تقارير اقتصادية

    لماذا خفضت وكالات التصنيف الائتماني الاقتصاد الإسرائيلي؟

    •آخر تحديث •6 دقائق
    لماذا خفضت وكالات التصنيف الائتماني الاقتصاد الإسرائيلي؟

    استمر الاقتصاد الإسرائيلي في الانكماش نتيجة لتفاقم الحرب في غزة والتصعيد العسكري مع حزب الله في لبنان، حيث تأثرت أغلب القطاعات الاقتصادية بتصاعد التوترات الأمنية، وقد تسببت هذه التطورات في زيادة الضغوط على ميزانية الدولة، مما أثر على الاستقرار العام للاقتصاد الإسرائيلي.

    وقد خفضت وكالة “موديز” التصنيف الائتماني لإسرائيل للمرة الثانية هذا العام، في ظل تزايد التكاليف الاقتصادية للحرب المستمرة في غزة وتصاعد التوترات مع حزب الله، ووفقًا لما نقلته وكالة “بلومبيرغ”، تم تخفيض التصنيف بدرجتين من “A2” إلى “Baa1″، مما يجعل إسرائيل على بعد ثلاث خطوات فقط من الدرجة غير الاستثمارية. كما أنّ “موديز” أبقت على النظرة المستقبلية السلبية لإسرائيل، مما يعكس القلق المتزايد حول قدرتها على الحفاظ على استقرارها الاقتصادي في ظل الأزمات الأمنية المتصاعدة.

    في الوقت نفسه، خفضت وكالة “ستاندرد آند بورز” للتصنيفات الائتمانية تصنيف إسرائيل على المدى الطويل من “A+” إلى “A”، بسبب المخاطر الأمنية المتزايدة، خاصة بعد الضربة التي وجهتها لها إيران، متوقعة تأخر التعافي الاقتصادي في إسرائيل.

    المخاطر الجيوسياسية

    وفي إعلانها غير المجدول، أشارت “موديز” إلى أن “المخاطر الجيوسياسية تصاعدت بشكل كبير، وهو ما أدى إلى تأثيرات سلبية ملموسة على القدرة الائتمانية لإسرائيل على المدى القريب والطويل”، يأتي هذا التصعيد في سياق تصاعد القتال مع حزب الله في لبنان، حيث شنت إسرائيل هجمات على مقرات الحزب في ضاحية بيروت الجنوبية في واحدة من أكبر العمليات العسكرية ضد لبنان منذ ما يقرب من عقدين، ما أسفر عن مقتل أمين عام الحزب حسن نصر الله وعدد من قيادات الصف الأول.

    هذا التصعيد أثار مخاوف من إمكانية انزلاق الأزمة وامتداد الحرب لتشمل إيران، التي تُعد الداعم الرئيسي لحزب الله، مما يزيد من احتمال اندلاع نزاع إقليمي أوسع يشمل الولايات المتحدة أيضًا، بحسب تقرير “بلومبيرغ”.

    اقرأ أيضًا: ما تداعيات استهداف حزب الله لحقول الغاز الإسرائيلية؟

    زيادة الأعباء المالية على الاقتصاد الإسرائيلي

    يقول الدكتور ناصر حسن، الخبير الاقتصادي، إن الحرب على غزة والتصعيد مع حزب الله في لبنان يؤثران على الاقتصاد الإسرائيلي بشكل شامل؛ حيث إن زيادة الأعباء المالية، وتراجع الثقة الاستثمارية، وتعطل الأنشطة الاقتصادية، بالإضافة إلى تأثر عدد من القطاعات الحيوية مثل السياحة والتجارة والصناعة، جميعها تشكل تحديات كبيرة للحكومة الإسرائيلية، وتضع الاقتصاد أمام مخاطر كبيرة في المستقبل القريب، ما يتطلب جهودًا مكثفة للتخفيف من آثار هذه الأزمات.

    وأضاف الخبير، ومن أبرز التأثيرات المباشرة للحرب هو التزايد الكبير في الأعباء المالية على الحكومة الإسرائيلية، وزيادة النفقات العسكرية لتعزيز الدفاعات وتمويل العمليات العسكرية في غزة ولبنان تتطلب إعادة تخصيص موارد كبيرة من الميزانية العامة، مما يؤثر سلبًا على خطط التنمية والاستثمارات في القطاعات الحيوية مثل التعليم والصحة والبنية التحتية. وقد يؤدي هذا إلى زيادة العجز في الميزانية وارتفاع مستويات الدين العام.

