اقتصادات عالمية

    خسائر الحرب بين إيران وأمريكا وإسرائيل.. التأثيرات العسكرية والاقتصادية

    •آخر تحديث •7 دقائق
    خسائر الحرب بين إيران وأمريكا وإسرائيل.. التأثيرات العسكرية والاقتصادية

    لم تقتصر خسائر الحرب بين إيران وأمريكا وإسرائيل على طرف بعينه، إذ تكبدت جميع الأطراف خسائر فادحة على المستويين العسكري والاقتصادي، في صراع اتسم بتبادل الضربات الاستراتيجية دون حسم واضح، وقد عكس ذلك طبيعة المواجهة المعقدة التي تجاوزت فكرة الانتصار التقليدي، وخالفت التوقعات الأمريكية بإمكانية إنهاء الحرب سريعًا أو فرض شروط أحادية على إيران.

    وفي هذا السياق، صرح الدكتور محمد خيري، خبير العلاقات الدولية، أن القراءة العسكرية للتداعيات الناتجة عن الحرب بين إيران وأمريكا وإسرائيل تكشف عن حجم غير مسبوق من الاستهدافات المركزة، التي اعتمدت على تحليل دقيق لبنية الدولة الإيرانية ومراكز ثقلها الاستراتيجية، موضحًا أن الضربات الأمريكية والإسرائيلية منذ اليوم الأول للحرب تركزت بشكل أساسي على المناطق الحيوية في الشمال الغربي والغرب الإيراني، وامتدت إلى العمق الداخلي والساحل الجنوبي، مع تصعيد ملحوظ في الأيام الأخيرة طال المنشآت العسكرية والبنية التحتية الحيوية.

    تقويض القدرة العسكرية الإيرانية على المدى الطويل

    أشار خيري إلى أن التقديرات العسكرية، وفق البيانات المعلنة، أظهرت أن أكثر من 800 مخزن للطائرات المسيّرة و155 قطعة بحرية، إلى جانب ما يزيد عن 450 مخزنًا للصواريخ الباليستية، في إيران قد تعرضت للاستهداف، مؤكدًا أن نحو 90% من مراكز التصنيع العسكري الإيراني أصبحت خارج الخدمة، وهو ما يعكس استراتيجية واضحة تستهدف تقويض القدرة العسكرية الإيرانية على المدى الطويل.

    وفيما يتعلق بإسرائيل، أوضح الدكتور محمد خيري أنّ التكلفة الاقتصادية للحرب كانت مرتفعة، حيث بلغت تكلفة الذخائر المستخدمة نحو 6 مليارات دولار، بالإضافة إلى 2.5 مليار دولار تكلفة الطلعات الجوية خلال أربعين يومًا من العمليات، فضلًا عن أضرار مباشرة وغير مباشرة في المنشآت والبنية الإنتاجية قدرت بنحو 2.1 مليار دولار، مع توقعات بزيادة الأعباء المالية نتيجة تعويضات الأضرار التي لحقت بالمنازل.

    وأضاف خيري أن لبنان، رغم عدم انخراطه الرسمي في الحرب، لم يكن بمنأى عن التداعيات، حيث تشير التقديرات إلى انكماش اقتصادي بنحو 7% وتراجع مماثل في الناتج المحلي الإجمالي، مؤكدًا أن هذه الأرقام تعكس التأثير غير المباشر للصراع على الاقتصادات الهشة في المنطقة.

    استهداف مراكز القيادة والسيطرة في إيران

    من ناحية أخرى، أوضح خبير العلاقات الدولية أن طبيعة العمليات العسكرية اعتمدت على ما يعرف بـ”تصميم العمليات المنظومية”، والذي يستهدف مراكز القيادة والسيطرة باعتبارها القلب النابض لأي دولة، وهو ما يفسر تكثيف الضربات على العاصمة طهران ومحيطها، إلى جانب استهداف البنية التحتية الحيوية والصناعات العسكرية والمخازن، في إطار منظومة عمليات متكاملة تهدف إلى إضعاف القدرة على اتخاذ القرار وإدارة الحرب.

    وبيّن خيري أن توزيع الهجمات يعكس فهمًا دقيقًا للأهمية الجيوسياسية والاقتصادية للمدن الإيرانية، حيث جاءت طهران في صدارة المناطق المستهدفة باعتبارها مركز القيادة، تليها تبريز ذات الأهمية الجغرافية كممر استراتيجي، ثم أصفهان التي تمثل عقدة أساسية في البرنامج النووي الإيراني، حيث تتم فيها عمليات تحويل المواد النووية ومعالجتها قبل نقلها إلى منشآت أخرى.

