تواجه منطقة الخليج العربي تحديات مالية واقتصادية كبرى تتمثل في خطر هروب الأموال والاستثمارات من البنوك، خاصة في ظل التوترات الجيوسياسية والصراعات الإقليمية التي تؤثر على استقرار المنطقة، فقد أشار تقرير صادر عن وكالة التصنيف الائتماني “إس آند بي غلوبال ريتينغز” إلى أن البنوك الكبرى في الخليجية مهددة بخروج أموال غير المقيمين التي قد تصل إلى مئات المليارات من الدولارات.
هل تتحمل بنوك الخليج هذه الضغوط؟
السيناريو السابق يعكس مدى حساسية الأسواق المالية الخليجية تجاه الأحداث الإقليمية والدولية، ويدفع للتساؤل عن قدرة هذه البنوك والدول على التكيف مع تلك الضغوط الاقتصادية والسياسية المتزايدة.
ووفقًا للتقرير، فإنّه يُتوقع خروج أموال قد تصل إلى 221 مليار دولار من قبل غير المقيمين، وقد وضعت الوكالة أربعة سيناريوهات للتحديات المحتملة التي قد تواجه البنوك في حال اتساع رقعة الصراع الإقليمي، تتراوح بين الضعيفة والمعتدلة والكبيرة والشديدة، بناءً على تطورات الصراع.
أشارت “إس آند بي” إلى أن البنوك الخليجية قد تجد نفسها في مواجهة تخارجات كبيرة للأموال في حال تصاعدت الضغوط إلى مستوى كبير أو شديد، ورغم ذلك تظل قادرة على التكيف مع هذه التخارجات بفضل امتلاكها لأصول سائلة، لكنّها قد تحتاج إلى تدخل حكومي إذا ما تراجعت سيولة الأصول عن المستوى المتوقع.
سيناريو الضغوط الكبيرة
في حالة سيناريو الضغوط الكبيرة، قد يتطور الصراع ليشمل سلسلة من الهجمات المكثفة بين إسرائيل وإيران، ما سيؤثر بشكل كبير على الاستقرار الاقتصادي الإقليمي. وإذا تصاعدت الضغوط لتصل إلى مستوى شديد، كما حدث خلال حرب الخليج بين عامي 1990 و1991، تفترض الوكالة أن ودائع القطاع الخاص قد تنسحب بما يصل إلى 275 مليار دولار، علمًا أن السيولة المتاحة لدى البنوك الخليجية تُقدر بحوالي 284 مليار دولار، وهو ما يساعدها في مواجهة هذه التخارجات.
إلى جانب تخارج الودائع، أشارت “إس آند بي” إلى أن هناك مخاطر إضافية تتمثل في زيادة معدلات التخلف عن سداد الديون من قِبل الشركات والأفراد، نتيجة لتأثير عدم الاستقرار الجيوسياسي على اقتصادات المنطقة. وفيما يخص جودة الأصول، توقعت الوكالة أن 13 من أكبر 45 بنكًا في الخليج قد يسجلون خسائر تراكمية تصل إلى 3.3 مليار دولار، وذلك استنادًا إلى الإيرادات الصافية المعلنة في النصف الأول من العام، وإذا تصاعدت الضغوط إلى المستوى الشديد، قد يرتفع عدد البنوك المتأثرة إلى 25 بنكًا، مع خسائر تصل إلى 24.6 مليار دولار.
اقرأ أيضًا: كيف تفاعلت الأسواق المالية العالمية مع التوترات الجيوسياسية الراهنة؟
الصراع بين إسرائيل وإيران
استبعدت الوكالة نشوب حرب مباشرة وطويلة الأمد بين إسرائيل وإيران، بما في ذلك الولايات المتحدة، لكنها توقعت استمرار الصراع حتى عام 2025، وذلك في ضوء التصعيد الحالي، مع احتمالية أن تتسبب التطورات في تغييرات تؤثر على التصنيفات الائتمانية السيادية وتصنيفات البنوك في المنطقة.
