تقارير الطاقة

    لماذا تتجاهل أسعار النفط قرارات أوبك بلس؟ تحليل السوق

    •آخر تحديث •4 دقائق
    لماذا تتجاهل أسعار النفط قرارات أوبك بلس؟ تحليل السوق

    تعرضت أسعار النفط خلال الفترة الماضية لضغوط ملحوظة، في مسار لا يتسق مع قرار تحالف أوبك بلس بخفض إضافي للإمدادات في 2024، وذلك في ظل تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي وطفرة غير مسبوقة في إنتاج الخام من دول خارج التحالف.

    هذا الواقع يضع جهود تحالف أوبك بلس للحفاظ على توازنه في السوق أمام اختبار حقيقي، خصوصاً مع تصاعد نفوذ المتداولين المعتمدين على الخوارزميات في أسواق العقود الآجلة، وهي عوامل يُتوقع أن تمتد آثارها إلى المستهلكين، لا سيما عبر أسعار الوقود.

    خفض إنتاج النفط

    في 30 نوفمبر 2023، اتفق التحالف الذي تقوده السعودية على خفض إضافي للإنتاج بنحو 900 ألف برميل يومياً خلال الربع الأول من 2024، إلى جانب استمرار الخفض الطوعي الذي تطبقه المملكة بمقدار مليون برميل يومياً، وجاءت الخطوة بهدف الحد من فائض الإمدادات المتوقع في العام المقبل.

    غير أن الطابع الطوعي للخفض الجديد أثار شكوك المتعاملين حيال مدى التزام جميع الأعضاء، ما انعكس سلباً على الأسعار التي تراجعت عقب الإعلان مباشرة. وفي تطور لافت، أعلنت أنغولا انسحابها من التحالف اعتراضاً على حصص الإنتاج المحددة لها.

    لماذا لم ترتفع أسعار النفط؟

    تعود الضغوط على أسعار النفط إلى عاملين رئيسيين يرتبطان بتحولات هيكلية في الإمدادات العالمية، وبالتغير في طبيعة التداول بأسواق الطاقة.

    أولاً، تسارع نمو إنتاج الدول غير الأعضاء في التحالف

    الدول المنتجة في النصف الغربي من الكرة الأرضية يُتوقع أن تضيف أكثر من 1.6 مليون برميل يومياً هذا العام، ما نقل مركز ثقل التوازن في السوق بعيداً عن تحالف أوبك بلس، الذي كان يقود زيادات الإنتاج عالمياً حتى وقت قريب.

    وسجلت الولايات المتحدة مستويات قياسية في الإنتاج والصادرات، فيما تستعد كندا لزيادة ملحوظة في الإمدادات بعد توسعة خط أنابيب رئيسي، وبالتالي فإن تفادي فائض المعروض سيتطلب تخفيضات أعمق مما تم الاتفاق عليه، أو مما يمكن تنفيذه عملياً.

    ثانياً، تنامي هيمنة المضاربين ومديري الأصول.

    إلى جانب التحولات في جانب الإمدادات، برز عامل مؤثر يتمثل في اتساع دور المضاربين ومديري الأصول المعتمدين على التداول الخوارزمي، الذين باتوا يسيطرون على نحو 60% من حجم التداول في الولايات المتحدة. هذا التحول غيّر ديناميكيات تسعير النفط، وأدى إلى تقلبات أكثر حدة، مع اتساع الفجوة بين السوق المادية وأسواق العقود الآجلة.

    تعتمد هذه الصناديق على مؤشرات فنية ونماذج كمية لرصد الاتجاهات السعرية، ثم تعزز الحركة القائمة عبر مراكزها الاستثمارية، ما يضخم الصعود في فترات التفاؤل، ويعمّق الهبوط عند انعكاس المعنويات، بصرف النظر عن التغيرات الفعلية في أساسيات العرض والطلب.

    إلى أين تتجه أسعار البنزين؟

    ضعف استجابة أسعار النفط لقرارات الخفض يعني أن تكاليف البنزين مرشحة فقد تراجع سعر البنزين في محطات الوقود الأمريكية لشهرين متتاليين قبل أن يستقر في أواخر نوفمبر، وفق بيانات جمعية السيارات الأمريكية. وبلغ متوسط السعر نحو 86 سنتاً للتر في 29 نوفمبر، بانخفاض يتجاوز 7% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.

    ومن المرجح أن تسهم وفورات الوقود في دعم إنفاق المستهلكين خلال موسم العطلات، علماً بأن الاستهلاك يمثل نحو ثلثي الاقتصاد الأمريكي، وقد أنفق الأمريكيون مبلغاً قياسياً بلغ 9.8 مليار دولار عبر الإنترنت خلال “الجمعة السوداء”.

    كيف تؤثر أسعار النفط على أسعار البنزين؟

    يُعد النفط المادة الخام الأساسية لإنتاج البنزين، وهو العامل الأهم في تحديد الأسعار بمحطات الوقود؛ ففي عام 2022 شكلت تكلفة الخام نحو 57% من سعر البنزين، بحسب بيانات إدارة معلومات الطاقة، فيما استحوذ التكرير على 18% إضافية، وتوزعت النسبة المتبقية بين الضرائب والتوزيع والتسويق.

    وعادةً ما تتحرك عقود البنزين الآجلة بالتوازي مع أسعار النفط، ثم تنتقل الزيادة إلى أسعار الجملة، غير أن محطات الوقود تميل إلى تأخير رفع أسعار التجزئة للحفاظ على تنافسيتها، وأحياناً تتحمل خسائر مؤقتة. وفي المقابل، عندما تنخفض أسعار الجملة، قد يتأخر خفض الأسعار للمستهلكين بهدف تعويض هوامش الربح السابقة، ما يخلق فجوة زمنية بين تحركات النفط وأسعار الوقود في المحطات.

    عوامل إضافية مؤثرة مستقبلاً

    تزيد شركات التكرير الأمريكية إنتاجها بعد انتهاء موسم الصيانة الدورية، في وقت يتراجع فيه الطلب خلال أشهر الشتاء، كما جرت العادة، وذلك يعني ارتفاع المخزونات حتى الربيع، حين يعزز الطقس الدافئ حركة السفر والترفيه بالسيارات.

    هذا المزيج من زيادة العرض وتراجع الطلب قد يحد من فرص ارتفاع الأسعار في المدى القريب، لكن تبقى بعض المناطق أكثر عرضة لاضطرابات الإمدادات، فعلى سبيل المثال، تعتمد نيويورك على واردات البنزين من أوروبا بسبب محدودية طاقة التكرير الإقليمية وسعة خطوط الأنابيب غير الكافية لنقل الوقود من مركز خليج المكسيك.

    وقد تراجعت هذه الواردات في نوفمبر إلى 62 ألف برميل يومياً، أي أقل من نصف مستواها في أكتوبر، مع توجه المنتجين إلى أسواق أكثر ربحية في أفريقيا وآسيان، وإذا استمر هذا الاتجاه فقد تواجه أسواق الساحل الشرقي الأمريكي نقصاً مؤقتاً في الإمدادات، ما قد يدفع الأسعار إلى الارتفاع.

    أسواق النفط على خط النار