تقارير اقتصادية

    رسوم جمركية على دول عربية: تصعيد اقتصادي أم ضغط سياسي؟

    •آخر تحديث •4 دقائق
    رسوم جمركية على دول عربية: تصعيد اقتصادي أم ضغط سياسي؟

    تفاقمت حدة الحرب التجارية من جديد بفعل سلسلة قرارات متشددة اتخذها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، كان أبرزها فرض رسوم جمركية على خمس دول إضافية، من بينها العراق والجزائر وليبيا. وقد أثارت هذه الخطوة موجة من الانتقادات في الأوساط الاقتصادية والسياسية، حيث يرى خبراء أن القرار يعكس استمرارًا لسياسة أمريكية أحادية تُقدّم المصالح القومية على حساب قواعد النظام التجاري العالمي واستقراره، مما ينذر بمزيد من التوتر في المشهد الاقتصادي الدولي.

    بين الرؤية الاقتصادية والضغوط السياسية: ما دوافع القرار؟

    ظهرت العديد من التساؤلات حول الدوافع الحقيقية لقرارات ترامب، وما إذا كانت تأتي في إطار رؤية اقتصادية ممنهجة تهدف إلى تقليص العجز التجاري وتحقيق فائض في الخزينة، أم أنها مجرد أوراق ضغط سياسي تُستخدم لتحقيق مكاسب تكتيكية في ملفات دولية مختلفة. 

    ويرى الخبراء أنَّ استمرار هذا النهج التصادمي قد يُقوّض موقع الولايات المتحدة كمحور للتجارة العالمية، ويُضعف قدرتها على اجتذاب الاستثمار الدولي ويزيد من حالة عدم اليقين، في وقت يحتاج فيه الاقتصاد العالمي إلى سياسات هادئة ومستقرة.

    تجاهل واضح للجوانب الجيوسياسية

    قال الدكتور محمد كيلاني، الخبير الاقتصادي، إنَّ قرار ترامب بفرض رسوم جمركية على دول عربية مثل العراق والجزائر وليبيا يُجسد توجّهًا استراتيجيًا لإعادة صياغة العلاقات التجارية للولايات المتحدة بطريقة تصعيدية تخدم أولاً وأخيرًا المصلحة القومية الأمريكية، بغض النظر عن تداعياتها العالمية.

    وأوضح أن هذه الخطوة تأتي ضمن سياق من السياسات التي تتجاهل بشكل متعمد المصالح المتبادلة والاعتبارات الجيوسياسية، وتقوم على مبدأ الضغط الاقتصادي للوصول إلى مكاسب تفاوضية، حتى وإن كان الثمن هو ضرب الثقة في النظام التجاري العالمي، أو تقويض علاقات تاريخية تجمع أمريكا وشركائها الدوليين.

    وأضاف كيلاني أنَّ البيت الأبيض تعمّد تسويق هذه الرسوم على أنها جزء من حزمة تفاوضية مع الدول المستهدفة، لكن في الواقع فإن هناك نية واضحة لإملاء شروط أحادية، وأشار أيضًا إلى أن فرض الرسوم الجمركية بهذه الطريقة لا يُعد فقط مساسًا بمبادئ التجارة الحرة، بل يؤدي إلى تعطيل سلاسل الإمداد، ويزيد من كلفة الواردات، ويرفع من مستويات التضخم العالمية، في وقت تعاني فيه الأسواق من ضغوط معيشية خانقة.

    لا رؤية تفاوضية واضحة

    انتقد كيلاني ما وصفه بـ”الفراغ التفاوضي”، مشيرًا إلى أن الإدارة الأمريكية لم تُقدّم جدولًا تفاوضيًا حقيقيًا يرافق قراراتها الجمركية، بل اكتفت بتوجيه رسائل سياسية مشفرة، الأمر الذي أثار تحفظات حتى داخل الكونغرس الأمريكي.

    وأشار إلى أن الانقسامات داخل الحزب الجمهوري نفسه باتت واضحة، إذ عبّر عدد من نواب الحزب عن تخوفهم من التأثير العكسي لتلك السياسات، خاصة مع تزايد مؤشرات التضخم محليًا، واضطراب حركة التوريد، مما يُضعف بدوره أداء الاقتصاد الأمريكي ويهدد مستقبل الاستثمارات.

    كما تناول الجدول الزمني لتطبيق القرار، قائلاً إن تأجيل التنفيذ من يوليو إلى أغسطس يُظهر التردد داخل الإدارة الأمريكية وغياب الاستقرار التشريعي، وهو ما يُفقد الولايات المتحدة مكانتها التفاوضية ويزيد من ضبابية المشهد الاقتصادي العالمي.