    وأشار أيضًا إلى أن مدنًا مثل شيراز ويزد تعرضت لضربات مكثفة نظرًا لدورها في دورة إنتاج المواد النووية، بدءًا من استخراج اليورانيوم وصولًا إلى مراحله المتقدمة. كما لفت إلى أهمية مدن ساحلية مثل بندر عباس، التي تمثل مركزًا حيويًا للسيطرة على مضيق هرمز وقيادة العمليات البحرية، وكذلك بوشهر التي تضم منشآت نووية ومرافق لإنتاج الغاز، مؤكدًا أن استهداف هذه المناطق يعكس محاولة لضرب مفاصل الاقتصاد والطاقة في إيران.

    وأشار الدكتور محمد خيري إلى أن متوسط عدد الغارات اليومية بلغ نحو 73 غارة، مع تذبذب في وتيرتها نتيجة عمليات تقييم مستمرة لنتائج الضربات وإعادة ترتيب بنك الأهداف، موضحًا أن التصعيد في الأيام الأخيرة قبل وقف إطلاق النار يعكس ما يعرف عسكريًا بمحاولة تحقيق “الضربة الأخيرة” لإثبات التفوق قبل الدخول في التهدئة.

    هجمات إيران تكشف هشاشة إسرائيل

    فيما يتعلق بالرد الإيراني، أوضح خيري أن الهجمات التي استهدفت إسرائيل كشفت عن هشاشة نسبية نتيجة صغر المساحة الجغرافية وكثافة الأهداف الاستراتيجية، حيث تم استهداف منشآت عسكرية وصناعات بتروكيميائية في حيفا، إلى جانب محيط مفاعل ديمونا وقاعدة نيفاتيم الجوية، فضلًا عن رادارات استراتيجية في النقب، مشيرًا إلى أن بعض هذه الهجمات نجح في اختراق الدفاعات الجوية الإسرائيلية.

    وأكد أن هذا الاختراق يعود إلى عدة عوامل؛ من بينها نقص الذخائر الدفاعية، وأخطاء تقنية أو بشرية، بالإضافة إلى تطور نوعية الصواريخ المستخدمة، خاصة الصواريخ العنقودية التي تتطلب اعتراضًا مبكرًا خارج الغلاف الجوي لتقليل تأثيرها.

    واختتم الدكتور محمد خيري تصريحاته بالتأكيد على أن التنسيق بين إيران وحلفائها، وعلى رأسهم حزب الله، لعب دورًا مهمًا في إرباك المنظومة الدفاعية الإسرائيلية، وذلك من خلال تنفيذ هجمات متزامنة تهدف إلى الإغراق والتشتيت، حيث يتم استخدام الهجمات القريبة من الحدود اللبنانية لتخفيف الضغط، بينما تنفذ الضربات الاستراتيجية بعيدة المدى من داخل إيران، وهو ما يعكس تكاملًا عملياتيًا واضحًا في إدارة الصراع.

    اقرأ أيضًا: فاتورة بالمليارات.. كيف تستنزف حرب إيران الأصول العسكرية؟

    خسائر الحرب بين إيران وأمريكا وإسرائيل

    على المستوى الاقتصادي، قال الدكتور محمد عبد الهادي، الخبير الاقتصادي، إنّ الحرب الأمريكية على إيران كشفت عن بعد اقتصادي بالغ التعقيد يتجاوز نطاق العمليات العسكرية المباشرة، موضحًا أن الولايات المتحدة تتحمل كلفة مزدوجة تتمثل في النفقات المباشرة المرتبطة بالعمليات العسكرية والعتاد، إلى جانب تداعيات غير مباشرة تطال مفاصل الاقتصاد الكلي.

    خسائر أمريكا

    أشار عبد الهادي إلى أنه رغم متانة الاقتصاد الأمريكي وكونه الأكبر عالميًا، فإن هذه الحرب أكدت أن حتى القوى الاقتصادية الكبرى ليست بمنأى عن الضغوط المالية التي تفرضها الصراعات الممتدة، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف التشغيل العسكري وتزايد الضغوط على الموارد، وهو ما ينعكس تدريجيًا على مؤشرات الاقتصاد العام.

    وأوضح أنّ الاكتفاء النسبي للولايات المتحدة في مجال الطاقة منحها هامشًا من الاستقرار وساهم في تقليل حدة الصدمة مقارنة باقتصادات أخرى، إلا أن التداعيات الأوسع للحرب سرعان ما ظهرت من خلال تأثيرها على الأسعار، وهو ما انعكس بشكل مباشر على المستهلك الأمريكي، مؤكدًا أن هذه التأثيرات تمثل جانبًا مهمًا من الكلفة غير المباشرة للحرب.

    وأضاف الخبير الاقتصادي أن إعلان وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين يتيح فرصة مؤقتة لإجراء تقييم أولي لحجم الخسائر الاقتصادية وتحليل أبعادها، مشيرًا إلى أن هذه المرحلة تمثل نافذة مهمة لفهم التأثير الحقيقي للحرب على الاقتصاد الأمريكي، وتحديد ما إذا كانت هذه التداعيات ظرفية ومؤقتة، أم أنها قد تترك آثارًا أعمق وأكثر استدامة على المدى الطويل، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بأسواق الطاقة والتقلبات الاقتصادية العالمية.

