تقارير اقتصادية

    خسائر تاريخية للبنك المركزي الألماني.. هل ينجو أكبر اقتصاد أوروبي من الأزمة؟

    •آخر تحديث •4 دقائق
    خسائر تاريخية للبنك المركزي الألماني.. هل ينجو أكبر اقتصاد أوروبي من الأزمة؟

    يُواجه البنك المركزي الألماني (بوندسبانك) أزمة مالية غير مسبوقة، بعد أن سجَّل أكبر خسارة في تاريخه خلال عام 2024، حيث بلغت قيمة العجز 19.2 مليار يورو، وتُعد هذه الخسارة الأولى من نوعها منذ عام 1979، وهي تأتي في ظل تحديات اقتصادية معقدة تضرب أكبر اقتصاد في أوروبا، وسط ركود مستمر وارتفاع في معدلات التضخم.

    وفيما يحاول البنك المركزي احتواء التداعيات، تُشير التوقُّعات إلى استمرار تسجيل الخسائر خلال السنوات القادمة، فوفقًا لتقديرات البنك يُرجح أن تستمر الخسائر خلال الأعوام المقبلة، لكن من المتوقع أن تكون أقل حدة مقارنة بعام 2024.

    وخلال تقديم التقرير المالي السنوي، أوضح رئيس البنك، يواخيم ناجل، أنَّ الضغوط المالية الكبرى قد تم تجاوزها إلى حد كبير، مشيرًا إلى أنَّ البنك يواجه تحديات مالية صعبة لكنّه يتوقع تحسُّنًا تدريجيًا في المستقبل.

    تحذيرات مسبقة من الأزمة

    كان ناجل قد حذر منذ عام، خلال تقديم نموذج الميزانية العامة، من أنَّ البنك مقبل على سنوات صعبة ماليًا، موضحًا أنَّ المؤسسة لن تكون قادرة على توزيع الأرباح لفترة طويلة، وهو ما يعكس التداعيات الاقتصادية العميقة التي يواجهها أكبر اقتصاد في أوروبا.

    يأتي هذا العجز التاريخي في وقت يواجه فيه الاقتصاد الألماني موجة تضخمية متصاعدة، حيث توقَّع معهد “إيفو” أن يتجاوز مُعَدَّل التضخم في البلاد نسبة 2% خلال الفترة المقبلة، كما يعاني الاقتصاد الألماني من حالة ركود مستمرة للعام الثاني على التوالي، مما يزيد من تعقيد الأوضاع المالية للبنك المركزي.

    ومن جانبها، أكَّدت الدكتورة شيماء وجيه، أستاذ الاقتصاد بالأكاديمية العربية للنقل البحري، أنَّ هُناك عدة عوامل رئيسية ساهمت في هذا العجز غير المسبوق، أبرزها سياسات البنك المركزي الأوروبي النقدية.

    وأشارت في تصريحات خاصة لـ”إيكونبيديا” إلى أنَّ رفع أسعار الفائدة بشكل متكرر لكبح التضخم أدى إلى تراجع قيمة الأصول المالية والسندات التي يحتفظ بها البنك المركزي الألماني، مما تسبب في خسائر دفترية ضخمة.

    كما أوضحت وجيه أنَّ الاقتصاد الألماني يعاني ركودًا مستمرًا للعام الثاني على التوالي؛ حيث انخفض النمو الصناعي، وتراجعت الصادرات، مما أثر بشكل مباشر على الوضع المالي للبنك المركزي، ورغم السياسات النقدية المتشددة، لا يزال التضخم في ألمانيا عند مستويات مرتفعة، وقد توقَّعَت الدراسات أن يتجاوز 2% خلال الفترة المقبلة، مما يضع ضغوطًا إضافية على البنك المركزي الألماني.

    اطّلع أيضًا على: الاعتراف الصادم من وزير اقتصاد ألمانيا حول الأزمة الاقتصادية

    التداعيات الاقتصادية للخسائر

    حذَّرت وجيه من أنَّ هذه الخسائر قد يكون لها تأثيرات بعيدة المدى على الاقتصاد الألماني، مُشِيرةً إلى ثلاث نقاط رئيسية:

    • احتمال اضطرار البنك المركزي للاستمرار في تشديد السياسة النقدية رغم تأثيرها السلبي على النمو الاقتصادي.
    • تراجُع القدرة على توزيع الأرباح، مما قد يؤثر على الإيرادات الحكومية ويضع مزيدًا من الضغوط على المالية العامة.
    • استمرار الخسائر قد يؤثر على ثقة الأسواق والمستثمرين في استقرار الاقتصاد الأوروبي، وذلك باعتبار أنَّ ألمانيا هي العمود الفقري لمنطقة اليورو.

