في مشهد يعيد للأذهان توترات الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين، أطلق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شرارة أزمة جديدة، لكن هذه المرة مع شريك اقتصادي مختلف تمامًا وهو الاتحاد الأوروبي؛ ففي خطوة مفاجئة ومثيرة للجدل أعلن ترامب عزمه فرض رسوم جمركية بنسبة 50% على واردات أوروبا، مما تسبب في حالة من الذعر في الأسواق العالمية، وأثار موجة من التساؤلات حول مستقبل العلاقات التجارية بين أكبر اقتصادين غربيين.
التحرك الأمريكي الجديد لم يكن مجرد تصريح عابر، بل حمل في طياته تهديدًا جادًا قد يقلب موازين التجارة الدولية، ويضع النظام الاقتصادي العالمي أمام اختبار حقيقي في وقت دقيق تعيش فيه الأسواق حالة من الترقب وعدم اليقين.
العجز التجاري مع الاتحاد الأوروبي
في منشور عبر منصته الخاصة “تروث سوشيال”، وصف ترامب الاتحاد الأوروبي بأنه “شريك تجاري يصعب التعامل معه”، معتبرًا أن الاتحاد أُسس في الأساس لتحقيق مصالح اقتصادية على حساب الولايات المتحدة، وأشار إلى أنَّ أوروبا ما زالت تفرض حواجز تجارية ضخمة، وتطبق ضرائب قيمة مضافة مرتفعة، وتفرض عقوبات مبالغ فيها على الشركات الأمريكية، إلى جانب إجراءات غير تعريفية معقدة، واتهم الاتحاد كذلك بـ”التلاعب بالعملة” و”رفع دعاوى قضائية غير عادلة”.
وقال ترامب في منشوره: “العجز التجاري مع الاتحاد الأوروبي تجاوز 250 مليار دولار سنويًا، وهذا رقم غير مقبول على الإطلاق”، مضيفًا أن المفاوضات مع قادة التكتل “لم تؤدِ إلى أي نتائج حقيقية”، لذلك أوصى رسميًا بفرض هذه الرسوم المرتفعة بدءًا من الشهر المقبل، مع استثناء المنتجات المصنعة داخل الولايات المتحدة من القرار.
اقرأ المزيد في هذا التقرير: رسوم ترامب على أوروبا.. ورقة ضغط تفاوضية أم تهديد فعلي؟
رد فعل الأسواق المالية
رد فعل الأسواق المالية كان سريعًا وحادًا؛ حيث هبطت مؤشرات الأسهم الأوروبية بشكل كبير، وتراجع اليورو أمام العملات العالمية، فيما سجّلت عوائد السندات في منطقة اليورو انخفاضًا حادًا. كما تم تقويض الآمال التي كانت سائدة سابقًا بشأن إمكانية إلغاء الرسوم الجمركية التي أُعلن عنها في أبريل الماضي، وهي التوقعات التي ساعدت على دعم الأسواق في الأسابيع السابقة.
تحديدًا، تراجع مؤشر “ستوكس 600” الأوروبي بنسبة 2%، وسط خسائر حادة في أسهم قطاعي السيارات والبنوك والتي فقدت أكثر من 3% من قيمتها. كما هبطت العقود الآجلة لمؤشر ستاندرد آند بورز 500 الأمريكي بنسبة 1.5%، في ظل تنامي قلق المستثمرين من تداعيات الرسوم الجديدة على النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة وأوروبا على حد سواء.
وقد دفعت هذه التطورات المستثمرين إلى توقع تحركات تيسيرية من البنك المركزي الأوروبي خلال الفترة المقبلة، إذ اتجه العديد منهم إلى شراء السندات الحكومية، ما أدى إلى هبوط عوائدها؛ فقد تراجع عائد السندات الألمانية لأجل عامين بمقدار 10 نقاط أساس ليصل إلى 1.73%، بينما هبط عائد السندات لأجل 10 سنوات إلى 2.55% بعد انخفاضه بـ9 نقاط أساس.
وفي سوق العملات، ارتفع الين الياباني باعتباره أحد الملاذات الآمنة في أوقات الأزمات، حيث تراجع الدولار الأمريكي أمام الين بنسبة 0.9% إلى 142.77 ين، كما انخفض اليورو أمام الين بنسبة 0.56% إلى 161.43 ين.
ورغم تراجع اليورو جزئيًا بعد الحديث عن رسوم ترامب على أوروبا، فقد حافظ على استقراره النسبي أمام الدولار الأمريكي مدعومًا بموجة بيع واسعة للدولار خلال الأسابيع الأخيرة، كما سجَّل اليورو أمام الدولار ارتفاعًا بنسبة 0.3% خلال تعاملات اليوم ليصل إلى 1.1311 دولار.