    وأضاف الخبير في تصريحات خاصة لموقع Econ-Pedia، تسببت الحرب في تراجع الثقة الاقتصادية وتخفيض التصنيف الائتماني، فالتصعيد العسكري أدى إلى تراجع ثقة المستثمرين في الاقتصاد الإسرائيلي، وقد قامت وكالة “موديز” مؤخرًا بتخفيض التصنيف الائتماني لإسرائيل بسبب التوترات الأمنية، وهو ما يعكس القلق المتزايد حول استقرار الاقتصاد في ظل المخاطر الجيوسياسية، كما أن تخفيض التصنيف الائتماني يزيد تكلفة الاقتراض، ويعقد جهود الحكومة في الحصول على التمويل اللازم لدعم الاقتصاد.

    ووفقًا للخبير، يعتبر قطاع السياحة من أكثر القطاعات التي تتأثر بسرعة بالتوترات الأمنية، فالحروب والمواجهات العسكرية في غزة وجنوب لبنان أدت إلى انخفاض أعداد السياح الوافدين، حيث يتجنب السياح زيارة المناطق المتوترة، وهذا التراجع في السياحة يؤثر بشكل مباشر على قطاع الخدمات، مثل الفنادق والمطاعم وشركات النقل، مما يؤدي إلى تراجع الإيرادات وارتفاع معدلات البطالة في هذا القطاع.

    تعطل الأعمال والأنشطة الاقتصادية

    الحرب والتصعيد العسكري تسببا في تعطيل الأنشطة الاقتصادية في عدد من المناطق الإسرائيلية، حيث يتم إغلاق المنشآت التجارية والصناعية في المناطق القريبة من أماكن المواجهات، ويُطلب من السكان البقاء في الملاجئ، وهذا يؤثر على الإنتاجية ويقلل من فرص النمو الاقتصادي. كما تؤدي حالة عدم الاستقرار إلى تراجع الاستثمارات المحلية والأجنبية، حيث يتجنب المستثمرون المخاطرة بأموالهم في بيئة متقلبة.

    كما تسبب النزاع المسلح في تراجع معدلات التوظيف، حيث تأثرت العديد من الشركات والمصانع بضرورة الإغلاق أو تقليل الإنتاج. بالإضافة إلى ذلك، يتم استدعاء العديد من الأفراد إلى الخدمة العسكرية الاحتياطية، مما يقلل من عدد الأيدي العاملة المتاحة لسوق العمل، وهو ما ينعكس سلبًا على أداء العديد من القطاعات الاقتصادية.

    وأكد الخبير أن الإنفاق العسكري المتزايد والتعطل في سلاسل الإمداد يمكن أن يؤديا إلى ارتفاع معدلات التضخم، كما أنّ نقص السلع الأساسية والمنتجات المستوردة قد يؤدي إلى زيادة الأسعار، الأمر الذي يسبب ضغطًا للأسر ويؤثر على مستوى المعيشة. فضلًا عن ذلك، تزيد تكلفة التأمين على التجارة والنقل بسبب المخاطر الأمنية المحتملة، مما يؤدي إلى ارتفاع إضافي في تكاليف السلع والخدمات.

    ومن الجدير بالذكر أنّ الاستمرار في النزاعات مع غزة ولبنان يؤثر على حركة الصادرات الإسرائيلية، سواء بسبب تعطل خطوط النقل والتجارة أو بسبب تردد الشركاء التجاريين في التعامل مع اقتصاد يتسم بعدم الاستقرار، الأمر الذي قد يؤثر على العائدات ويزيد من العجز في الميزان التجاري.

    اقرأ أيضا: هل سيتحمل اقتصاد لبنان فاتورة النزاع؟

    ماذا يعني خفض تصنيف الاقتصاد الإسرائيلي ؟

    وتقول الدكتورة رانيا الجندي -الخبيرة الاقتصادية- إن خفض وكالة التصنيف الائتماني “موديز” التوقعات الاقتصادية لإسرائيل جاء نتيجة للأزمات السياسية الداخلية وتأثيرها المحتمل على استقرار الاقتصاد، فهذا القرار يشكل تحذيرًا خطيرًا بشأن مستقبل الاقتصاد الإسرائيلي، خصوصًا مع تصاعد المخاطر السياسية والاجتماعية التي تهدد النمو والاستثمار.