    وختم بالقول إنّ إدراج العراق في قائمة الرسوم الجمركية رغم العلاقات التاريخية بينه وبين واشنطن، يكشف أن هذه السياسات لا تعبأ بحسابات التحالفات السياسية، بل تستند فقط إلى معيار الربح الاقتصادي المباشر، حتى وإن تسبب ذلك في تفجير موجة جديدة من الحروب التجارية على حساب استقرار النظام الاقتصادي العالمي.

    قد يهمّك أيضًا: ترامب يمهل أوروبا حتى 9 يوليو لتفادي الرسوم الجمركية

    الرسوم الجمركية أداة سياسية بامتياز

    من جهته، قال الدكتور ناصر النجار، الخبير الاقتصادي، إن السياسات الجمركية التي أعاد ترامب تفعيلها لا يمكن قراءتها من منظور اقتصادي فقط، بل تتطلب فهمًا دقيقًا للبُعد السياسي الكامن خلفها، مشيرًا إلى أن الرسوم لا تستهدف تصحيح اختلالات تجارية بقدر ما تُستخدم كأداة ضغط ضد دول بعينها.

    وأوضح في تصريحاته أن الولايات المتحدة لا تواجه خطرًا تجاريًا داهمًا يستدعي فرض رسوم واسعة بهذا الشكل، وأن المبررات التي قدمها ترامب، مثل خفض العجز أو تحفيز الاستثمار المحلي، تفتقر إلى الأساس الاقتصادي، مشيرًا إلى أن الواقع يشير إلى العكس تمامًا، حيث إن هذه الإجراءات ترفع الأسعار وتؤدي إلى زيادات تضخمية متوقعة داخل السوق الأمريكي، ما يُضعف القدرة الشرائية ويزيد الضغط على المستهلكين.

    وتابع: “حين تزداد الرسوم الجمركية على منتج مستورد من 2% إلى 10%، فإن هذا الفرق لا يتحمله المنتج أو التاجر، بل يُنقل بالكامل إلى المستهلك النهائي، مما يؤدي إلى موجة غلاء جديدة في الأسواق الأمريكية”.

    تآكل النفوذ التجاري الأمريكي

    لفت النجار إلى أن الدول المستهدفة بهذه الإجراءات ستسعى بطبيعة الحال إلى إعادة ترتيب تحالفاتها التجارية، وهو ما قد يُضعف النفوذ الاقتصادي الأمريكي تدريجيًا، خاصة في الأسواق الناشئة التي بدأت فعليًا في التوجه نحو شركاء بديلين مثل الصين وروسيا.

    كما نبّه إلى أن الاستهداف الواضح لبعض الدول التي ترتبط بتحالفات مع روسيا أو الصين يُعطي بُعدًا سياسيًا واضحًا للقرار، موضحًا أن هذا التوجه التصادمي قد يُفقد الولايات المتحدة ثقة العديد من الحلفاء الدوليين، خاصة في الأسواق الناشئة.

    وفي ختام حديثه، دعا النجار إلى إعادة النظر في استخدام السياسة التجارية كأداة ضغط سياسي، مشددًا على أن هذا النمط من السياسات لا يتناسب مع اقتصاد بحجم الاقتصاد الأمريكي، الذي يفترض أن يكون لاعبًا استقرارياً لا أداة لإشعال الصراعات، وقال: “الحروب التجارية لا تُخاض بعشوائية، بل يجب أن تخضع لتقديرات دقيقة تُوازن بين مصالح الداخل والتزامات الخارج، وهو ما تفتقر إليه سياسات ترامب بشكل واضح”.

    اقرأ أيضًا: هل تقود سياسات ترامب التجارية أمريكا إلى عزلة اقتصادية؟

    تداعيات واسعة ومشهد ضبابي

    في المحصلة، تؤكد تحليلات الخبراء أن القرارات الأخيرة تمثل خروجًا عن قواعد التوازن الاقتصادي الدولي، وأنها تُنذر بمزيد من التوترات الاقتصادية والسياسية على نطاق عالمي.

    ورغم تنوّع القراءات حول دوافع ترامب، بين حسابات الداخل والضغوط الخارجية، إلا أن النتائج تبدو موحّدة: اضطراب في حركة التجارة الدولية، تصاعد معدلات التضخم، وتراجع في الثقة بالسياسات الاقتصادية الأمريكية، في وقت يحتاج فيه العالم إلى استقرار لا إلى مزيد من التصعيد.

    اقرأ أيضًا: ترامب يهدد دول بريكس برسوم جمركية جديدة