة أنَّ الأسعار ستظل ثابتة لمدة عام على الأقل، مشيرة إلى أن القرار جاء “نظراً للتطورات الإقليمية والعالمية الجارية، واستمرار جهود الدولة في تشغيل معامل التكرير بكامل طاقتها، وسداد مديونيات الشركاء الأجانب في قطاع البترول”.

    أسباب القرار وأهدافه الاقتصادية

    أكَّدت الحكومة المصرية أن القرار لا يُعد خطوة مفاجئة، بل يأتي في إطار خطة إصلاح تدريجي طويلة الأمد تهدف إلى تحقيق التسعير العادل للطاقة بحلول نهاية عام 2025، بحيث تعكس الأسعار المحلية التكلفة الحقيقية للإنتاج دون دعم.

    ويهدف هذا التوجّه إلى تحقيق استقرار نسبي في تكاليف الإنتاج، والحد من الاعتماد على الواردات، إضافةً إلى تقليص العجز في الموازنة العامة الناتج عن دعم الطاقة، مع تشجيع ترشيد الاستهلاك وتحفيز التحوّل نحو مصادر الطاقة النظيفة.

    وكان رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي قد صرّح سابقًا بأن هذه الزيادة قد تكون “الأخيرة الجوهرية” قبل الانتقال الكامل إلى آلية التسعير التلقائي، التي تربط الأسعار المحلية بتغيرات خام برنت العالمي وسعر صرف الدولار.

    وتستهدف الحكومة رفع الدعم نهائيًا عن الوقود مع نهاية العام المقبل، مع الإبقاء على دعم جزئي محدود للسولار وأسطوانات الغاز، لضمان عدم تأثر الفئات الأكثر هشاشة. ووفق تقديرات رسمية، فإنَّ قرار رفع الأسعار في أبريل الماضي وفّر 35 مليار جنيه للموازنة العامة، وهو ما شجّع الدولة على المضي قدمًا في تنفيذ المرحلة التالية من الخطة.

    انعكاسات القرار على التضخم والمعيشة

    رغم أنَّ الحكومة أكدت أن القرار ضروري للإصلاح، إلا أن الخبراء يتوقعون أن ينعكس على التضخم بنحو طفيف ومؤقت، بسبب زيادة تكاليف النقل والخدمات، وهي عوامل غير مباشرة لكنها محسوسة في السوق. وكان معدل التضخم السنوي قد شهد تباطؤًا نسبيًا خلال سبتمبر الماضي للشهر الرابع على التوالي، ما سمح للبنك المركزي بخفض أسعار الفائدة أربع مرات هذا العام، إلا أنَّ الزيادة الأخيرة في أسعار الطاقة قد تخلق ضغوطًا جديدة مؤقتة على السياسة النقدية.

    ويستهدف البنك المركزي المصري الوصول إلى معدل تضخم بين 5% و9% بحلول عام 2026، و3% إلى 7% بحلول عام 2028، في إطار خطة لتحقيق استقرار الأسعار على المدى المتوسط. كما تشير بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلى أنَّ متوسط إنفاق الأسر المصرية على النقل تضاعف خلال السنوات السبع الأخيرة من 8.8 آلاف جنيه عام 2019 إلى 24.6 ألف جنيه في 2024، ومن المتوقع أن يصل إلى 29.2 ألف جنيه في 2026، ما يعكس حجم الضغط المعيشي الذي يخلّفه كل تحريك جديد للأسعار.

    اقرأ أيضًا: صندوق النقد يرفع توقعاته لنمو الاقتصاد المصري إلى 4.3%.. لماذا؟ 

    قرار اقتصادي بحت لا سياسي

    يرى عدد من الخبراء أن قرار الزيادة اقتصادي بحت أكثر منه سياسي، ويهدف إلى تصحيح مسار هيكلي طويل الأمد في قطاع الطاقة. وقال الخبير الاقتصادي الدكتور محمد عبد الهادي إن رفع الأسعار في هذا التوقيت كان ضروريًا لمعالجة الاختلالات المتراكمة في منظومة الطاقة، موضحًا أن القطاع يعاني من “مديونيات ضخمة وتراجع الإنتاج المحلي للمشتقات البترولية”، ما جعل الاعتماد على الاستيراد أمرًا حتميًا.

