في خطوة تصعيدية ضمن سياسته “أمريكا أولًا”، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فرض رسوم جمركية بنسبة 25% على جميع واردات الصلب والألمنيوم إلى الولايات المتحدة، ووقع أوامر تنفيذية بهذا الشأن في البيت الأبيض، مؤكدًا أنَّ القرار سيُطبق على جميع الدول دون أيّ استثناءات.
وأثناء توقيع الأوامر، صرَّح ترامب قائلًا: “هذا قرار مهم، إنه بداية لجعل أمريكا غنية مرة أخرى”. ورغم أنّ الحكومة الأمريكية لم تنشر الوثائق الرسمية الخاصة بالقرار على الفور، إلّا أنّ وسائل إعلام أمريكية نقلت عن مصادر حكومية أنّ هذه الرسوم ستدخل حيز التنفيذ اعتبارًا من 4 مارس.
غضب دولي وردود فعل غاضبة على رسوم ترامب
أثار هذا الإعلان ردود فعل غاضبة على المستوى الدولي، حيث سارعت المفوضية الأوروبية إلى إدانته، مؤكدة أنَّها ستتخذ “إجراءات لحماية مصالح الشركات والعمال والمستهلكين الأوروبيين من هذه الإجراءات غير المبررة”.
ومن جانبها، أعربت الحكومة الألمانية عن قلقها الشديد إزاء القرار، حيث يعتمد الاقتصاد الألماني بشكل كبير على التصدير، وهو ما يجعل الرسوم الجمركية الأمريكية الجديدة تهديدًا مباشرًا لقطاع الصناعة الألماني.
وقال متحدث باسم وزارة الاقتصاد والطاقة الألمانية، خلال مؤتمر صحفي في برلين، إنَّ “هذه الإجراءات سيكون لها تأثير سلبي على الاقتصاد الألماني”، وعند سؤاله عن إمكانية فرض إجراءات انتقامية مماثلة على المنتجات الأمريكية، كما حدث في عهد ترامب الأول، أجاب بأنّه “لا يوجد أي تحرك تلقائي استنادًا إلى التجربة السابقة”.
أهداف ترامب من هذا القرار
القرار الجديد يُعيد إلى الأذهان النزاع التجاري الذي اندلع بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي خلال الولاية الأولى لترامب (2017-2021)، حيث فرضت إدارته حينها رسومًا على الصلب والألمنيوم الأوروبي، مما دفع الاتحاد الأوروبي إلى الردّ بفرض تعريفات انتقامية على منتجات أمريكية مثل الجينز، وويسكي البوربون، والدراجات النارية، وزبدة الفول السوداني.
بعدها، خلال ولاية الرئيس جو بايدن، تمَّ التوصل إلى اتفاق لتهدئة هذه الحرب التجارية، فتمَّ إلغاء الرسوم المتبادلة بين الطرفين، إلَّا أنَّ قرار ترامب الجديد في هذا الوقت يعود للتهديد بإشعال الصراع من جديد، خاصة مع استعداد الدول الأوروبية لاتخاذ إجراءات مضادة.
يستخدم ترامب الرسوم الجمركية كأداة ضغط في سياسته الخارجية لتحقيق أهداف سياسية، وكان هذا واضحًا في بداية فبراير، عندما أعلن فرض رسوم بنسبة 25% على واردات الصلب من المكسيك وكندا، لكنه علّق تنفيذها لمدة 30 يومًا بعد أن قدَّمت الدولتان تنازلات تتعلق بتشديد الأمن على الحدود.
هذه الخطوة تؤكد أنَّ ترامب لا ينظر إلى الرسوم الجمركية باعتبارها مُجَرَّد أداة اقتصادية، بل وسيلة للضغط السياسي على الدول الأخرى لتحقيق مكاسب استراتيجية.
قرار ترامب الجديد يثير تساؤلات عديدة حول مستقبل العلاقات التجارية بين الولايات المتحدة وحلفائها التقليديين، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية العالمية، كما أنَّه قد يشعل موجة جديدة من النزاعات التجارية التي تؤثر على الأسواق المالية وسلاسل التوريد العالمية.
اقرأ أيضًا: “ترامب” يهدد “بريكس” برسوم جمركية لحماية الدولار
أهمية الصلب في الاقتصاد الأمريكي والعالمي
تُعَدُّ الولايات المتحدة واحدة من أكبر مستوردي الصلب في العالم، حيث تعتمد بشكل أساسي على الواردات القادمة من كندا، والبرازيل، والمكسيك، في حين تأتي ألمانيا والصين ضمن قائمة أكبر عشر دول مصدّرة للصلب إلى السوق الأمريكية.
