أصدرت مجموعة عمل مستقلة دراسة لتقدير خسائر الاقتصاد اللبناني نتيجة الحرب الإسرائيلية، وتشير التوقعات إلى أن الحرب ستؤدي إلى ارتفاع معدل التضخم السنوي ليصل إلى 54% بنهاية عام 2024، بعد أن توقفت الأنشطة الاقتصادية في مناطق رئيسة مثل الجنوب والبقاع، التي تضم ثلث سكان لبنان، مما أسفر عن خسائر كبيرة في دخل الأسر وتباطؤ النمو الاقتصادي.
ووفقاً للدراسة أثرت الحرب على لبنان بشكل مباشر، حيث تكبدت خسائر تُقدّر بـ 20 مليار دولار في ظل أزمة اقتصادية مزمنة تعود لأكثر من خمس سنوات نتيجةً للعدوان، كما تعطلت المدارس، مما أثر على 1.5 مليون طالب، بينما خضعت 25% من مساحة البلاد لأوامر الإخلاء الإسرائيلية.
ومن ناحية أخرى، انخفض الناتج المحلي الإجمالي بشكل حاد من 54.9 مليار دولار في عام 2018 إلى 17.9 مليار دولار في عام 2023، مع توقعات بأن تكلف الحرب الاقتصاد اللبناني ما يعادل 70% من الناتج المحلي، أي حوالي 13 مليار دولار.
1.2 مليون نازح في لبنان!
تزداد معاناة لبنان مع وجود 1.2 مليون نازح، وقد أشارت التقديرات إلى أن حوالي مليون نازح توقفوا عن العمل، مما كبد الاقتصاد اللبناني خسائر تتراوح بين 500 مليون دولار ومليار دولار، كما تُقدّر تكلفة تلبية احتياجات النازحين من مسكن ودواء وغذاء بحوالي ملياري دولار، بينما يؤدي الانكماش الاقتصادي إلى خسائر تتراوح بين 3 و4 مليارات دولار، مما يفاقم الأعباء الاقتصادية والاجتماعية.
تتوقع الدراسة ارتفاع التضخم السنوي إلى 54% بحلول نهاية 2024، مما يزيد من تعقيد الوضع الاقتصادي، حيث إنّ الحرب والنزوح لهما تأثيرات عميقة على القطاعات الحيوية، التي تشكل نحو 70% من الناتج المحلي الإجمالي، مثل البناء والتجارة والتعليم والخدمات.
اقرأ أيضًا: جنوب لبنان لاعبٌ رئيسٌ في الأمن القومي
محاور الدراسة
قام بإعداد الدراسة مجموعة من الخبراء في السياسات العامة والاقتصاد، بمن فيهم الصحفيان الاقتصاديان رشا أبو زكي وعلي نورالدين، وأستاذ الاقتصاد جاد شعبان، والباحثة الاقتصادية جوان حداد، والمحامي كريم ضاهر. وهي تسلط الضوء على النتائج الاقتصادية والاجتماعية الكارثية للحرب، وتقدم توصيات فعالة للحد من الأزمات المتفاقمة ومُقترحات للحلول قصيرة ومتوسطة الأمد.
الحاجة لرئيس للجمهورية
أكدت الدراسة الحاجة الملحة لوجود رئيس للجمهورية، وبيّنت أهمية وجود طاولة مفاوضات لحل الأزمة في المنطقة، كما أشارت إلى ضرورة أن يكون لبنان جزءًا من الحل، مع تأكيد الدور المحوري لرئيس الجمهورية في التفاوض مع مجلس الوزراء.
المستوى المعيشي
وفقًا للدراسة، تقدّر التكاليف الاقتصادية للحرب بأكثر من 20 مليار دولار حتى الآن، وقد توقفت الأنشطة الاقتصادية في مناطق رئيسية مثل الجنوب والبقاع، مما أدى إلى خسائر كبيرة في دخل الأسر، كما تم تدمير أو تعطيل نحو 50 ألف شركة مسجلة في لبنان، أي نحو 60% من إجمالي الشركات، بالإضافة إلى تضرر أكثر من ربع الأراضي الزراعية.
