تقارير الطاقة

    خفض سقف النفط الروسي.. أوروبا تشدد الخناق الاقتصادي على موسكو

    •آخر تحديث •5 دقائق
    خفض سقف النفط الروسي.. أوروبا تشدد الخناق الاقتصادي على موسكو

    أعلن الاتحاد الأوروبي عن تبنيه حزمة جديدة من العقوبات على روسيا، هي الثامنة عشرة منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، وتعد من بين الأقسى على الإطلاق بعدما تضمنت خفض سقف النفط الروسي، وفق تصريحات رسمية صدرت عن دبلوماسيين ومسؤولين أوروبيين عقب اجتماع سفراء دول الاتحاد في بروكسل صباح الجمعة.

    وأكد دبلوماسي أوروبي أن الدول الأعضاء توصلت إلى “اتفاق بشأن حزمة عقوبات قوية وفعالة ضد روسيا”، مشيرًا إلى أن الاتفاق تم بعد مفاوضات مكثفة، خصوصًا مع سلوفاكيا التي كانت قد عطلت إقرار الحزمة في وقت سابق للضغط من أجل تأمين ضمانات بشأن إمدادات الغاز الطبيعي الخاصة بها، وقد حصلت براتيسلافا على تطمينات كافية من المفوضية الأوروبية، ما مهد الطريق للموافقة بالإجماع.

    ويأتي هذا التصعيد في وقت يخطط فيه الاتحاد الأوروبي لتقليص الاعتماد على الغاز الروسي بشكل كامل بحلول عام 2027، ضمن استراتيجية أوسع لفك الارتباط مع مصادر الطاقة الروسية.

    خفض سقف أسعار النفط الروسي إلى 45 دولارًا للبرميل

    من أبرز ما تتضمنه الحزمة الجديدة من العقوبات، خفض سقف أسعار النفط الخام الروسي الموجه للتصدير، ليصبح قريبًا من 45 دولارًا للبرميل، أي أقل بنحو 15% من متوسط سعر البرميل الروسي في السوق العالمية، بحسب مصادر دبلوماسية مطلعة.

    وكان سقف السعر السابق قد تم تحديده عند 60 دولارًا للبرميل، إلا أن تراجع الأسعار العالمية دفع دول الاتحاد إلى إعادة النظر في السقف، لضمان استمرار فاعلية الأداة الاقتصادية، وينظر إلى هذا التعديل باعتباره أكثر مرونة، إذ يرتبط بسعر السوق الفعلي، مما يتيح تعديله تلقائيًا مع استمرار التراجع.

    وتعليقًا على القرار، صرّحت كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، أن “الاتحاد الأوروبي اعتمد للتو واحدة من أقسى حزم العقوبات ضد روسيا”، مشددة على أن الهدف الاستراتيجي هو “الحفاظ على الضغط حتى تتوقف موسكو عن حربها”.

    دعم أوروبي واسع وتنسيق غربي محتمل

    الحزمة الأوروبية الجديدة نالت ترحيبًا من دول غربية بارزة، حيث وصفتها فرنسا بأنها “غير مسبوقة”، وقال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو في منشور له على منصة “إكس”: “بالتعاون مع الولايات المتحدة سنجبر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على وقف إطلاق النار في أوكرانيا“.

    ورغم هذا التوافق الأوروبي، لا تزال واشنطن مترددة بشأن الانضمام إلى هذه الخطوة بتحديد سقف جديد للسعر، في ظل التزامها السابق باتفاق مجموعة السبع الذي وضع سقفًا قدره 60 دولارًا، إلا أن مصادر أوروبية أعربت عن أملها بانضمام الولايات المتحدة لاحقًا لتعزيز أثر الإجراءات.

    الجدير بالذكر أن سياسة تحديد أسعار النفط تهدف إلى تقويض العوائد المالية التي تعتمد عليها روسيا في تمويل عملياتها العسكرية في أوكرانيا، ووفقًا لتقديرات الاتحاد الأوروبي فإن فرض سقف 60 دولارًا أدى بالفعل إلى تراجع إيرادات موسكو من صادرات النفط بنسبة وصلت إلى 30%، وهو ما شجّع بروكسل على الدفع باتجاه خفض إضافي لتعزيز الأثر الاقتصادي للعقوبات.

    اقرأ أيضًا: ترامب يهدد روسيا بفرض عقوبات.. من سيدفع الثمن؟

    تصعيد في ظل جمود ميداني

    تأتي هذه العقوبات في سياق تصعيد اقتصادي جديد من قبل الاتحاد الأوروبي، وسط استمرار الحرب الروسية في أوكرانيا التي اندلعت في فبراير 2022، والتي لم تنتهى حتى الآن إلى أي تقدم ملموس نحو تسوية سياسية، ومع غياب أفق للحل تبدو العقوبات وسيلة الغرب الأبرز لمحاولة إنهاك الاقتصاد الروسي وزيادة تكلفة الاستمرار في العمليات العسكرية.