    أسباب خفض تصنيف الاقتصاد الإسرائيلي

    وفقا للدكتورة رانيا الجندي، تعود أسباب خفض التصنيف إلى القلق المتزايد بشأن استقرار الأوضاع السياسية الداخلية في إسرائيل، والخلافات السياسية المتفاقمة، إلى جانب تزايد حدة الاحتجاجات ضد سياسات الحكومة والتي أسهمت في تزايد حالة عدم اليقين لدى المستثمرين الدوليين. كما أشارت موديز إلى أن هذه الاضطرابات قد تؤدي إلى تراجع الثقة في المؤسسات الاقتصادية والسياسية الإسرائيلية، مما يؤثر سلبًا على بيئة الأعمال ويضعف قدرة الاقتصاد على مواجهة التحديات.

    التأثير على الاستثمار

    أكدت الجندي في تصريحات خاصة لموقع Econ-Pedia أن خفض التصنيف الائتماني لإسرائيل يمكن أن يؤثر بشكل مباشر على تدفق الاستثمارات الأجنبية، حيث إنّ التصنيف الائتماني عادةً ما يعتبر معيارًا للمستثمرين لتقييم المخاطر المرتبطة بالاستثمار في أي بلد، وعندما يتعرض التصنيف للخفض فإن ذلك يعكس تزايد المخاطر، ما قد يدفع المستثمرين إلى إعادة النظر في استثماراتهم أو البحث عن فرص أكثر استقرارًا في أسواق أخرى.

    كما أن خفض التصنيف قد يصاحبه ارتفاع تكاليف الاقتراض على الحكومة الإسرائيلية والشركات الكبرى، وهذا القرار قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار الفائدة على السندات الحكومية، وبالتالي زيادة تكلفة تمويل المشاريع والبنية التحتية. علاوة على ذلك، قد تجد الشركات صعوبة أكبر في الحصول على تمويل منخفض التكاليف، مما يمكن أن يؤثر على خطط التوسع والتطوير في قطاعات متعددة.

    النمو الاقتصادي

    أما عن تداعيات القرار على النمو الاقتصادي، تقول الجندي إن التداعيات المحتملة لخفض التصنيف على الاقتصاد الإسرائيلي لا تقتصر على القطاع المالي فحسب، بل تمتد إلى التأثير على النمو الاقتصادي بشكل عام؛ فزيادة تكاليف الاقتراض وتراجع الاستثمارات قد يؤديان إلى تباطؤ في الأنشطة الاقتصادية، خصوصًا في قطاعات مثل التكنولوجيا والبناء، اللذين يعتمدان بشكل كبير على الاستثمار الخارجي والدعم المالي، الأمر الذي قد ينعكس على معدلات التوظيف والدخل، ما يؤثر سلبًا على مستوى معيشة المواطنين.

    اقرأ أيضًا: كيف أصبح أداء الاقتصاد الإسرائيلي بعد 10 شهور من الحرب؟

    إعادة بناء الثقة في الحكومة

    شددت الجندي خلال حديثها على أهمية الثقة في السياسات الحكومية لجذب الاستثمارات والحفاظ على استقرار الاقتصاد، ومع تراجع تصنيف إسرائيل، يظهر تآكل الثقة في قدرة الحكومة على إدارة الأزمات السياسية والاقتصادية، مما قد يدفع الحكومة إلى اتخاذ إجراءات إصلاحية عاجلة لتعزيز الثقة واستعادة الاستقرار، بما في ذلك معالجة الخلافات السياسية وتحسين بيئة الأعمال.

    ولتخفيف تأثيرات خفض التصنيف، على الحكومة الإسرائيلية اتخاذ خطوات جادة لتهدئة الأوضاع السياسية في المنطقة وتعزيز الاستقرار السياسي وإعادة بناء الثقة مع المستثمرين، وتنفيذ إصلاحات هيكلية تهدف إلى تحسين مناخ الاستثمار، وتقليل الفجوة السياسية، وضمان استقلالية المؤسسات الاقتصادية والمالية.

    هذا وقد اتفق الخبراء على أن خفض تصنيف إسرائيل من قبل وكالة “موديز” يعتبر إشارة تحذير هامة حول مستقبل الاقتصاد الإسرائيلي، فزيادة التوترات السياسية وضعف الثقة في الحكومة يمكن أن يؤديان إلى تأثيرات سلبية متعددة على الاستثمار وتكاليف الاقتراض والنمو الاقتصادي، لذلك فإنّ من الضروري للحكومة الإسرائيلية أن تتخذ خطوات فورية لتعزيز استقرارها السياسي، وتقديم حوافز اقتصادية تحافظ على ثقة المستثمرين وتدعم الاقتصاد.