    وقد اختتمت الدكتورة شيماء وجيه تصريحاتها بالتأكيد على أنَّ التحديات لا تزال قائمة، ورغم أنَّ رئيس البنك المركزي الألماني صرَّح بأنَّ ذروة الأعباء قد تمَّ تجاوزها، فإنَّ استمرار الركود الاقتصادي وارتفاع أسعار الفائدة قد يُطيل أمد هذه الخسائر.

    وترى وجيه أنَّ الحل يكمن في تحقيق التوازن بين استقرار الأسعار وتحفيز النمو الاقتصادي؛ حيث يجب على الحكومة الألمانية والبنك المركزي الأوروبي العمل على سياسات تدعم الاستثمار والإنتاج دون التسبُّب في مزيد من الضغوط المالية على النظام المصرفي.

    مستقبل الاقتصاد الألماني

    في محادثة أجراها مع “إيكونبيديا“، أكَّد الدكتور أحمد عبد الفتاح، الخبير الاقتصادي، أنَّ الاقتصاد الألماني لا يزال يحتفظ بمكانته كأقوى اقتصاد في أوروبا ورابع أكبر اقتصاد في العالم، رغم التحديات التي واجهها في السنوات الأخيرة. وأوضح أنَّ ألمانيا لطالما كانت قاطرة الاقتصاد الأوروبي بفضل بنيتها الصناعية القوية، واعتمادها على التكنولوجيا والابتكار، إضافة إلى دورها المحوري في التجارة العالمية.

    وأشار الخبير إلى أنَّ الصناعة الألمانية تظل أحد الأعمدة الرئيسية لقوتها الاقتصادية، حيث تشتهر الدولة بقطاعات مثل صناعة السيارات، والهندسة الميكانيكية، والصناعات الدوائية والكيميائية، فضلًا عن استثماراتها المتزايدة في الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحديثة. وأضاف أنَّ ألمانيا تعتمد بشكل أساسي على التصدير، مما يجعلها أحد أبرز الفاعلين في الأسواق العالمية، خصوصًا في مجالات السيارات والآلات والمعدات الصناعية، مما يمنحها ميزة تنافسية قوية على المستوى الدولي.

    كما أوضح أنَّ الاقتصاد الألماني يتمتع ببنية تحتية متقدمة، وهو ما يعزز مناخ الأعمال ويدعم الاستثمارات المحلية والأجنبية، كما أنَّ نظامها التعليمي القائم على التدريب المهني والتعليم الجامعي يُوَفِّر كوادر بشرية مؤهلة تُسهم في الحفاظ على جودة الإنتاج وتعزيز الابتكار في مختلف القطاعات.

    ألمانيا تشهد معدلات إفلاس مرتفعة! اطّلع على التفاصيل

    هل تفقد ألمانيا مكانتها كقاطرة لأوروبا؟

    على الرغم من هذه المقوِّمات القوية، يُشير الخبير إلى أنّ ألمانيا تواجه تحديات كبيرة، أبرزها تأثير الأزمات العالمية، حيث أدى ارتفاع أسعار الطاقة والتضخم إلى ضغوط اقتصادية غير مسبوقة، كما أنَّ نقص العمالة الماهرة بات يشكل تحديًا متزايدًا، نتيجة شيخوخة السكان وانخفاض معدلات المواليد، مما دفع الحكومة إلى تبني سياسات تهدف إلى جذب الكفاءات من الخارج.

    وأضاف أنَّ التحول نحو الطاقة المتجددة من القضايا المحورية في ألمانيا؛ حيث تعمل الدولة على تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري وزيادة الاستثمار في مصادر الطاقة النظيفة، مثل الطاقة الشمسية والرياح، إلَّا أن هذا التحوّل يفرض تحدِّيات تتعلق بتكلفة التنفيذ والتكيُّف مع المتغيرات الاقتصادية.

    وفيما يتعلَّق بمستقبل الاقتصاد الألماني، أكَّد الدكتور أحمد عبد الفتاح أنَّ ألمانيا تمتلك الأسس الاقتصادية التي تُمكنها من تجاوز الأزمات، حيث تواصل الاستثمار في التكنولوجيا والابتكار، مع تعزيز سياسات اقتصادية متوازنة لضمان استدامة النمو.

    واختتم الخبير حديثه بالتأكيد على أنَّ الاقتصاد الألماني، سيظل نموذجًا عالميًا للاستقرار والقدرة على التكيف مع المتغيرات الاقتصادية رغم الصعوبات الحالية.

    قد يهمّك أيضًا: ألمانيا ترفض عودة اللاجئين السوريين