اقتصاد كلي

    ديون الدول الناشئة.. شوكة في حلق الاقتصاد العالمي

    بقلم دانا تيسير••آخر تحديث •4 دقائق
    لفافات من عملات ورقية متعددة.

    تحولت ديون الدول الناشئة إلى شوكة في حلق الاقتصاد العالمي بعد أن قفزت إلى مستوى قياسي جديد يقدّر بنحو 105 تريليون دولار، من إجمالي الدين العالمي الذي كسر حاجز 315 تريليون دولار خلال الربع الأول من عام 2024.

    وتعكس هذه الأرقام زيادة فصلية بمقدار 1.3 تريليون دولار مقارنة بالربع الأخير من العام الماضي، مدفوعة بشكل أساسي باقتصادات الأسواق الناشئة التي تضخمت ديونها بمقدار 55 تريليون دولار خلال العقد الماضي.

    وتشمل هذه الذمم المالية القروض والتمويلات التي تحصل عليها الدول النامية من المؤسسات الدولية والدول المتقدمة لتمويل مشاريع البنية التحتية ودعم الموازنات الحكومية، مما يضع العالم أمام اختبار حقيقي لإدارة هذه الأعباء عبر سياسات رشيدة تعزز الاستقرار المالي.

    مفارقة الأسواق الناشئة

    يوضح الخبير المصرفي، الدكتور محمد الشوربجي، أن الأسواق الناشئة أصبحت محط أنظار المستثمرين كفرصة استثمارية واعدة بفضل معدلات نموها السريعة وعوائدها المرتفعة، بالرغم من اتصافها بمعدلات مخاطرة عالية.

    د. محمد الشوربجي: "انتقلت هذه الاقتصادات من مرحلة الاعتماد على الزراعة وتصدير المواد الخام إلى التصنيع والانخراط في نظام التجارة العالمي، إلا أن طموحها بالدخول إلى مصاف الأسواق المتقدمة يصطدم بجدار الديون التي تقيد فرص النمو المستدام."

    وقد تواصل هذا الارتفاع مؤخراً مع قفزة ملحوظة في مبيعات السندات الصادرة عن تلك الدول بلغت 47 مليار دولار في مطلع العام، مما فرض ضغوطاً إضافية بلغت ذروتها منذ جائحة كورونا التي شلت حركة النمو.

    ويحذر الشوربجي من أن تقارير البنك الدولي كشفت أن عوائد السندات التي طرحتها بعض الدول الإفريقية جاءت أقل من عبء الدين نفسه، مما يدق ناقوس الخطر؛ إذ تعيش هذه الدول مأزقاً حقيقياً عندما تعجز عوائد المشروعات عن تغطية تكلفة خدمة الدين.

    لماذا تتراكم الديون وما الذي يهدد استدامتها؟

    يتفق الخبير المصرفي الدكتور أحمد شوقي مع طرح الشوربجي، مؤكداً أن تراكم الديون المقومة بالدولار في الاقتصادات النامية يضاعف أعباء السداد في ظل تقلبات أسعار الصرف وارتفاع أسعار الفائدة العالمية.

    ويمكن تلخيص أبرز أسباب ودوافع هذا التراكم الهيكلي في النقاط الآتية:

    • الاحتياجات التنموية الكبرى: السعي الحثيث لتطوير البنية التحتية والخدمات العامة يضطر الحكومات للاقتراض لتمويل مشروعات طويلة الأجل.

    • عجز الموازنات المستمر: تواجه الدول الناشئة فجوة تمويلية مزمنة ناتجة عن محدودية الإيرادات المحلية مقابل تصاعد النفقات العامة.

    • التقلبات وصدمات الأسواق: الحساسية المرتفعة لأسواق السلع الأساسية (مثل النفط والمعادن والحبوب) التي تعتمد عليها مداخيل هذه الدول؛ حيث يؤدي هبوط أسعارها إلى تجفيف منابع النقد الأجنبي.

    وتتفاقم هذه الأوضاع نتيجة للاحتكاكات التجارية والتجزئة الجيواقتصادية؛ حيث حذر معهد التمويل الدولي (IIF) من أن سياسات الحماية الصناعية والقيود الصارمة على سلاسل التوريد تؤدي إلى إبقاء التضخم وأسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة، مما يقوض تدفقات الاستثمار ويضعف قدرة الدول الناشئة على خدمة ديونها الخارجية.

