أصبح قرار خفض أسعار الفائدة الأمريكية الصادر في الشهر الجاري، سبتمبر 2024، بمقدار 50 نقطة خبرًا محوريًا، لأنّه قد يُعيد تشكيل المشهد المالي بعد أربعة أعوام من التحديات المرتبطة بجائحة كورونا والتحولات الاقتصادية العالمية، ويحمل هذا التعديل في السياسة النقدية آمالاً جديدة للعديد من الاقتصادات الناشئة، بما في ذلك مصر ودول الخليج، حيث تشير التوقعات إلى أن هذا الخفض سيسهم في تعزيز الإقراض وزيادة نشاط الاستثمار، وسط مشروعات ضخمة طموحة تستهدف تحقيق التنوع الاقتصادي.
عقب قرار الفيدرالي الأمريكي بخفض أسعار الفائدة سارعت البنوك المركزية في دول الخليج باتخاذ إجراءات مماثلة، وأعلن البنك المركزي السعودي عن خفض معدل اتفاقية إعادة الشراء (الريبو) 50 نقطة أساس إلى 5.50 %، وكذلك خفض معدل اتفاقية إعادة الشراء المعاكس (الريبو العكسي) 50 نقطة أساس إلى 5%. كما قررت المصارف المركزية في قطر والإمارات والبحرين، خفض أسعار الفائدة بنحو 50 نقطة أساس، فيما أعلن المركزي الكويتي خفض الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس.
الأثر المتوقع على مصر وأسواق الأسهم الناشئة
يقول الدكتور ريمون نبيل، خبير أسواق المال وعضو الاتحاد الدولي للمحللين الفنيين، إن خفض الفيدرالي الأمريكي أسعار الفائدة بمقدار 50 نقطة في أول تعديل في السياسات النقدية منذ عام 2020، الذي شهد بداية أزمة كورونا، خطوة إيجابية، ومن المتوقع أن يكون له تأثير مفيد على المستوى المتوسط، مضيفاً: “من المتوقع أن يتجه الفيدرالي الأمريكي في عام 2025 لاستكمال خفض الفائدة بمقدار 100 إلى 125 نقطة على مدار العام، وهذا يُعد أمرًا هامًا للأسواق الناشئة، بما في ذلك مصر.
وأضاف نبيل، في تصريحات خاصة لموقع إيكونبيديا، أنّ هذا الخفض سيساهم في تقليل تكلفة سندات الخزانة والسندات بشكل عام، مما سينعكس إيجابًا على شهية المستثمرين لشراء السندات عالميًا، فإذا استمر هذا الاتجاه في خفض الفائدة، سيتوجه المستثمرون بشكل أكبر نحو سوق الأسهم، وهذا التطور سيُساعد في تخفيف الضغوط على مصر.
وهُنا يجب الإشارة إلى أن الوضع في مصر يختلف عن الولايات المتحدة، نظرًا لوجود أزمات تتعلق بأسعار الطاقة وارتفاع الأسعار المستمر، وهذه العوامل تزيد من الضغوط على أسعار السلع، وتؤدي إلى تفاقم التضخم وتكاليف السلع، سواء كانت زراعية أو صناعية، بالإضافة إلى تأثيرها على حركة النقل، لذلك فإنّ من المستبعد أن تتخذ مصر خطوة لتخفيض الفائدة، على الرغم من إمكانية حدوث ذلك في بداية عام 2025.
ومع ذلك، فإن مصر يمكن أن تستفيد من هذا التطور في عدم الدخول في زيادة أسعار السندات، كما حدث قبل عدة أسابيع عندما اتخذت قرارًا برفع أسعار السندات حتى أصبحت عند أعلى مستوياتها منذ عام 2024 بعد تحريك سعر الصرف.
اقرأ أيضًا: لجنة تصفية الأصول في مصر تثير مخاوف الخبراء
تأثير خفض الفائدة على الذهب وأسواق السلع
تابع محلل أسواق المال موضحًا أنّ البورصة المصرية يُمكنها أن تستفيد من هذا القرار، وذلك باعتبارها إحدى البورصات الناشئة، مما يوفر فرصة لبعض المستثمرين وصناديق الاستثمار عالميًا، فإذا استمرت سياسة التخفيض قد ينتج عن ذلك إعادة تقييم الشركات، وزيادة الاستثمار والمخاطرة بعد تخفيض سندات الخزانة الأمريكية بشكل متكرر.
وتوقع الخبير أيضًا حدوث حركة تصحيح في أسعار الذهب بعد الارتفاع الذي شهدته سابقًا بقيمة 160 دولارًا للأوقية. أما فيما يتعلق بالبورصة الأمريكية، فقد توقع أن تستفيد الأسهم بشكل عام، خاصة الشركات التي تعتمد على التمويل وشركات الرهن العقاري بعد التباطؤ الذي شهدته في عام 2022.
