تقرير: باسل محمود
بينما كانت الاقتصادات العربية تستعد لمرحلة تعافٍ هشة من آثار جائحة كورونا، جاء شهر أبريل محمّلًا بأنباء قاتمة من الجانب الآخر من المحيط بسبب رسوم ترامب، وفي لحظة واحدة تبدّلت حسابات المستثمرين، وتحوّلت الشاشات الخضراء في أسواق المال العالمية إلى بحر من اللون الأحمر، وفق بلومبرج.
مع إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن فرض رسوم جمركية على أكثر من 180 دولة، دخل الاقتصاد العالمي في اضطراب غير مسبوق، ولم تكُن الدول العربية بمنأى عن هذا الزلزال؛ فمع انكشاف العديد من اقتصادات المنطقة على التجارة الدولية، وخاصة مع الولايات المتحدة والصين وأوروبا، فإنَّ أي توتر في هذه المحاور الثلاثة كفيل بأن يُربك سلاسل التوريد، ويُقلّص الصادرات، ويضغط على العملات، ويؤجّج المخاطر التضخمية.
لكن ما جرى لم يكن مجرد توتر عابر. بل هو -بحسب محللين- بداية لأزمة عالمية ذات طابع مركب، قوامها حرب تجارية واسعة النطاق، وذعر مالي، وتضخم مرتفع، ونمو اقتصادي متراجع.
رسوم ترامب.. خسائر تفوق التريليونات
في جلستين فقط، هوَت مؤشرات الأسهم الأمريكية وخسر المستثمرون أكثر من 6 تريليونات دولار من القيمة السوقية، في واحدة من أعنف موجات البيع منذ أزمة كورونا، ولم تكن الأرقام مجرد نتائج لحظية، بل إشارة حمراء إلى تحوّل عميق في المزاج الاستثماري العالمي.
ما زاد الطين بلّة هو تسارع الانهيارات على نطاق جغرافي واسع؛ حيث إنّ الأسواق الأوروبية والآسيوية تبعت وول ستريت في الاتجاه نفسه، وارتفعت مؤشرات التقلب إلى أعلى مستوياتها منذ مارس 2020. وفي مشهد يُذكّر بأيام الإغلاق العام، بدأت الشركات تتراجع عن استثماراتها، وتُجمّد التوظيف، وتُعيد حساباتها تجاه المستقبل.
ما تعليق صندوق النقد؟ غضب وتحذيرات من خطر اقتصادي شامل بسبب الرسوم الجمركية الأمريكية!
كيف أشعلت الرسوم الجمركية فتيل الحرب
في مشهد استعراضي من حديقة البيت الأبيض، أعلن ترامب عن فرض رسوم جمركية جديدة على واردات قادمة من أكثر من 180 دولة، بما في ذلك الصين ودول الاتحاد الأوروبي والهند وكندا وكوريا الجنوبية وأستراليا وغيرها من الدول العربية.
ورغم أنَّ هذه الإجراءات كانت مُتوقّعة ضمنيًا، إلا أن الجرأة في اتساع نطاقها فاجأت الجميع، ما أدى إلى ما وصفه البعض بـ”الضربة المتهورة” للاقتصاد العالمي.
ترامب برّر قراره بأنه لحماية الاقتصاد الأمريكي من “المنافسة غير العادلة”، لكنه لم يُقدّم أي مؤشرات على نية التفاوض أو التراجع، ما فتح المجال أمام ردود فعل دولية عنيفة بدأت تتبلور خلال أقل من 48 ساعة.
الصين تردّ سريعًا على رسوم ترامب
كما هو متوقّع، لم تتأخر الصين في الرد؛ فبعد أقل من يومين أعلنت بكين عن إجراءات جمركية مضادة، استهدفت بدورها منتجات أمريكية في قطاعات الزراعة، والتكنولوجيا، والطاقة.
وأشارت وزارة التجارة الصينية إلى أنَّ هذه الإجراءات “مجرد بداية”، ما دفع الأسواق إلى اعتبار أن المواجهة مرشّحة للتصعيد وليس التهدئة وأنَّ يوم التحرير الأمريكي قد ينقلب إلى يوم الهزيمة.
تداعيات هذا التوتر انعكست فورًا على الأسواق المالية؛ حيث شهدت أسهم شركات التكنولوجيا الكبرى خسائر ضخمة، وتراجع الطلب على أسهم الصناعات الثقيلة، بينما اندفع المستثمرون نحو أدوات الاستثمار الآمن مثل السندات الحكومية الأمريكية، والذهب، والين الياباني.
اقرأ التقرير الكامل: رد صيني حازم على رسوم ترامب الجمركية
الركود التضخمي.. كابوس الاقتصاد العالمي
رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، جيروم باول، لم يُخفِ قلقه، مشيرًا إلى أنَّ السياسات التجارية الجديدة قد تؤدي إلى ما يُعرف بـ”الركود التضخمي“، أي تباطؤ النمو وارتفاع الأسعار في الوقت ذاته، وهو السيناريو الأسوأ لأي اقتصاد، لأنه يُقيّد قدرة البنوك المركزية على استخدام أدوات السياسة النقدية المعتادة.
في هذا النوع من الأزمات، لا تستطيع البنوك خفض أسعار الفائدة بسهولة، لأنها قد تُفاقم التضخم، ولا تستطيع رفعها لأنها تُضعف النشاط الاقتصادي، ما يترك صناع القرار في حالة من الشلل السياسي المالي.