    وأضاف أن هذا الوضع “يضغط على ميزان المدفوعات والاحتياطي النقدي الأجنبي”، ويزيد عبء دعم الطاقة على الموازنة، ما يجعل القرار حتميًا لتقليص فجوة التكلفة بين السعر الحقيقي وسعر البيع المحلي.

    من جانبه، أوضح مدحت يوسف، نائب رئيس هيئة البترول الأسبق، أنَّ تأثير انخفاض أسعار النفط أو تحسّن سعر الجنيه على تكلفة الوقود في مصر “محدود للغاية”، لأن الجزء الأكبر من المكون السعري يعتمد على الدولار، سواء في الاستيراد أو في شراء الخام من شركات التكرير المحلية العاملة وفق أسعار السوق العالمية.

    وشدّد يوسف على أنَّ الحكومة تسير بثبات نحو التحرير الكامل للأسعار، مضيفًا أن أي تحسن مؤقت في السوق العالمية “لن يغيّر الاتجاه الاستراتيجي للدولة”، لأن الهدف هو إلغاء الدعم تدريجيًا وليس الاستجابة للتقلبات اللحظية في سعر النفط أو العملة.

    الإدارة المالية والانضباط في الدعم

    أكَّد مدحت يوسف أن السياسة المالية الحالية تهدف للوصول إلى تسعير يعكس التكلفة الحقيقية للطاقة، مع مراعاة الأوضاع الاجتماعية، وأوضح أن الحكومة لم تتجاهل تراجع أسعار النفط أو تحسن الجنيه، لكنَّها استغلت تلك العوامل الإيجابية لتقليل حجم الزيادة لا لتجنبها، موضحًا أن مخصصات دعم الطاقة في الموازنة محددة مسبقًا ولا يمكن تجاوزها.

    وأشار إلى أن التحسُّن في المؤشرات الاقتصادية خلال الأشهر الماضية، مثل ارتفاع الاحتياطي النقدي وتراجع العجز التجاري، استُخدم لتخفيف العبء المالي عن الموازنة العامة دون التراجع عن هدف الإصلاح. وأضاف أنَّ التحرّك في الأسعار كان مدروسًا بعناية لضمان عدم حدوث صدمة تضخمية، مع الإبقاء على برامج الحماية الاجتماعية الموجهة للفئات الأكثر احتياجًا، مثل دعم السولار المخصّص لوسائل النقل العام والمخابز.

    وبحسب الخبير الدكتور عمرو يوسف، أستاذ التشريعات الاقتصادية، فإن القرار الأخير يتماشى مع التزامات مصر أمام صندوق النقد الدولي، التي تنص على تحرير أسعار الطاقة بالكامل بحلول نهاية عام 2025. وأوضح أن لجنة التسعير التلقائي تعتمد على متوسط أسعار النفط العالمية خلال الأشهر الثلاثة السابقة لتحديد الأسعار المحلية، ما يعني أن أثر التراجع الأخير في النفط لم يظهر بعد في المعادلة الحالية.

    وأضاف أن “التحرك في الأسعار لم يكن مفاجئًا، بل محسوبًا ضمن البرنامج المتفق عليه مع الصندوق”، مشيرًا إلى أن الإصلاحات الجارية في قطاع الطاقة “ضرورية لجذب الاستثمارات الجديدة في مجالات التكرير والغاز الطبيعي والطاقة المتجددة”.