كما أوضح أن من المنتظر أن نلاحظ حركة ملحوظة في القطاع، بالإضافة إلى نشاط البنوك التي تجمدت نشاطاتها في نهاية عام 2023 نتيجة لارتفاع معدلات الفائدة، وأنّه يُتوقع أن تعود بطاقات الائتمان والدفع المسبق للنشاط مرة أخرى، في حين يعتبر قطاع التكنولوجيا من القطاعات الأقل تأثرًا بهذا القرار.
الهدف من خفض الفائدة الأمريكية
ومن جانبه، يقول الدكتور رمزي الجرم الخبير المصرفي: “انطلاقًا من فرضية أن أسعار الفائدة المرتفعة تخلق مزيدًا من الضغوط على كافة الاقتصادات العالمية، على اختلاف أيديولوجياتها الاقتصادية والسياسية، وذلك على خلفية تباطؤ معدلات النمو وزيادة معدلات البطالة نتيجة عدم قدرة الشركات والكيانات الاقتصادية على الاحتفاظ بمعدلات مقبولة من الإنتاج وعدم طلب عمالة جديدة، بل قد يصل الأمر إلى تسريح المزيد من العمالة القائمة، فالعودة التدريجية إلى سياسة التيسير الكمي سوف تكون بمثابة قبلة الحياة، سواء داخل الاقتصاد الأمريكي أو في كافة الاقتصادات العالمية، وبشكل خاص في الاقتصادات الناشئة التي من بينها الاقتصاد المصري.
وأضاف الجرم أنّ البنوك المركزية في دول الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة وكندا والمكسيك وسويسرا والسويد والعديد من الاقتصادات الخليجية قامت بتخفيض أسعار الفائدة استجابة لمواجهة حالات تباطؤ النمو الاقتصادي وتخفيف الضغوط التضخمية.
أما فيما يتعلق بتحركات الفيدرالي الأمريكي بشأن أسعار الفائدة نحو التخفيض بواقع 4.75٪ و5٪ للإيداع والإقراض على الترتيب في الاجتماع الذي تم يومي 17 و18 من الشهر الجاري؛ فسيكون ذلك محركًا للنمو العالمي، وسيكون له تأثير مباشر على أسعار الأصول في كافة أنحاء العالم، وذلك يشمل الذهب الذي وصل إلى أعلى مستوى له خلال الفترة الأخيرة.
يُمثل ارتفاع أسعار الفائدة عبئًا على المعدن النفيس، إذ إنّه يجعل استثمارات الدخل الثابت مثل السندات وأذون الخزانة أكثر جاذبية، في ظل استخدام الذهب كأحد أهم الوسائل التحوطية ضد التضخم، وهو ما قد يدفعه للارتفاع مع انخفاض الأسعار.
انعكاسات على السلع وأسواق المال
في سياق الحديث عن انخفاض أسعار الفائدة، قال الجرم إنّه “وبشكل عام، فإن انخفاض أسعار الفائدة الأمريكية سيخلق دفعة قوية لأسعار النفط والسلع الأخرى التي يتم تسعيرها بالدولار، نتيجة انخفاض تكلفة الاقتراض بشكل ملحوظ، ما سيدعم المزيد من تحفيز الاقتصاد العالمي وزيادة الطلب، وبالتالي زيادة معدلات النمو الاقتصادي نتيجة زيادة الطاقة الإنتاجية”.
أما بالنسبة لأسواق الأسهم، فلا شك أنها ستتأثر بشكل مباشر أيضًا مع تبني الفيدرالي الأمريكي لسياسة التيسير الكمي في الاقتصاد الأمريكي وكافة الاقتصادات الأخرى، وبشكل خاص الاقتصادات الأكثر ارتباطًا بالاقتصاد الأمريكي؛ فتخفيض سعر الفائدة سيؤدي إلى تقليل تكلفة الاقتراض بالدولار الأمريكي، وبالتالي إلى إتاحة المزيد من السيولة بشكل ميسر ورخيص إلى حدٍ ما في كافة أنحاء العالم، وفقًا للجرم.
فضلًا عن ذلك، قال الجرم إنّ تخفيض أسعار الفائدة الأمريكية بواقع 50 نقطة أساس سيؤدي إلى خفض العائد على الأصول الأمريكية مثل سندات الخزانة، وبالتالي سيجعل الأسواق الأخرى، وبشكل خاص أسواق الاقتصادات الناشئة، مثل الاقتصاد المصري، أكثر جاذبية لاستقطاب المزيد من الاستثمارات الأجنبية غير المباشرة في أدوات الدين الحكومية، وسيؤدي هذا التطور بدوره إلى انخفاض تكلفة الدين العام الخارجي لمصر وتحسين سعر صرف العملة المحلية أمام الدولار بشكل نسبي، وذلك نتيجة لتقليل الضغط على الجنيه المصري إلى حدٍ ما.