    قد يهمّك أيضًا: كيف تفاعلت الأسواق العالمية مع هدنة إيران وأمريكا؟

    خسائر إيران

    أوضح عبد الهادي أن قطاع الطاقة والصناعات البتروكيميائية في إيران كان الأكثر تضررًا، حيث استهدفت الضربات الإسرائيلية مجمع “ماه شهر” جنوب غربي البلاد، والذي كان يحقق عوائد سنوية تقدر بنحو 30 مليار دولار، إلى جانب استهداف منشأة “عسلاوي” التي تنتج نحو نصف الإنتاج البتروكيميائي الإيراني، وهو ما أدى إلى تراجع حاد في القدرة الإنتاجية لهذا القطاع الحيوي.

    وأضاف أن الضربات طالت أيضًا مصافي النفط ومنشآت التخزين، الأمر الذي فاقم أزمة الطاقة داخل البلاد، وامتد تأثيره إلى قطاع الكهرباء، كما تم استهداف حقل “بارس الجنوبي” للغاز الطبيعي، الذي يمثل نحو 70% من إنتاج الغاز في إيران، ما يعكس استهدافًا مباشرًا لعصب الاقتصاد الإيراني.

    كما أشار إلى أن البنية التحتية المدنية في إيران لم تكن بمنأى عن هذه التداعيات، حيث تضررت أكثر من 117 ألف منشأة مدنية، من بينها نحو 10 آلاف وحدة سكنية وأكثر من 760 مدرسة، إلى جانب استهداف منشآت نووية ومرافق لإنتاج وتخزين الصواريخ في مدن رئيسة مثل طهران وأصفهان، فضلًا عن استهداف بنى عسكرية في شيراز.

    وفيما يتعلق بالاقتصاد الكلي الإيراني، أوضح الدكتور محمد عبد الهادي أن الحرب فاقمت الأوضاع الاقتصادية المتدهورة بالفعل، حيث ارتفع معدل التضخم ليتجاوز 50% على أساس سنوي خلال شهر مارس، في حين تشير التوقعات إلى انكماش الاقتصاد بنسبة تصل إلى 10% نتيجة تداعيات الحرب، خاصة في ظل اقتصاد يعاني مسبقًا من تأثير العقوبات، وهو ما يعكس تراكب الأزمات الاقتصادية وتفاقمها.

    خسائر إسرائيل

    أكد عبد الهادي أن الاقتصاد الإسرائيلي تكبد خسائر مالية كبيرة، حيث سجلت وزارة المالية خسائر أسبوعية تقدر بنحو 3 مليارات دولار، بإجمالي خسائر تراكمية بلغت حوالي 15 مليار دولار منذ بداية الحرب، إلى جانب طلب وزارة الدفاع تغطية نفقات عسكرية إضافية تجاوزت 12 مليار دولار، ما يعكس العبء المالي المتزايد على الموازنة العامة.

    وأضاف أن التأثيرات امتدت أيضًا إلى الجانب المدني، حيث تضرر أو دمر نحو 5000 مبنى، وتم تسجيل ما يقارب 26 ألف طلب تعويض بقيمة تصل إلى 450 مليون دولار، فضلًا عن تعويضات للشركات والعمال بنحو 2.3 مليار دولار، إلى جانب 160 مليون دولار لتغطية تكاليف الموظفين الذين اضطروا للحصول على إجازات غير مدفوعة.

    وأشار الخبير الاقتصادي أيضًا إلى أن مختلف القطاعات الاقتصادية في إسرائيل تأثرت بشكل ملحوظ، حيث يعاني قطاع التكنولوجيا المتقدمة من تأخيرات في نحو 87% من مشروعاته، بينما تواجه 71% من الشركات صعوبات في جمع التمويل، وقد اضطرت 10% منها إلى منح موظفيها إجازات دون راتب، في حين شهد قطاع البناء والعقارات تراجعًا في مبيعات المنازل بنسبة 35%، إلى جانب نقص يقدّر بنحو 150 ألف عامل نتيجة القيود المفروضة على دخول العمالة الفلسطينية، ما أدى إلى تعطّل العديد من المشروعات.

    واختتم الدكتور محمد عبد الهادي تصريحاته بالتأكيد على أن هذه المؤشرات تعكس عمق التأثير الاقتصادي للحرب على الطرفين، موضحًا أن استمرار مثل هذه الصراعات لا يؤدي فقط إلى خسائر آنية، بل قد يترك آثارًا هيكلية طويلة الأمد على الاقتصادات والبنية التحتية، بما يعيد تشكيل أولويات الإنفاق ويضغط على معدلات النمو والاستقرار الاقتصادي.

    اقرأ المزيد حول تأثير الحروب المتتالية على إسرائيل من الناحية الاقتصادية