تلقَّت الاقتصادات الناشئة صدمة اقتصادية كبيرة بسبب الرسوم الجمركية الجديدة التي فرضها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حيث ارتفعت التعريفات على الواردات إلى أعلى مستوياتها منذ 100 عام.
وتعتبر الاقتصادات الآسيوية من بين الأكثر تضررًا، حيث تم فرض رسوم مرتفعة على مجموعة واسعة من المنتجات، شملت الفانيليا من مدغشقر بنسبة 47%، والمنسوجات من سريلانكا بنسبة 44%، بينما تعرضت صادرات كمبوديا وبنغلاديش لتعريفات بلغت 49% و37% على التوالي.
هذا الارتفاع المفاجئ دفع بعض المؤسسات المالية الكبرى، مثل “جي بي مورغان”، إلى تخفيض تصنيفها لعملات الأسواق الناشئة، مشيرة إلى أن هذه الصدمة في ثقة المستثمرين ستستمر على الأرجح، وستؤثر على تدفقات رأس المال لفترة طويلة.
تأثير الرسوم الجمركية على الاقتصادات الناشئة
كانت الأسواق الناشئة قد بدأت للتو في التعافي من موجة تراجع استمرت لعقد كامل، تفاقمت بسبب جائحة كوفيد-19، التي رفعت تكاليف الاقتراض وأدت إلى حالات تخلف عن السداد، لكن مع فرض الرسوم الجديدة أصبحت آفاق النمو الاقتصادي أكثر غموضًا.
ووفقًا لتحليل “غولدمان ساكس”، فإنَّ هذه التعريفات ستؤدي إلى خفض النمو الاقتصادي في الصين بنسبة نقطة مئوية واحدة، مما سيؤثر على الأسواق الناشئة الأخرى التي تعتمد على الصين كسوق رئيسي.
ولم تتوقف التداعيات عند ذلك الحد، فقد شهدت الأسواق المالية تراجعًا ملحوظًا، حيث انخفضت الأسهم الفيتنامية بنسبة 7%، وهو أكبر انخفاض يومي منذ أربع سنوات، كما تراجعت عملة الدونغ الفيتنامية إلى أدنى مستوى لها على الإطلاق. وفي سريلانكا، انخفضت السندات الدولارية السيادية إلى أدنى مستوياتها منذ إعادة هيكلة الديون، بينما هبط البات التايلندي إلى أدنى مستوى له منذ أكثر من ثلاثة أشهر.
على الرغم من أن التأثير كان أشد على الاقتصادات الآسيوية، إلا أنَّ بعض دول أمريكا اللاتينية وأفريقيا خرجت بأضرار أقل نسبيًا. كينيا، على سبيل المثال، اعتبرت أن فرض رسوم جمركية عليها بنسبة 10% فقط قد يمنحها ميزة تنافسية مقارنة بدول مثل فيتنام وسريلانكا التي تعرضت لزيادات أكبر بكثير.
تعرّف على التداعيات المحتملة لحرب ترامب التجارية.. “الألم للأمريكيين” قد يسبق المكاسب
التحولات في السياسة التجارية وتأثيرها العالمي
من جانبه يقول الدكتور محمد عبد الهادي الخبير الاقتصادي، إن الرسوم الجمركية التي فرضتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تمثل تحولًا جذريًا في السياسة التجارية العالمية، حيث وصلت التعريفات إلى مستويات غير مسبوقة منذ قرن.
وأضاف: “هذه الإجراءات تندرج ضمن نهج الحمائية الاقتصادية الذي يهدف إلى تقليص العجز التجاري الأمريكي، لكنه في الوقت ذاته يعرض الاقتصادات الناشئة لضغوط مالية وتجارية حادة”.
تاريخيًا، الاعتماد الكبير لهذه الدول على الصادرات، وخاصة إلى الأسواق الأمريكية، جعلها أكثر عرضة لتأثيرات الحواجز الجمركية، فزيادة الرسوم تعني ارتفاع تكلفة السلع المستوردة إلى الولايات المتحدة، مما يقلل من قدرتها التنافسية ويؤدي إلى تراجع الطلب، وهو ما ينعكس مباشرة على معدلات النمو الاقتصادي والاستثمارات الأجنبية في هذه الدول.