تقارير إيجابية.. لكن الأسواق لا تكترث
في خضم هذه العاصفة، صدرت بيانات أفضل من المتوقع عن سوق العمل الأمريكي، تُظهر زيادة في عدد الوظائف، لكن الأسواق تجاهلت هذه الأخبار تمامًا، لأنَّ الصورة الكلية أصبحت أكثر قتامة، والمستثمرون باتوا يُركّزون على الاتجاهات الكبرى، لا على المؤشرات اللحظية.
المزاج السائد في وول ستريت الآن هو “الهروب لا التحليل”، و“التصفية لا الانتقاء”، ما يعني أن المخاوف تجاوزت حدود المنطق الاقتصادي، ودخلت في دوامة نفسية لا تُعالج بسهولة. وأمام هذا المشهد المتقلب، بدأت كبرى الشركات متعددة الجنسيات في إعادة تقييم استراتيجياتها الاستثمارية لعام 2025.
قطاعات مثل التكنولوجيا، والطاقة، والنقل الجوي، كانت الأكثر تأثرًا، مع تقارير تفيد بأن بعض الشركات ستُؤجّل عمليات التوسع، وتُجمّد مشاريع استحواذ، وتُقلّص الإنفاق الرأسمالي.
وبينما كان العالم يأمل أن تكون 2025 سنة انتعاش ما بعد الجائحة، فإنَّ هذه التوقعات قد تتبدّد كليًا إذا استمر التصعيد التجاري؛ فمع تباطؤ الإنفاق الاستهلاكي، وانخفاض الثقة، وعودة سلاسل التوريد إلى حالة الشلل، فإن شبح الركود بات أكثر واقعية من أي وقت مضى.
رسوم ترامب تهوي بالنفط وتحلق بالذهب
من بين أبرز المؤشرات على تحوّل المزاج العالمي، كان الهبوط في أسعار النفط، إذ تراجع خام برنت بنسبة ملحوظة ليُسجّل أدنى مستوياته في 3 سنوات، وسط توقعات بانخفاض الطلب العالمي على الطاقة مع تراجع النمو.
في المقابل، قفز الذهب إلى أعلى مستوياته التاريخية، متجاوزًا حاجز 3200 دولار للأوقية، مدعومًا من تدفق رؤوس الأموال الباحثة عن ملاذات آمنة. هذه الحركة تعيد إلى الأذهان سيناريوهات الذعر التي شهدها العالم خلال الأزمات المالية الكبرى، حيث تختفي السيولة من الأصول الخطرة، وتُعاد إلى الأصول المستقرة.
في بروكسل، عقدت المفوضية الأوروبية اجتماعات طارئة لمتابعة التطورات، وسط مخاوف من أن الرسوم الأمريكية ستُحدث شرخًا في النظام التجاري متعدد الأطراف، وتُشعل سباقًا نحو الحمائية. وتحدّث مسؤولون أوروبيون عن الحاجة إلى رد جماعي ومدروس، لتجنّب الوقوع في فخ “الحرب التجارية الشاملة”.
أما في آسيا، فقد أبدت دول مثل اليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة قلقها من تصاعد التوتر بين واشنطن وبكين، والذي قد يُعيد تعطيل سلاسل التوريد العالمية التي ما زالت تتعافى من اضطرابات 2020 و2021.
اقرأ المزيد حول تأثير رسوم ترامب على أسواق النفط
رسوم ترامب والعالم العربي
الدول العربية أصبحت طرفًا مباشرًا في حرب رسوم ترامب الجمركية، وستكون من بين أكثر المتأثرين بالصدمة التجارية العالمية؛ إذ إنّ دول الخليج تعتمد على صادرات الطاقة، وأسواقها المالية حساسة لأي تقلب عالمي، في حين أن الدول النامية الأخرى مثل مصر والمغرب وتونس تعتمد على صادرات صناعية وسياحية يمكن أن تتأثر بأي تباطؤ عالمي.
كذلك، فإنَّ أي تغيير في أسعار السلع، أو تراجع في التجارة الدولية، أو شح في السيولة العالمية، سينعكس مباشرة على معدلات النمو، ومستويات التوظيف، وأسعار الصرف.
وفي ظل تصاعد التوتر، يُحذّر خبراء الاقتصاد من ثلاثة سيناريوهات محتملة: تهدئة مفاجئة عبر المفاوضات، وهي سيناريوهات الأمل، لكنها تتطلب إرادة سياسية غير واضحة حتى الآن، أو استمرار الحرب التجارية بوتيرة تدريجية، ما يُبقي الأسواق في حالة تقلب دون انهيار شامل، أو انفجار تجاري يقود إلى ركود عالمي واسع النطاق، وهو السيناريو الذي يخشاه الجميع، لكنه أصبح واقعيًا مع استمرار التصعيد.
اطّلع على تفاصيل تأثير رسوم ترامب الجمركية على اقتصادات الدول العربية
أزمة بلا فيروس.. ولكنها أكثر تعقيدًا
ما يواجهه العالم اليوم لا يحمل اسم “كوفيد”، ولا ينتقل عبر الهواء، لكنه يُهدّد الاستقرار الاقتصادي العالمي بنفس القدر وربما أكثر؛ إذ إنّ القرارات السياسية التي تُتّخذ في لحظة قد تُكلّف العالم تريليونات، وتُعيد ترتيب قواعد اللعبة الاقتصادية.
وإذا لم تتحرك الحكومات والمؤسسات المالية الكبرى بسرعة لاحتواء الموقف، فإنَّ ما بدأ كتصعيد جمركي قد يتحوّل إلى ركود عالمي يحمل بصمات 2008 و2020 في آنٍ معًا. هذا الركود المحتمل قد لا تكون الأدوات التقليدية كافية لمعالجته، ولا الوقت في صالح أحد!
اقرأ أيضًا: رعب في الأسواق بعد الإعلان عن رسوم ترامب الجمركية
