في خطوة وصفت بأنها “زلزالية”، أعلنت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فرض رسوم جمركية جديدة بنسبة 39% على الواردات القادمة من سويسرا، بدءًا من 7 أغسطس الجاري، ما تسبب في حالة من القلق والارتباك داخل صناعة الساعات الفاخرة، خاصة العلامات السويسرية التاريخية مثل “رولكس” و”كارتييه، بحسب “بيزنيس إنسايدر”.
القرار الأمريكي المفاجئ، الذي رفع النسبة من المقترح السابق البالغ 31%، إلى ما يقارب 40%، يهدد بإعادة تشكيل الديناميكيات التجارية لهذه الصناعة، ويثير تساؤلات حول مستقبل العلامات الراقية في السوق الأمريكية، التي تُعد من بين أكبر أسواق الساعات السويسرية في العالم.
هذه الرسوم، التي تضاف إلى رسوم أساسية بنسبة 10% فرضت منذ أبريل، جاءت وسط تصعيد في السياسة التجارية لإدارة ترامب، والتي تسعى إلى فرض توازن جديد في العلاقات التجارية الثنائية، بما في ذلك مع الحلفاء التاريخيين مثل سويسرا.
وبينما ترتفع المخاوف لدى المصنّعين، يبدو أن سوق الساعات المستعملة تقف على أعتاب قفزة نوعية، في وقت يُعيد فيه المستثمرون والمستهلكون تقييم قرارات الشراء.
صدمة تسعيرية وتباطؤ في الشحنات
بحسب “يوجين توتونيكوف”، الرئيس التنفيذي لمنصة “سويس ووتش إكسبو”، فإن الإعلان لم يكن متوقعًا، وقد أحدث “صدمة كاملة” في القطاع، مشيرًا إلى أن الأثر لن يكون تدريجيًا، بل فوريًا، وقد بدأت بعض العلامات الفاخرة بالفعل بالتحرّك استباقيا منذ أشهر، إذ كشف تقرير لبنك “مورغان ستانلي” في يوليو الماضي عن أن شركات مثل “رولكس” رفعت أسعارها داخل الولايات المتحدة في وقت مبكر من العام، في خطوة فسّرها المحللون بأنها تحسُّب للقرار الأمريكي المنتظر.
الخيارات أمام المصنّعين السويسريين الآن تبدو محدودة، إما تحميل المستهلك الأمريكي، كلفة الرسوم عبر زيادة مباشرة في الأسعار، أو تقليص حجم الشحنات المخصصة للسوق الأمريكية، وهي خطوة قد تُخل بتوازن العرض والطلب وتُعقّد المعادلات التسويقية العالمية لهذه العلامات، خاصة في ظل ضعف الأسواق الآسيوية مؤخرًا وتباطؤ الطلب في أوروبا.
سويسرا.. من الشريك التجاري إلى الطرف المستهدف
من الناحية الاقتصادية، لا تعد سويسرا خصما تجاريًا مباشرًا للولايات المتحدة، فالميزان التجاري بين البلدين يميل تاريخيًا لصالح سويسرا في قطاعات محددة مثل الساعات والمنتجات الصيدلانية، لكن دون أن يُشكل ضغطًا كبيرًا على الاقتصاد الأمريكي الكلي، إلا أن سياسات ترامب ترفض التفرقة بين الشركاء التجاريين بناء على مستويات الخلل، وتقوم على مبدأ المعاملة بالمثل، ما يجعل كل علاقة تجارية غير متوازنة هدفًا لرسوم جمركية عقابية.
في هذا السياق، فإن صناعة الساعات السويسرية، التي تُصدر منتجاتها بمليارات الدولارات سنويًا إلى الولايات المتحدة، باتت تمثل ملفًا حساسًا داخل أجندة ترامب الاقتصادية، لا سيما في ظل تركيزه على الصناعات الفاخرة والنخبوية التي يمكن توظيفها سياسيًا لعرض “نجاحات تفاوضية”.
قد يهمّك أيضًا: ترامب يفرض رسومًا جديدة على عشرات الدول وسط تحذيرات دولية
السوق الثانوية.. الرابح الأكبر من تصعيد الرسوم
في خضم هذه التحولات، يبرز سوق الساعات المستعملة كلاعب بديل ومتنفّس استراتيجي للمستهلك الأمريكي، فبحسب “جوشوا غانجي”، الرئيس التنفيذي لمنصة “يوروبيان ووتش كومباني”، فإن هذه الرسوم ستدفع العديد من هواة الساعات إلى الابتعاد عن الإصدارات الجديدة واللجوء إلى الساعات المملوكة مسبقًا، لا سيما تلك المتاحة داخل الأراضي الأمريكية، كونها لا تخضع للرسوم الجمركية الجديدة.
ومع أنَّ سوق الساعات الفاخرة المستعملة كان يشهد تباطؤًا منذ منتصف عام 2022، إلا أن بيانات النصف الأول من عام 2024 أظهرت بداية انتعاش في الطلب، بالتوازي مع موجة ارتفاع أسعار البيع من العلامات الأصلية، ويبدو الآن أن هذا الاتجاه سيتعزز خلال الأشهر المقبلة، مدفوعًا بتحول هيكلي، في سلوك المستهلكين، الذين لم يعودوا يرون في شراء الساعات الجديدة خيارًا عقلانيًا في ظل الرسوم المرتفعة.