    اقرأ أيضًا: وكالة الطاقة تخفض تكاليف الطاقة المتجددة بالدول النامية

    مشهد الديون في الاقتصادات المتقدمة

    الأزمة لا تقتصر على الدول النامية؛ بل تمتد جذورها إلى الاقتصادات الكبرى. وتشير خبيرة أسواق المال، الدكتورة رانيا الجندي، إلى أن التمويل بالعجز والأزمات الدورية (مثل أزمة 2008 وجائحة 2020) دفع بالدول المتقدمة إلى تبني سياسات نقدية توسعية قادت إلى طفرة في استدانة الحكومات.

    ويوضح الجدول الآتي الموقف المالي لأبرز القوى الاقتصادية الكبرى كنسبة من ناتجها المحلي الإجمالي:

    الدولة / الإقليم

    نسبة الدين إلى الناتج المحلي (الربع الأول 2024)

    المقارنة مع الفترة ذاتها من العام السابق

    الولايات المتحدة الأمريكية

    120%

    ارتفع من 116%

    اليابان

    231%

    انخفض من 239.8%

    المنطقة الأوروبية (Eurozone)

    93.2%

    انخفاض طفيف من 93.5%

    المملكة المتحدة

    85.6%

    انخفض من 87.2%

    قد يهمّك أيضًا: الأثرياء يخططون للهروب من بريطانيا بسبب الضرائب

    التبعات النظامية على الاقتصاد العالمي

    تتداخل آثار هذه المديونيات لتهدد البناء الاقتصادي العالمي في عدة محاور رئيسة؛ أبرزها كبح النمو طويل الأجل، فتوجيه جزء ضخم من إيرادات الدول لسداد فوائد الديون يحرم القطاعات الحيوية (كالتعليم، الصحة، والاستثمار الهيكلي) من الموارد الأساسية، لا سيما وأن ثلث الاقتصادات الناشئة لم يشهد أي تعافٍ حقيقي منذ الجائحة، ولا يزال نصيب الفرد من الدخل فيها دون مستويات عام 2019.

    بالإضافة إلى انكماش الثقة وتراجع الاستثمار الأجنبي (FDI)، إذ إنّ تزايد مخاطر التعثر المالي يمنع تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية، فالمستثمرون يفضلون الهروب نحو الأصول الأمريكية الأكثر أماناً كلما ارتفعت الفائدة في واشنطن.

    وأخيرًا تأتي أزمات الصرف والتضخم المستورد، فصعود الدولار أمام عملات الدول الناشئة يرفع كلفة الواردات، مما يخل بالتوازن التجاري ويغذي التضخم المحلي، وتزداد هذه المخاوف اشتعالاً مع التوترات الراهنة في منطقة الشرق الأوسط.

    دليل الحلول المقترحة

    في ظل التوقعات القاتمة للبنك الدولي، والتي تشير إلى أن الاقتصاد العالمي يتجه لتسجيل أضعف أداء لفترة 5 سنوات منذ 30 عاماً (بنمو متوقع يقارب 2.4% قبل أن يرتفع إلى 2.7% في 2025)، يطرح الخبراء حزمة من التدابير العاجلة.

    وفي هذا السياق، يقول الدكتور الشوربجي إنه في حال استمرار النمو المنخفض، لن يكون هناك مفر من تفعيل آليات مرنة لإعادة جدولة الاستحقاقات أو التوافق على تخفيضات مباشرة مع الدائنين (على غرار مبادرات عام 2020).

    ويُضيف: "يتعين على الدول الناشئة دعم عملاتها المحلية عبر تنويع الشركاء التجاريين، والتحكم الصارم في الإنفاق الحكومي، وتحسين البيئة التشغيلية لزيادة الشفافية وجذب الاستثمارات المستدامة، بالإضافة إلى تقليل الاعتماد المزمن على تصدير المواد الخام وتوسيع القاعدة التنافسية للتصنيع المحلي والخدمات لتعزيز مرونة الإيرادات العامة".

    وفي ختام تصريحاته، شدّد الشوربجي على أنّ الوضع القائم يحتاج تحركاً فورياً من صندوق النقد والبنك الدولي والدول المتقدمة لتقديم الدعم الفني والمالي وتبني آليات اقتراض مستدامة تضمن توجيه السيولة نحو القطاعات الشاملة بدلاً من استهلاكها في خدمة الديون.

    اقرأ أيضًا: هل يصبح قطاع التعدين جوكر الاقتصاد المصري؟