تقارير اقتصادية

    رسوم ترامب الجمركية تشعل مواجهة تجارية جديدة مع الصين وأوروبا

    •آخر تحديث •5 دقائق
    رسوم ترامب الجمركية تشعل مواجهة تجارية جديدة مع الصين وأوروبا

    في تحرُّك يُعيد أجواء الحرب التجارية العالمية إلى الواجهة، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عزمه مضاعفة الرسوم الجمركية المفروضة على واردات الصلب والألمنيوم، لترتفع من 25% إلى 50%، في خطوة اعتُبرت تصعيدًا جديدًا ضد الشركاء التجاريين للولايات المتحدة، ولا سيما أوروبا والصين.

    جاء الإعلان خلال زيارة ترامب لمصنع شركة “يو إس ستيل” بولاية بنسلفانيا، حيث استعرض شراكة الشركة الأمريكية مع “نيبون ستيل” اليابانية، مؤكداً أن الإجراءات الجديدة تهدف إلى حماية الصناعة المحلية، وعدم السماح لأي جهة أجنبية بالإضرار بالمصالح الاقتصادية الأمريكية، وصرّح أمام حشد من العمّال قائلاً: “لن نسمح لأحد بأن يمر دون محاسبة”.

    وبحسب الرئيس الأمريكي، فإن الرسوم السابقة التي فرضها خلال ولايته الأولى ساهمت في إنقاذ المصنع من الإغلاق الكامل، مشددًا على أن الكيان الأمريكي سيظل تحت السيادة الأمريكية، دون تسريح للعمال أو التعاقد مع جهات خارجية ضمن اتفاق الشراكة الأخير.

    تصعيد أمريكي جديد يفتح جبهة مباشرة مع أوروبا والصين

    من جانبها، أعربت المفوضية الأوروبية عن “أسف بالغ” تجاه هذا التصعيد، معتبرة أنَّ رفع الرسوم الأحادية يعرقل جهود التوصل إلى حلول تفاوضية، ويزيد من حالة عدم اليقين في الاقتصاد العالمي. وأكد متحدث باسم المفوضية في بيان رسمي أن هذه الزيادة ستؤدي إلى رفع التكاليف على الشركات والمستهلكين على ضفتي الأطلسي.

    ولم تخلُ الساحة التجارية من توتر متصاعد بين واشنطن وبكين؛ فقد انتقد ترامب ما وصفه بانتهاك صيني لاتفاق جرى التوصل إليه مؤخرًا لتجميد تصعيد الرسوم لمدة 90 يومًا، وأعلن أنه يعتزم التحدث قريبًا مع الرئيس الصيني شي جينبينغ لمناقشة الوضع.

    الاتهامات الأمريكية تزامنت مع تصريحات وزير الخزانة الأمريكي، سكوت بيسنت، الذي أشار إلى تعثر واضح في المفاوضات مع الصين، ملمحًا إلى تباطؤ صيني متعمّد في إصدار تصاريح تصدير معادن نادرة تُستخدم في صناعة السيارات والرقائق الإلكترونية، ما اعتبرته واشنطن ابتزازًا اقتصاديًا جديدًا.

    وكانت إحدى النقاط المحورية في الاتفاق الأمريكي الصيني تنص على استئناف الصين لتصدير هذه المعادن الحيوية، لكن تأخر التنفيذ أثار موجة إحباط داخل الإدارة الأمريكية. وعلّق جيمسون غرير، ممثل التجارة الأمريكي، بأن الصين ما تزال تبطئ تصدير المواد الأساسية، في وقت يظل فيه العجز التجاري الأمريكي مع الصين عند مستويات مرتفعة.

    أما ستيفن ميلر، نائب كبير موظفي ترامب، فقد ذهب إلى أبعد من ذلك، مؤكدًا أن فشل الصين في الالتزام بالاتفاق يفتح الباب أمام جميع الخيارات المطروحة أمام واشنطن لضمان احترام بكين لوعودها.

    ورغم التوتر، أبدى ترامب استعداده للحوار، قائلاً إنه “متأكد” من إجراء مكالمة هاتفية وشيكة مع نظيره الصيني، آملاً في التوصل إلى تسوية تُجنب الطرفين تصعيدًا جديدًا.

    اقرأ أيضًا: الصين والاتحاد الأوروبي يعززان شراكتهما لمواجهة الضغوط الأمريكية

    من هدنة مؤقتة إلى تصعيد شامل في السياسات الجمركية

    بعد فترة من الهدوء النسبي بدا أنَّ دوامة الرسوم الجمركية تعود إلى الدوران من جديد؛ فمنذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض في يناير الماضي استأنفت واشنطن سياسة فرض الرسوم الواسعة، مستهدفة غالبية الشركاء التجاريين، وبشكل خاص الصين.