اقرأ أيضًا: كيف تؤثر أسعار الفائدة على التضخم والاقتصاد العالمي
المكاسب المحتملة لدول الخليج
من جانبها، سلطت الدكتورة مروى خضر، الخبيرة المصرفية، الضوء على مدى تأثر منطقة دول الخليج بقرار الفيدرالي الأمريكي، مشيرة إلى أن انخفاض أسعار الفائدة يعتبر أمرًا مهمًا لدعم الإقراض في الاقتصاد وتعزيز أهداف الحكومة المتعلقة بالتنوع الاقتصادي، في ظل خطط المملكة لمشاريع طموحة تصل إلى 640 مليار دولار على مدى السنوات الخمس المقبلة، والتي سيتم تمويلها جزئيًا من خلال إصدار الديون.
وأشارت الخبيرة، في تصريحات خاصة لموقع إيكونبيديا، إلى أن أحد العوامل التي تساعد السعودية ودول الخليج بشكل عام للاستفادة من تأثير خفض الفائدة هو ارتباط عملاتها بالدولار الأمريكي، وإنّ من المتوقع أن ينخفض التضخم العالمي بشكل كبير نتيجة للسياسات النقدية الصارمة التي اتبعتها معظم البلدان، وبالتالي يتراجع التضخم في دول الخليج إلى مستويات ما قبل الوباء، حيث يُتوقع أن يصل إلى 2.3% في عام 2024، متراجعًا من 2.6% في العام الماضي.
وأضافت الخبيرة أنّ من المرجح أن تشهد منطقة الخليج نموًا إيجابيًا، وأن تؤدي تخفيضات أسعار الفائدة إلى زيادة نشاط الاقتراض، وهو أمر حيوي لتحقيق أهداف التنوع الاقتصادي في المنطقة، كما سيكون القطاع غير النفطي محركًا رئيسيًا للنمو، إذ يُتوقع أن يسجل نموًا بنسبة 4% في عام 2024، مدعومًا بالأداء القوي في قطاعي التجزئة والخدمات.
ووفقًا للخبيرة فإن خفض الفيدرالي الأمريكي لأسعار الفائدة له تأثيرات متعددة على منطقة الخليج، حيث تعتبر اقتصادات هذه الدول مرتبطة بشكل وثيق بالدولار الأمريكي، وبالتالي فإنّها قد تحقق المكاسب الآتية:
- زيادة السيولة: خفض الفائدة يؤدي إلى زيادة السيولة في الأسواق المالية، مما قد يحفز الاستثمارات في المشاريع المحلية في دول الخليج.
- تراجع تكاليف الاقتراض: انخفاض أسعار الفائدة يعني أن تكلفة الاقتراض ستنخفض، مما يمكن الشركات والأفراد من الحصول على قروض بأسعار أقل، وبالتالي تعزيز الاستهلاك والاستثمار.
- تقلبات أسعار النفط: نظرًا لأن اقتصادات الخليج تعتمد بشكل كبير على النفط، فإن خفض الفائدة في الولايات المتحدة يمكن أن يؤثر على أسعار النفط، الأمر الذي قد يؤدي إلى زيادة الطلب على النفط إذا تحسن النمو الاقتصادي في أمريكا.
- تأثير على العملات: إذا خفض الفيدرالي الفائدة، قد يؤدي ذلك إلى ضعف الدولار الأمريكي، لكن بما أن معظم دول الخليج تربط عملاتها بالدولار، فإن ذلك قد يؤثر على قدرتها التنافسية في الأسواق العالمية.
- التضخم: قد يؤدي خفض أسعار الفائدة الأمريكية إلى زيادة التضخم إذا كان هناك طلب زائد على السلع والخدمات، وهذا قد يكون تحديًا للحكومات التي تستهدف الحفاظ على استقرار الأسعار.
- استقطاب الاستثمارات الأجنبية: خفض الفائدة في أمريكا من شأنه أن يجعل منطقة الخليج أكثر جاذبية للاستثمارات الأجنبية، خاصة في القطاعات غير النفطية.
خفض أسعار الفائدة الأمريكية خطوة محورية لإعادة تحريك الاقتصاد العالمي بعد تباطؤ مستمر، كما أنّه يتيح فرصًا واعدة للأسواق الناشئة، مع تعزيز دور الخليج في جذب الاستثمارات وتخفيف الضغوط المالية، لكن تبقى مراقبة تطورات الفيدرالي والسياسات المحلية في مصر والخليج مفتاحًا لفهم التأثيرات المستقبلية على النمو والاستثمار.
اقرأ أيضًا: كيف يؤثر خفض أسعار الفائدة على القطاعات الاقتصادية المختلفة؟
