تقارير اقتصادية

    كابوس الثمانينات يرعب الولايات المتحدة من جديد

    •آخر تحديث •4 دقائق
    كابوس الثمانينات يرعب الولايات المتحدة من جديد

    شهدت الولايات المتحدة حالة مُقلقة بسبب ارتفاع مستويات التضخم وتسجيل أرقام قياسية جديدة غير مسبوقة منذ 40 عامًا، بوصوله إلى مستوى 8.6% على أساس سنوي في شهر مايو 2022، بعد تراجع نسبي إلى 8.3% في أبريل الماضي، مما أثار المخاوف حول احتمال زيادة تشديد بنك الاحتياطي الفيدرالي لسياساته النقدية.

    ازدادت الدعوات إلى رفع الفائدة الأمريكية بنسب أعلى في اجتماعات البنك الفيدرالي المقبلة، بعد رفعها بربع ونصف نقطة مئوية على التوالي، وسط تحذيرات من أنّ ذلك قد يتسبب في حدوث ركود في الولايات المتحدة، لكن يبدو أن ضغوط التضخم المستمرة قد تدفع الإدارة الأمريكية السياسة المالية مع البدء في استخدام أدوات أخرى.

    ارتفاع مستويات التضخم يتصدر أولويات بايدن

    دفعت التحذيرات المستمرة الرئيس الأمريكي الحالي “جو بايدن” إلى إعادة التأكيد على أن التعامل مع التضخم من أولويات إدارته، وهو أمر لا يحتاج لتأكيد في ظل ما تشير إليه استطلاعات الرأي من أن التضخم وارتفاع الأسعار يشكلان القضية الأولى لـ65% من الناخبين الأمريكيين، وهو أمر غاية في الأهمية، خاصةً مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر المقبل.

    وخلال الشهر الماضي، شهدت الأسعار ارتفاعًا شمل كل القطاعات بما فيها السكن والبنزين وتذاكر السفر والمواد الغذائية والسيارات الجديدة والمستعملة، وصولا إلى الخدمات الصحية والملابس، مما أثار القلق، لا سيّما أنّ هذا الارتفاع لم يقتصر على الغذاء والوقود كما كان في مارس الماضي، والذي شهد مستويات قياسية للتضخم أيضًا.

    ومن الجدير بالذكر أنّ غالون البنزين سجّل سعرًا قياسيا في أمريكا بلغ 5 دولارات، وسط توقعات باستمرار ارتفاع سعره مع إقبال الأمريكيين على الترحال لمسافات طويلة في هذا الوقت من العام بسيارات تستهلك الوقود بكميات كبيرة.

    الكونغرس الأمريكي يقر ميزانية بـ 1.6 تريليون دولار

    الركود التضخمي في السبعينات يعود إلى الذاكرة

    استذكر الأمريكيون ما عُرف بالركود التضخمي الذي حصل في سبعينات وثمانينات القرن الماضي، ففي ظل ارتفاع أسعار الوقود، وزيادة التضخم، وتفاقم المخاوف من الركود، بدا الوضع مشابها للأزمة التي شهدتها الولايات المتحدة في تلك الفترة.

    ومن ناحية أخرى، قد يكون معدل البطالة المتدني حاليًا هو ما يحول دون سقوط الولايات المتحدة في حالة من الركود التضخمي، ففي ظل معدل بطالة وصل إلى 3.6% في نهاية أبريل، مقابل معدل بطالة تخطى 8% عام 2020 يبدو أن سوق العمل المنتعش يمنع سقوط الاقتصاد في دوامة الركود.

    وعلى الرغم من ذلك، يرى 85% من الأمريكيين أن الاقتصاد “مقبل لا محالة” على الركود العام القادم، في ظل تراجع واضح في حجم إنتاج الكثير من السلع والخدمات وأزمة سلاسل التوريد؛ لا سيما في السلع الغذائية، التي ارتفعت بنسبة 10.1% في مايو في رقم قياسي منذ عقود، وفي أسواق الإلكترونيات.