رسوم ترامب على أوروبا.. تُعيد الحرب التجارية
في تعليقها على القرار الجديد قالت الدكتورة مروى خضر الخبيرة الاقتصادية: “جاء تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بفرض رسوم جمركية بنسبة 50% على واردات الاتحاد الأوروبي اعتبارًا من يونيو 2025، ليعيد إلى الأذهان أجواء الحرب التجارية التي كانت قائمة بين واشنطن وبكين في السنوات السابقة، لكن الخصم هذه المرة اقتصادي متماسك ومنظم، ما يجعل التداعيات أكثر تعقيدًا وخطورة على النظام التجاري العالمي.
أولاً: الأهداف الاقتصادية والسياسية لترامب
“من خلال قراءة خطاب ترامب يتضح أن الهدف الأساسي من هذا التصعيد ليس فقط تقليص العجز التجاري الذي يتجاوز 250 مليار دولار سنويًا مع أوروبا حسب تقديراته، بل أيضًا استخدام الضغط التجاري كأداة لترسيخ دعم قاعدته السياسية؛ فقد استخدم هذا التكتيك سابقًا في الملف الصيني، وغالبًا ما يتراجع عنه جزئيًا بعد تحقيق مكاسب سياسية داخلية”، وفقًا للخبيرة.
كما أنّ هذه الرسوم لا تستهدف أوروبا فقط، بل تحمل رسالة ضمنية إلى الشركات الأمريكية الكبرى: “اصنعوا داخل أمريكا”، وهو امتداد لشعار “أمريكا أولًا” الذي يهيمن على توجهاته الاقتصادية.
ثانيًا: الانعكاسات على الأسواق العالمية
لفتت إلى أن رد الفعل الفوري على رسوم ترامب على أوروبا في الأسواق كان قويًا وسلبيًا، ما يعكس تخوف المستثمرين من أن يؤدي التصعيد إلى تباطؤ النمو في أكبر اقتصادين تجاريين في العالم.
وأضافت: “رأينا ارتفاعًا في الين الياباني باعتباره ملاذًا آمنًا، بينما احتفظ اليورو بجزء من مكاسبه أمام الدولار، وهو ما يعكس حالة من الترقب الحذر في الأسواق؛ فحتى الآن لا يُنظر إلى تهديد ترامب باعتباره واقعًا محتمًا، بل كورقة ضغط تفاوضية ضمن سياق سياسي أوسع.
ومع ذلك، يبدي المستثمرون درجة عالية من التحوّط، وأي خطوة تصعيدية حقيقية قد تدفعهم إلى إعادة توجيه استثماراتهم بعيدًا عن الأصول الأمريكية والأوروبية، نحو بدائل أكثر استقرارًا كالذهب أو بعض الأسواق الناشئة، ما قد يسبب اضطرابًا واسعًا في حركة رؤوس الأموال عالميًا”.
ثالثًا: تأثير محتمل على سلاسل التوريد والتصنيع العالمي
أوضحت خضر أنَّ الاتحاد الأوروبي، وتحديدًا ألمانيا وفرنسا وإيطاليا، يعتمد بشكل كبير على تصدير السلع المصنعة، وعلى رأسها السيارات والآلات، وإنّ أي فرض لرسوم ضخمة سيؤدي إلى إعادة هيكلة سلاسل التوريد أو حتى إغلاق خطوط إنتاج، مما قد يُحدث أزمة بطالة جزئية ويدفع نحو ركود فني في بعض القطاعات.
في المقابل، ستُعاني الشركات الأمريكية المستورِدة من ارتفاع التكاليف، ما يرفع الأسعار على المستهلك الأمريكي، ويُغذي التضخم، وهو ما يتناقض مع أهداف السياسة النقدية في المرحلة الحالية.
رابعًا: مخاطر التصعيد الأوروبي ردًا على رسوم ترامب
أكَّدت خضر أنَّه إذا ما رد الاتحاد الأوروبي برسوم مضادة، وهو المرجح، فقد نشهد بداية دورة جديدة من الحروب التجارية، لن تقتصر على الولايات المتحدة وأوروبا فقط، بل قد تُحفّز تحالفات جديدة، وتؤثر على الاتفاقيات التجارية المتعددة، وتُضعف دور منظمة التجارة العالمية أكثر مما هو عليه الآن.
واختتمت الخبيرة تصريحاتها قائلة: رسوم ترامب على أوروبا، حتى وإن كانت جزءًا من تكتيك تفاوضي مدروس، إلا أن مجرد طرحها أثار اضطرابات حقيقية في الأسواق، وهو ما يكشف هشاشة النظام التجاري العالمي واستعداده للاهتزاز عند أول إشارة سياسية، وإذا تم تنفيذ هذه الرسوم فعلًا فإننا أمام خطر حقيقي يتمثل في ركود مزدوج في الاقتصاد العالمي خلال عام 2025، مدفوع بمزيج من التوترات التجارية، وارتفاع التكاليف، وتباطؤ الاستثمارات.
اقرأ أيضًا: النواب الأمريكي يُمرر مشروع قانون الضرائب الشامل وسط انقسام سياسي