    اقرأ أيضًا: كيف يعكس رفع التصنيف الائتماني قوة الاقتصاد المصري؟

    السلع الغذائية: استقرار رغم رفع أسعار الوقود

    قال حازم المنوفي، عضو شعبة المواد الغذائية باتحاد الغرف التجارية، إن “الزيادة الجديدة لن تؤدي إلى ارتفاع كبير في أسعار السلع الأساسية”، موضحًا أن استقرار سعر صرف الدولار وتراجع تكلفة الاستيراد حدّا من أي تأثير مباشر للزيادة على السوق.

    وأضاف أنَّ الأسواق المصرية تشهد تحسنًا واضحًا في حركة التوريد وتوافر السلع بفضل سياسات حكومية لتأمين سلاسل الإمداد وزيادة المخزون الاستراتيجي، مشيرًا إلى أن التنسيق المستمر بين وزارة التموين والغرف التجارية يضمن سرعة التدخل في حال حدوث اضطرابات مفاجئة.

    وأكد المنوفي أنَّ وعي المستهلك المصري بات يلعب دورًا مهمًا في استقرار السوق، إذ لم تعد الشائعات حول الأسعار تؤدي إلى موجات شراء عشوائية أو تضخم مصطنع. كما أنَّه شدّد على أن اللجان الرقابية تتابع بدقة أي محاولات من بعض التجار لاستغلال الزيادة في الوقود لرفع الأسعار دون مبرر، مشيرًا إلى أن العقوبات المشددة على المخالفين ساهمت في ردع الممارسات الاحتكارية.

    فيما أكد الدكتور أحمد شوقي، الخبير المصرفي والاقتصادي، إن رفع أسعار السولار الأخير في مصر سيكون له انعكاسات مباشرة على معدلات التضخم خلال الفترة المقبلة، موضحًا أن كل زيادة في سعر السولار بنسبة 10% تؤدي عادة إلى ارتفاع معدل التضخم بما يتراوح بين 0.8% و1.2%، أي بمتوسط 1% تقريبًا.

    وأضاف شوقي أن الزيادة الأخيرة في سعر السولار بمقدار جنيهين للتر -أي بنسبة 12.9%- ستترجم إلى ارتفاع متوقع في معدلات التضخم بنحو 1.5% في المتوسط، وقد تصل إلى 2% خلال الربع الأخير من عام 2026، في حال استمرار الضغوط على تكاليف النقل والإنتاج.

    وأوضح الخبير الاقتصادي أن السولار يمثل الوقود الرئيس لقطاعي النقل والإنتاج في مصر، ويؤثر بصورة مباشرة في تكلفة التشغيل والنقل والتوزيع، سواء في تشغيل وسائل النقل الجماعي والنقل الثقيل مثل الشاحنات والنقل الزراعي، أو في تشغيل المعدات الزراعية والماكينات الصناعية والمخابز، إلى جانب عدد من مصانع الأغذية والمنتجات الاستهلاكية.

    تأثير رفع سعر السولار على معدلات التضخم

    أكَّد شوقي أن أثر رفع سعر السولار يظهر بشكل فوري ومباشر على معدلات التضخم، لأن السولار يُعد مدخلًا أساسيًا في سلسلة الإمداد والتوزيع، مشيرًا إلى أن أي زيادة في تكلفته تنعكس على أسعار السلع النهائية في مختلف القطاعات، من الزراعة إلى الصناعة والتجارة الداخلية.

    وأشار إلى أن أدوات السياسة النقدية والمالية -مثل رفع أو خفض أسعار الفائدة- لن تكون العامل الحاسم في احتواء التضخم خلال هذه المرحلة، نظرًا لأن التضخم الحالي ناتج في معظمه عن عوامل تكلفة وليس طلبًا استهلاكيًا، موضحًا أن رفع أسعار الطاقة يخلق تضخمًا هيكليًا لا يمكن معالجته بمجرد قرارات سعر الفائدة.