    الركود قد لا يكون سيئًا

    غالبًا ما يتم النظر إلى الركود في الاقتصاد بوصفه “أمرًا سيئًا” إلا أن وزير الخزانة الأمريكي السابق “لاري سامرز” أوضح رؤيته في ورقة بحثية نشرها من خلال المكتب الوطني للأبحاث الاقتصادية (National Bureau of Economic Research)، قال فيها إن “الأمر قد لا يكون بهذا السوء، وإن الركود قد يكون منقذًا للاقتصاد من هذا التضخم المتنامي”.

    وفقًا لسامرز، على الرغم من أن البعض قد يقلل من خطورة الوضع الحالي، إلا أن هناك مخاطر حقيقية من وصول التضخم إلى مستويات مرتفعة، مثل تلك التي شهدتها الولايات المتحدة في الثمانينات، حين بلغت نسبة التضخم 13.6%. ومع ذلك، لا يرى سامرز أن البنك الفيدرالي سيضطر لرفع أسعار الفائدة إلى مستويات قياسية بلغت 20%، كما حدث بين عامي 1981 و1982، إذ إن الظروف الحالية تتطلب حلولًا متنوعة للسيطرة على التضخم.

    قد يهمك أيضًا: كيف يؤثر خفض أسعار الفائدة الأمريكية على دول الخليج ومصر؟

    سامرز يوصي بخطة اقتصادية قاسية لمواجهة التضخم

    يرى “سامرز” أنه تم ارتكاب العديد من الأخطاء، وأنّ على الإدارة الأمريكية أن تعرف أن عليها معالجتها بأدوات متنوعة، وليس برفع الفائدة فحسب؛ بما في ذلك تقليل النفقات الحكومية بمختلف أنواعها، وإنهاء مختلف برامج التحفيز والدعم الحكومي المباشر وغير المباشر للأعمال، فضلًا عن إلغاء القيود على الواردات.

    وعلى الرغم من أن هذا قد يتسبب في زيادة نسبة البطالة مجددًا، والتي وصلت في بداية الثمانينات إلى 10.8% إلا أن “سامرز” يرى في ذلك “الحل الوحيد” في تلك المرحلة، لأنّه يجنب واشنطن الوصول إلى مستويات تضخم قياسية يصعب السيطرة عليها في مرحلة لاحقة.

    تراجع مؤشر الدولار أمام سلة من العملات بعد بيانات البطالة الأميركية

    الرئيس يطلب الصبر ويتهم شركات النفط

    الشاهد أن الرئيس الأمريكي نفسه لم يستطع أن يعد مواطنيه بانخفاض التضخم بل قال: “سنعيش مع هذا التضخم لفترة لكنه سينخفض في نهاية الأمر”، بل وبدأ في لوم قطاع النفط الأمريكي بعدم “بذل الكفاية” بزيادة الإنتاج لتخفيف آثار ارتفاع أسعار الوقود، ولجأ لاتهامه بأنّه “جعل الأمور أصعب على الأسر الأمريكية”.

    لا شك في أن الأسواق الأمريكية أصبحت انعكاسًا واضحًا لحالة القلق في الاقتصاد، لا سيما مع تراجع مؤشر “ناسداك” بنسبة 28% منذ بداية العام وحتى نهاية مايو الماضي، والحديث المستمر عن سيطرة الدببة أو السوق الهابطة هناك.

    يبدو أن استمرار ارتفاع مستويات التضخم، سيدفع أمريكا إلى التعجيل برفع القيود والرسوم على الواردات الصينية، وهو ما ألمحت إليه وزارة التجارة بالفعل، وربما رفع نسب الفائدة لمستويات قياسية، فضلًا عن اتخاذ تدابير أخرى في ظل تعاظم الانتقادات لبطء الإدارة الأمريكية وعدم اتخاذها أيّ تدابير حاسمة في مواجهة التضخم.

    المصادر: سي.إن.بي.سي- سي.إن.إن- نيويورك تايمز- وكالة الأنباء الفرنسية