أمَّا ألمانيا، فهي أكبر منتج للصلب في الاتحاد الأوروبي، وتحتل المرتبة السابعة عالميًا بعد الصين، والهند، واليابان، والولايات المتحدة، وروسيا، وكوريا الجنوبية، وتعتبر السوق الأمريكية وجهة رئيسية للصادرات الألمانية في مختلف القطاعات الصناعية، مما يعني أنَّ القرار الأمريكي سيؤثر بشكل كبير على الاقتصاد الألماني.
الاقتصاد الأمريكي على المحك
صرّح الدكتور عمرو سلامة، الخبير الاقتصادي، بأنَّ قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بفرض رسوم جمركية بنسبة 25% على جميع واردات الصلب والألمنيوم يمثل تصعيدًا جديدًا في السياسة التجارية الأمريكية، وهذا سيؤدي إلى تداعيات اقتصادية واسعة النطاق، سواء على الاقتصاد الأمريكي أو على الأسواق العالمية.
وقال في تصريحات خاصة لـ”Econ-Pedia“: “مثل هذه السياسات الحمائية تؤدي عادة إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج، مما ينعكس سلبًا على الصناعات الأمريكية التي تعتمد على واردات الصلب والألمنيوم، في قطاعات مثل السيارات والبناء، وهذا سيؤدي حتمًا إلى ارتفاع الأسعار على المستهلكين الأمريكيين، وتقليل القدرة التنافسية للشركات الأمريكية في الأسواق العالمية”.
ومن ناحية أخرى، “على الرغم من أنَّ ترامب يروج لهذه الرسوم كوسيلة لحماية الوظائف الأمريكية، إلَّا أنَّ التجربة السابقة أثبتت أنَّ مثل هذه الإجراءات تُؤَدّي في النهاية إلى فقدان الوظائف، وليس العكس؛ فالرسوم الجمركية سترفع تكاليف الإنتاج، مما قد يدفع الشركات إلى تقليل عدد العاملين أو حتى نقل الإنتاج إلى دول أخرى أقل تكلفة”، بحسب سلامة.
اقرأ المزيد في هذا التقرير: حرب ترامب التجارية.. “الألم للأمريكيين” قد يسبق المكاسب
هل تتضرر الصناعة الأوروبية من رسوم الصلب والألمنيوم؟
حول تأثير القرار على الشركاء التجاريين للولايات المتحدة، أوضح سلامة أنَّ “الرد الأوروبي لم يتأخر، حيث أكَّد الاتحاد الأوروبي استعداده لاتخاذ إجراءات لحماية مصالحه الاقتصادية، مما يزيد من احتمالية نشوب حرب تجارية بين الجانبين. وإذا حدث ذلك، فسنرى تراجعًا في معدلات النمو الاقتصادي على مستوى العالم، خاصة في الدول التي تعتمد على التصدير، مثل ألمانيا والصين”.
وأشار سلامة إلى أنَّ “ألمانيا، باعتبارها أكبر منتج للصلب في الاتحاد الأوروبي، ستكون من أكثر الدول تضررًا من هذا القرار، وذلك لاعتمادها الكبير على التصدير إلى الأسواق الأمريكية، وبالتالي فإنَّ فرض هذه الرسوم قد يؤدي إلى تباطؤ قطاع الصناعات الثقيلة في ألمانيا، مما سيؤثر على معدل النمو في منطقة اليورو بشكل عام”.
وفيما يتعلق بانعكاسات هذا القرار على الأسواق الناشئة، أوضح سلامة أنَّ “الدول التي لديها علاقات تجارية قوية مع الولايات المتحدة، قد تواجه تحديات اقتصادية جديدة، وذلك من خلال ارتفاع تكلفة الاستيراد وانخفاض القدرة الشرائية للمواطنين.
واختتم سلامة تصريحاته قائلاً: “العالم اليوم يواجه تحديات اقتصادية معقدة، وقرارات مثل فرض الرسوم الجمركية التي قد تؤدي إلى تصعيد التوترات التجارية، الأمر الذي يهدد استقرار الأسواق العالمية، لذلك فإنَّ الحل الأمثل يكمن في تعزيز التعاون الدولي، والبحث عن حلول تُحَقّق التوازن بين حماية الصناعات المحلية والحفاظ على تدفق التجارة العالمية بسلاسة”.
اطّلع أيضًا على مستجدات الحرب التجارية بين أمريكا والصين