تأثير مباشر على العملات والتصنيفات الائتمانية
أكَّد الخبير أنَّه مع تزايد التعريفات، تراجعت ثقة المستثمرين في الأسواق الناشئة، مما دفع رؤوس الأموال الأجنبية إلى البحث عن ملاذات أكثر أمانًا، مثل السندات الأمريكية والدولار، وهذا التدفق الخارجي لرأس المال أدى بدوره إلى انخفاض قيمة العملات في العديد من الدول، مثل فيتنام وسريلانكا وكمبوديا، حيث فقدت عملاتها مستويات تاريخية من قيمتها، مما يجعل خدمة الديون الأجنبية أكثر كلفة ويزيد من الضغوط على الموازنات العامة.
ويرى عبدالهادي، أن التراجع في التصنيفات الائتمانية نتيجة لهذه التداعيات ليس مجرد انعكاس لحالة آنية، بل هو مؤشر على احتمالات تزايد المخاطر الاقتصادية على المدى الطويل؛ فكلما انخفض التصنيف الائتماني، ارتفعت كلفة الاقتراض الدولي، وهو ما يعمّق الأزمة المالية للدول التي تعاني أصلًا من ارتفاع مستويات الدين العام.
تأثيرات إقليمية متفاوتة
وفقًا للخبير، على الرغم من أن الضرر الأكبر وقع على الاقتصادات الآسيوية، إلا أن التأثير لم يكن متساويًا على جميع المناطق؛ ففي حين تعرضت جنوب شرقي آسيا لصدمات قوية بسبب ارتفاع الرسوم إلى ما يقارب 50% على بعض المنتجات، كانت الاقتصادات في أمريكا اللاتينية وأفريقيا أقل تأثرًا نسبيًا، حيث كانت التعريفات المفروضة عليها أقل.
اكتشف كيف تؤثر رسوم ترامب الجمركية على اقتصادات الدول العربية
تحديات طويلة الأجل للاقتصادات الناشئة
مع اشتداد الأزمة، بدأت البنوك المركزية في الاقتصادات المتضررة باتخاذ تدابير استباقية للتخفيف من آثارها؛ أبرزها الاتجاه نحو خفض أسعار الفائدة لتحفيز النمو الاقتصادي، إلا أن هذه السياسات قد تكون محدودة الفعالية في ظل ارتفاع مستويات الدين العام، ووجود تضخم مستورد بسبب تراجع العملات المحلية.
من ناحية أخرى، فإن قدرة الدول الناشئة على اتخاذ إجراءات تحفيزية إضافية تبقى محدودة، خاصة أن العديد منها قد استنفد جزءًا كبيرًا من موارده المالية خلال أزمة كوفيد-19، وهذا يعني أن أي صدمة جديدة قد تدفع بعض الدول إلى الدخول في ديون حادة، مثلما حدث في سريلانكا بعد إعادة هيكلة ديونها مؤخرًا.
وأشار عبد الهادي إلى أن الارتفاع الكبير في الرسوم الجمركية قد يدفع الشركات إلى إعادة النظر في سلاسل التوريد الخاصة بها، مما يؤدي إلى إعادة توطين التصنيع في دول أقل تضررًا أو حتى داخل الولايات المتحدة نفسها، هذا السيناريو قد يكون له تأثيرات طويلة الأمد على الاقتصادات الناشئة التي اعتمدت لعقود على كونها مراكز تصنيع منخفضة التكلفة.
ثُمَّ اختتم الخبير تصريحاته مؤكدًا أنَّ الأزمة الحالية تضع الاقتصادات الناشئة أمام خيارات صعبة؛ فإما أن تتكيف مع البيئة التجارية الجديدة عبر تنويع أسواقها وتقليل اعتمادها على الولايات المتحدة، أو أنها ستواجه فترة طويلة من عدم الاستقرار الاقتصادي. وفي حال استمرت التعريفات الجمركية لفترة طويلة، فمن المحتمل أن تدخل بعض هذه الدول في موجة من الأزمات المالية، مما قد يؤدي إلى تراجع الاستثمارات الأجنبية وزيادة الضغوط على الموازنات العامة.
اقرأ أحدث مستجدات رسوم ترامب: حتى البطاريق لم تسلم.. ترامب يفرض الرسوم على الجزر النائية!