موجة ارتفاع مرتقبة في الأسعار الثانوية
السوق الثانوية ليست بمنأى عن التأثُّر، فمن المرجح أن يتسبب الارتفاع الحاد في الطلب على الساعات المستعملة المتاحة داخل الولايات المتحدة في دفع الأسعار إلى أعلى، ويتوقّع “توتونيكوف” أن ترتفع الأسعار في السوق الثانوية بنسبة تصل إلى 10% خلال الأسابيع الأربعة المقبلة، وربما تُلامس مستويات أعلى تصل إلى 35% خلال النصف الثاني من العام، إذا ما استمر الضغط على السوق الأولى وتفاقم النقص في المعروض القادم من سويسرا.
وبذلك، فإن ما بدأ كإجراء جمركي ضد المنتجات الجديدة قد يُحدث “دوامة تضخمية” داخل القطاع بأكمله، تشمل السوق الأولية والثانوية على حد سواء، وتُربك الخطط الشرائية للمستهلكين، بل وحتى استراتيجيات البيع للمتاجر، التي قد تجد نفسها مضطرة لإعادة تسعير مخزونها المحلي.
من الاستهلاك إلى الاستثمار
في خضم هذا التحول، تزداد وتيرة الحديث عن صعود الساعات كـ”أصول استثمارية“، وهو توجه يتعزز في أوقات الأزمات التجارية والجمركية، حين يفقد المستهلكون الثقة في استقرار الأسعار، فبينما كانت الساعات تُعتبر سابقًا سلعًا استهلاكية ذات طابع ترفيهي، باتت تُصنف اليوم ضمن أدوات التحوّط المالي، تمامًا مثل الذهب والعملات النادرة والفنون.
ويرى محللون أن الرسوم الجديدة قد تُسرع هذا التحول، لا سيما إذا تكرّس النقص في المعروض واستمرت أسعار السوق الثانوية في الصعود، ما يدفع المستهلكين إلى التعامل مع الساعات الفاخرة كاستثمارات بديلة أكثر من كونها رفاهية قابلة للاستهلاك، وهذا التغيير قد يُعيد تشكيل تركيبة الطلب، ويزيد من تعقيد الديناميكيات السعرية على المدى المتوسط.
هل تبدأ سويسرا جولة تفاوضية جديدة؟
رغم الصدمة الأولى، لم تُصدر الحكومة السويسرية حتى الآن موقفًا رسميًا صلبًا تجاه القرار الأمريكي، إلا أن مصادر داخل القطاع أكدت أن اتصالات دبلوماسية بدأت فعليًا بين بيرن وواشنطن في محاولة لتقليص النسبة أو إعادة جدولتها.
المعادلة هنا شائكة، فبينما ترغب سويسرا في حماية قطاعها الصناعي الأبرز، فإن أي تنازل أمريكي قد يُفسر على أنه تراجع في خضم حملة “الضغط الاقتصادي المتبادل” التي يقودها ترامب عالميًا، خاصة أن السياسة الأمريكية تتجه نحو تصدير نموذجها التفاوضي الحالي إلى ملفات أخرى، تشمل السيارات الأوروبية، والمنتجات الفرنسية، وحتى الخدمات المالية البريطانية.
هل تتكرر تجربة الصين؟
يخشى مراقبون من أن تتحوّل قضية الساعات السويسرية إلى نسخة مصغّرة من “حرب الرسوم الجمركية الأمريكية- الصينية”، التي بدأت برسوم جزئية وتطورت إلى مواجهة تجارية شاملة كلفت الاقتصاد العالمي مئات المليارات، فالرسوم الأمريكية على الصين بلغت 145% في ذروتها، وتسببت في إرباك سلاسل التوريد، وأجبرت الشركات العالمية على تغيير مراكز التصنيع.
ورغم أنَّ سويسرا ليست ذات حجم تجاري مماثل للصين، إلا أن قطاع الساعات يُمثّل عنصرًا حيويًا في الاقتصاد السويسري، وأي تدهور في الصادرات إلى أمريكا قد يُحدث آثارًا مضاعفة على التوظيف والاستثمار والميزان التجاري، لذلك، تبدو المقارنة واردة، والتحذير مشروع.
صناعة الساعات بين المطرقة الأمريكية وسندان السوق
قرار ترامب برفع الرسوم على الساعات السويسرية لا يمكن عزله عن سياقه السياسي والاقتصادي، فهو جزء من استراتيجية أشمل لإعادة تشكيل خريطة التجارة الدولية، عبر استخدام الرسوم الجمركية كأداة تفاوضية وردعية في آنٍ واحد.
لكنّ هذا التحوُّل يُحدث ارتدادات عميقة داخل قطاعات مثل الساعات الفاخرة، التي تعتمد على هامش الربح المرتفع والتصميم الحصري والثقة في التسعير.
وفيما تحاول العلامات الفاخرة استيعاب الصدمة وتقييم السيناريوهات القادمة، تبدو السوق الثانوية الرابح الفوري، لكنها في الوقت ذاته مهددة بموجة ارتفاع أسعار قد تقوض جدواها على المدى المتوسط.
اقرأ أيضًا: الناجون والمهددون.. من أبرم اتفاقًا مع أمريكا قبل مهلة ترامب ومن ينتظر؟