    وبيّن الدكتور شوقي أنه حتى في حال تثبيت أسعار السولار لمدة عام كامل، فمن المحتمل أن تشهد الأسواق موجات تضخمية جديدة نتيجة ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل والخدمات، بالإضافة إلى التقلبات العالمية في أسعار الطاقة.

    وتابع قائلاً: “من المرجح أن تُبقي لجنة السياسات النقدية بالبنك المركزي على أسعار الفائدة دون تغيير خلال الاجتماعين الأخيرين من العام، في ظل رغبتها في دراسة الأثر الفعلي لزيادة أسعار السولار على الأسواق قبل اتخاذ أي خطوات تيسيرية”، لافتًا إلى أن محاضر الاجتماعات السابقة للجنة تضمنت إشارات واضحة إلى مخاطر ارتفاع أسعار المحروقات وتأثيرها على استقرار الأسعار.

    واختتم الدكتور أحمد شوقي تصريحاته بالتأكيد على أنَّ مواجهة التضخم في هذه المرحلة تتطلب تنسيقًا محكمًا بين السياسة النقدية والمالية، إلى جانب استراتيجيات لدعم الإنتاج المحلي وتخفيف تكاليف النقل والطاقة، مشددًا على أن استقرار أسعار الوقود هو الركيزة الأساسية لتحقيق استقرار سعري شامل في الاقتصاد المصري خلال الفترة المقبلة.

    اقرأ أيضًا: تراجع التضخم في مصر إلى أدنى مستوياته منذ عامين

    مواد البناء: استقرار الأسعار رغم ارتفاع النقل

    أكد أحمد الزيني، رئيس شعبة مواد البناء بغرفة القاهرة التجارية، أن رفع أسعار الوقود لن ينعكس على أسعار الحديد أو الأسمنت في الوقت الحالي، وأوضح أن مصانع الحديد تعتمد على الغاز الطبيعي والكهرباء، بينما تعمل مصانع الأسمنت بالفحم، وكلاهما لم يشهدا أي تعديل في الأسعار.

    وأشار الزيني إلى أن التأثير الوحيد سيظهر في تكاليف النقل البري، حيث ستزداد بنحو 50 جنيهًا إضافيًا للطن من مواد البناء، بما يتراوح بين 15 و20%، لكنه استبعد أن تؤدي هذه الزيادة إلى ارتفاع الأسعار النهائية بسبب ركود الطلب وتراجع حركة البناء الخاصة، مشيرًا إلى أن السوق حاليًا يعتمد بشكل كبير على المشروعات القومية الحكومية، وأن وفرة المعروض ساهمت في تثبيت الأسعار.

    وشدّد على أن “استقرار أسعار مواد البناء ضروري لضمان توازن السوق العقاري”، الذي يعد أحد محركات النمو الاقتصادي في مصر، مطالبًا الحكومة بالاستمرار في مراقبة الأسواق لمنع المبالغة في التسعير.

    ويرى الخبراء أن قرار رفع أسعار الوقود يضع مصر أمام معادلة دقيقة بين تحقيق الاستدامة المالية وحماية الفئات المتضررة، فبينما ترى الحكومة أن الإصلاح ضرورة وطنية لاستعادة التوازن الاقتصادي، يرى المواطن أن الأعباء المعيشية تزداد مع كل تحريك للأسعار.

    كما أنّهم شددوا على أن التحرك في أسعار الطاقة جزء من إصلاح شامل يتضمن تحسين كفاءة الدعم وتوجيهه للفئات المستحقة، وتعزيز الاستثمارات في مجالات الطاقة المتجددة والإنتاج المحلي، لتقليل الاعتماد على الواردات. وفي الوقت نفسه، تسعى الدولة إلى تخفيف الأثر الاجتماعي عبر برامج الحماية الاجتماعية ودعم المخابز والنقل العام، لضمان أن يتحمل الاقتصاد العبء الأكبر من الإصلاح، وليس المواطن وحده.

    اقرأ أيضًا: كيف ينعكس وقف الحرب على غزة على الاقتصاد المصري؟