    وأكدت كالاس مجددًا أن الاتحاد الأوروبي لن يتراجع عن مسار العقوبات، مشيرة إلى أن “المعركة ليست فقط على الأرض، بل أيضًا في المجال الاقتصادي”، وموضحة أن الحزم المستمرة تأتي في إطار استراتيجية الضغط الطويل الأمد.

    تداعيات محتملة وخيارات روسية محدودة

    لم يصدر رد رسمي فوري من موسكو على الحزمة الجديدة، إلا أن الكرملين سبق وأن وصف العقوبات الغربية بأنها “عدائية وغير شرعية”، متوعدًا باتخاذ إجراءات مضادة لحماية مصالحه الاقتصادية، كما أعربت وزارة الخارجية الروسية عن استعداد موسكو لـ”الأسوأ”، مؤكدة أنها ستواصل تعزيز قدراتها الدفاعية لمواجهة الضغوط الغربية.

    وفي ظل هذه التطورات، يبقى التساؤل مفتوحًا حول مدى قدرة الاقتصاد الروسي على تحمل المزيد من القيود المالية والتجارية، خاصة مع استمرار انكماش عائدات الطاقة التي تمثل شريانًا رئيسيًا لميزانية الدولة.

    وعلق الدكتور عمرو سلامة، الخبير الاقتصادي، على هذا التطور، مشيرًا إلى أن الحزمة الجديدة تؤسس لمرحلة أكثر تشددًا في الحرب الاقتصادية بين الغرب وروسيا، ويرى أن خفض سقف السعر بهذه النسبة الكبيرة يحمل تأثيرًا مباشرًا على الميزانية الروسية التي تعتمد بشكل أساسي على صادرات النفط والغاز، ما سيؤدي إلى تقليص عائدات الدولة من النقد الأجنبي، ويزيد من الضغوط على الروبل وعلى معدلات الإنفاق العسكري.

    الضغط على موسكو للجلوس إلى طاولة المفاوضات

    أوضح سلامة أن الآلية الجديدة التي اعتمدها الاتحاد الأوروبي تعتبر أكثر مرونة من سابقتها، إذ ترتبط بشكل تلقائي بمستوى الأسعار في السوق العالمي، وتسمح بتعديل سقف السعر تلقائيًا للحفاظ على فارق الـ15%، مما يجعلها أداة اقتصادية حيوية تتكيف مع تغيرات السوق وتمنع روسيا من الاستفادة من ارتفاعات طارئة في الأسعار.

    ورغم وصف الحزمة بأنها “الأقسى حتى الآن”، إلا أن سلامة أشار إلى أن نجاحها يعتمد على مدى قدرة الاتحاد الأوروبي على تنفيذها بصرامة، وعلى تعاون الحلفاء الآخرين، وعلى رأسهم الولايات المتحدة التي لا تزال مترددة في تبنّي سقف سعري جديد بعد أن وافقت سابقًا على الحد الموحّد عند 60 دولارًا، واعتبر أن أي فعالية طويلة المدى لهذه الإجراءات ستظل مشروطة بانخراط واشنطن بشكل متكامل، نظرًا لدورها المحوري في شبكات المدفوعات والنقل البحري والتأمين.

    وأضاف الخبير الاقتصادي أن روسيا ستلجأ على الأرجح إلى مواصلة بيع النفط بخصومات كبيرة إلى دول آسيوية مثل الصين والهند، ما يعني أن العقوبات لن تمنع التصدير تمامًا، لكنها ستكبّد موسكو خسائر واضحة في هامش الربح، كما حذر من أن الأسواق العالمية قد تشهد بعض التذبذب نتيجة هذه الإجراءات، لكن الاتحاد الأوروبي يبدو مستعدًا لتحمل هذه الكلفة قصيرة المدى في سبيل كبح قدرة الكرملين على تمويل الحرب.

    وفي سياق متصل، يرى سلامة أن خطوة فرض سقف السعر لا يمكن فصلها عن الهدف السياسي الأكبر، وهو الضغط على موسكو للجلوس إلى طاولة المفاوضات، لكنه يؤكد أن الأمر يحتاج إلى استمرار التنسيق الغربي على المستوى المالي، ورفع كفاءة تتبّع سفن “الأسطول الظلي” التي تستخدمها روسيا للالتفاف على العقوبات، وهو ما بدأت أوروبا بتطبيقه من خلال توسيع قائمة السفن المحظورة من دخول الموانئ الأوروبية.

    واختتم سلامة تحليله بالقول إن الحزمة الجديدة بمثابة رسالة واضحة من الاتحاد الأوروبي بأن الحرب الاقتصادية لن تهدأ طالما استمرت الحرب العسكرية، وإن أدوات الضغط المالي يجري الآن تطويرها لتكون أكثر دقة وأسرع استجابة، معتبرًا أن المعركة لم تعد تدور فقط في الميدان، بل انتقلت إلى أسواق الطاقة والعملات والتمويل، حيث تهدف أوروبا لتجفيف منابع التمويل الروسية عبر كل الوسائل المتاحة.

    اقرأ أيضًا: روسيا أمام اختبار علاقة بوتين مع ترامب