في هذا السياق، تستمر الاشتباكات في غزة بين القوات الإسرائيلية وحركة حماس الفلسطينية، حيث فقدت حماس زعيمها يحيى السنوار بعد مواجهات مع جنود إسرائيليين. كما دخلت قوى أخرى، مثل حزب الله في لبنان، في النزاع المستمر منذ أكثر من عام، إضافة إلى ذلك، قامت إيران بشن هجمات صاروخية ضد إسرائيل، مما يزيد من تعقيد الوضع الإقليمي.
ومن جانبه يقول محمد عبد الرحيم الباحث الاقتصادي، إن الأسباب التي تدفع إلى هروب الأموال من منطقة الخليج تتراوح بين التحديات الجيوسياسية والاقتصادية، بما في ذلك التوترات الإقليمية، وتقلبات أسعار النفط، والتغيرات في السياسات الاقتصادية العالمية
وأوضح عبدالرحيم في تصريحات خاصة لموقع “Econ-Pedia” أنّ التوترات المستمرة في منطقة الخليج، مثل الصراعات الإقليمية بين الدول المجاورة والتصعيد العسكري بين القوى الإقليمية، من العوامل التي تدفع المستثمرين الأجانب والمحليين إلى نقل أموالهم إلى أماكن أكثر استقرارًا.
اقرأ أيضًا: هل الحرب العالمية الثالثة بدأت بالفعل؟
تغير أسعار الفائدة
عندما ترفع البنوك المركزية في الدول الكبرى مثل الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي معدلات الفائدة، فإن ذلك قد يدفع المستثمرين إلى تحويل أموالهم إلى تلك الأسواق للاستفادة من العوائد الأعلى، الأمر الذي يؤثر سلبًا على تدفق الاستثمارات إلى الخليج، خاصة إذا كانت معدلات الفائدة المحلية غير منافسة.
مخاطر الدين العام
أشار الخبير إلى المخاطر المتعلقة بالدين العام، ففي بعض دول الخليج ازداد مستوى الدين العام في السنوات الأخيرة بسبب العجز في الميزانية الناتج عن انخفاض أسعار النفط وارتفاع الدين العام، الأمر الذي قد يزيد قلق المستثمرين حيال قدرة هذه الدول على الوفاء بالتزاماتها المالية، ومن المحتمل أن يؤدي إلى سحب الأموال أو تقليل حجم الاستثمارات.
اقرأ أيضًا: أبرز توقعات صندوق النقد الدولي للاقتصاد العالمي 2024-2025
أسعار النفط
يعتمد اقتصاد العديد من دول الخليج بشكل رئيس على عائدات النفط، وبالتالي فإنّ أيّ تقلبات في أسعار النفط في الأسواق العالمية تؤثر بشكل كبير على الميزانيات العامة للدول الخليجية ،وعلى استقرار القطاعات الاقتصادية الأخرى، فعندما تنخفض أسعار النفط بشكل حاد، يقل تدفق العائدات المالية ويزيد القلق حول استدامة النمو الاقتصادي، مما يدفع البعض إلى سحب استثماراتهم.
ويرى الخبير أنه برغم الجهود المبذولة لتنويع مصادر الاقتصاد في دول الخليج، إلا أن الاعتماد الكبير على قطاع النفط والغاز ما زال سائداً، الأمر الذي ينتج عنه قلة في التنوع الاقتصادي، قد تجعل المستثمرين يترددون في الاحتفاظ برؤوس أموالهم في المنطقة، خاصةً إذا شهدت القطاعات غير النفطية تباطؤاً أو نقصاً في الابتكار والنمو.
كما أكد عبدالرحيم أن التأثيرات الاقتصادية العالمية تلعب دوراً في هروب الأموال من الخليج، كما أنّ تباطؤ النمو في الأسواق العالمية أو الأزمات المالية الدولية قد تُؤدي إلى انخفاض الاستثمارات في المنطقة، إذ إنّ المستثمرين يسعون لنقل أموالهم إلى دول أخرى توفر فرصًا أفضل في مثل هذه الظروف.
ً