    وأظهرت البيانات أنَّ الجانبين كانا قد توصلا مؤخرًا إلى اتفاق لتقليص الرسوم الإضافية مؤقتًا، إذ خفّضت الولايات المتحدة رسومها من 145% إلى 30%، بينما قلّصت الصين نسبتها من 125% إلى 10%، إلَّا أن هذه الهدنة لم تصمد طويلًا، حيث أعادت واشنطن فرض رسوم إضافية بنسبة 20% على البضائع الصينية، مبررة ذلك بما وصفته بـ”ضلوع الصين في تجارة المخدرات غير القانونية”، وهو اتهام رفضته بكين جملة وتفصيلاً.

    وقد أفضت هذه السياسات الجمركية المتبادلة إلى تباطؤ ملحوظ في حركة التجارة بين البلدين، حيث أوقفت شركات كبرى عمليات الشحن، بانتظار نتائج المحادثات المتعثرة.

    اطّلع على تفاصيل الهدنة المؤقتة في الحرب التجارية بين أمريكا والصين

    عودة السياسات الحمائية تقلب موازين التجارة العالمية

    أكَّدت الدكتور محمد البنموسى، الخبير الاقتصادي، أنَّ إعلان الرئيس الأمريكي رفع الرسوم الجمركية على واردات الصلب والألمنيوم يمثّل تصعيدًا خطيرًا في المسار التجاري العالمي، ويعيد شبح الحرب التجارية إلى الواجهة في توقيت بالغ الحساسية للاقتصاد الدولي.

    وقال إنَّ القرار الأمريكي يعكس توجهاً متزايدًا نحو السياسات الحمائية، خاصة في القطاعات الاستراتيجية مثل الصناعات الثقيلة، مشيرًا إلى أنَّ هذا التحرك سيفرض أعباءً جديدة على الشركات الأوروبية، وسيؤثر سلبًا على سلاسل التوريد بين الولايات المتحدة وشركائها التقليديين.

    وأوضح أن رد المفوضية الأوروبية الذي عبّر عن “الأسف الشديد” هو رسالة سياسية واضحة تؤكد رفض الاتحاد الأوروبي لأي خطوات أحادية من شأنها تقويض الجهود الدبلوماسية الجارية. وأشار إلى أن التصعيد من جانب واشنطن قد يقابله تحركات مضادة من بروكسل مما يعقّد البيئة الاستثمارية ويعمّق حالة عدم اليقين في الأسواق.

    اتهامات ترامب لبكين تشعل المخاوف من مواجهة طويلة

    وفيما يخص العلاقات التجارية بين الولايات المتحدة والصين، حذر البنموسى من تداعيات اتهامات ترامب لبكين بـ”انتهاك” اتفاق التهدئة الجمركية، معتبرًا أن هذه التصريحات تمثل مقدمة لمواجهة جديدة قد تترك آثارًا عميقة على الاقتصاد العالمي.

    وأضاف: “التباطؤ الصيني في إصدار تصاريح تصدير المعادن النادرة ليس فقط ورقة ضغط اقتصادية، بل أداة استراتيجية تستهدف الصناعات التكنولوجية الحساسة في أمريكا، مثل السيارات الكهربائية والرقائق، وهي معركة تتجاوز مسألة الرسوم الجمركية إلى عمق المنافسة الجيواقتصادية”.

    وتابع البنموسى أن أي فشل في المفاوضات بين بكين وواشنطن سيعني بالضرورة عودة الرسوم الانتقامية المتبادلة، وهو ما شهدناه سابقًا وتأثرت به الأسواق الناشئة والدول النامية بشكل مباشر.

    توسّع التوترات التجارية يهدد بتباطؤ عالمي جديد

    أشار البنموسى إلى أنَّ هذه القرارات، وإن كانت يتم تسويقها داخلياً كخطوة لحماية الصناعات الوطنية، فإنها في الحقيقة تزيد من تكلفة الإنتاج المحلي، وتنعكس على المستهلك الأمريكي من خلال ارتفاع أسعار السلع النهائية.

    وقال: “الأمر لا يقتصر على قطاع الصلب، بل سيمتد تأثيره إلى قطاعات تعتمد على هذه المواد كمدخلات إنتاج، مثل الصناعات الهندسية والإنشائية، ما يؤدي في النهاية إلى موجة تضخمية جديدة في السوق الأمريكية”.

    واختتم البنموسى تصريحاته بالقول: “نحن أمام مشهد اقتصادي يزداد تعقيدًا، فبدلاً من عودة الاستقرار بعد سنوات من الجائحة والأزمات الجيوسياسية، نشهد اليوم عودة النزعات الحمائية، وارتفاع وتيرة المواجهات التجارية، وتزايد المخاطر المرتبطة بتقلب السياسات الاقتصادية، وإذا لم يتم ضبط هذه السياسات عبر قنوات الحوار الدولي، فإن الأسواق ستدفع الثمن في صورة ركود وتقلّص في النمو  العالمي”.

    اقرأ أيضًا: هل يفقد الدولار الأمريكي عرشه كعملة احتياطية عالمية؟