ومن المتوقع أن تتضاعف نسبة الأشخاص الذين يعانون من الفقر المدقع لتصل إلى 80% في المناطق المتضررة مباشرة، على مستوى لبنان، وأن يرتفع عددهم من حوالي 1.6 مليون شخص إلى أكثر من 3 ملايين شخص، ما يعادل 60% من السكان.
القطاع الزراعي
عانى القطاع الزراعي من خسائر بنحو 2.5 مليار دولار، نتيجة الأضرار الواسعة الناجمة عن الغارات الجوية، فقد تسببت الضربات الجوية في حرق 1900 هكتار من الأراضي الزراعية، وتم التخلي عن 12 ألف هكتار من الأراضي في الجنوب، ما أثر على حوالي 46 ألف مزارع.
التأثير الاجتماعي
تم تهجير أكثر من 1.2 مليون شخص، ما يمثل حوالي 20% من سكان لبنان، كما توقفت حوالي 1.5 مليون طالب عن الدراسة، لأنّ مُعظم المدارس أٌغلقت أو تم تحويلها إلى ملاجئ بسبب الحرب. ومن المتوقع أن يكلف هذا التعطيل التعليمي الاقتصاد اللبناني نحو 600 مليون دولار سنويًا.
لطالما تعرض الاقتصاد اللبناني لخسائر فادحة بسبب الحروب والصراعات المتعددة التي شهدتها البلاد، ما أضاف أعباء اقتصادية واجتماعية عميقة إلى الأزمة المستمرة منذ سنوات، وتوزّعت الخسائر عدة قطاعات حيوية تأثرت مباشرة بالدمار وعمليات التهجير والنزوح الداخلي، إضافة إلى الخسائر في البنية التحتية وارتفاع معدلات البطالة والفقر.
اقرأ أيضًا: خطر هروب الأموال يهدد البنوك الخليجية
خسائر الاقتصاد اللبناني
يقول الدكتور أيمن عبد المقصود، الخبير الاقتصادي، إنّ الخسائر المالية التي لحقت بلبنان بسبب الحروب تُقدر بمليارات الدولارات، ما أثّر بشدة على الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، حيث تشير التقديرات إلى أنه تراجع من حوالي 54.9 مليار دولار في عام 2018 إلى نحو 17.9 مليار دولار في عام 2023.
ومن المتوقع أن تستمر هذه الخسائر مع استمرار التوترات وتأثيرها على القطاعات الاقتصادية الأساسية، إذ فقد الاقتصاد اللبناني نحو 70% من ناتجه المحلي بسبب هذه الأزمات المتتالية، ما يعادل حوالي 13 مليار دولار.
تأثيرات الحرب على القطاعات الحيوية
تعد القطاعات الحيوية، مثل البناء والتجارة والتعليم، التي تشكل جزءاً كبيراً من الناتج المحلي الأكثر تأثراً بالحرب، فقد تسبب الدمار الواسع في تراجع الاستثمار في هذه القطاعات، كما أدى انعدام الأمن إلى تدمير أو إغلاق عدد كبير من الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تعتبر العمود الفقري للاقتصاد اللبناني، ويقدّر أن نحو 60% من الشركات المسجلة تعرضت للضرر بشكل كامل أو جزئي، مما دفع العديد من الشركات إلى الإغلاق وفقدان فرص العمل، وأدى إلى ارتفاع نسبة البطالة بشكل غير مسبوق.
تدهور القطاع الزراعي
يعاني القطاع الزراعي في لبنان من خسائر كبيرة نتيجة الأضرار الناتجة عن القصف وتدمير الأراضي الزراعية، كما أنّ الحروب المتعاقبة أدت إلى حرق آلاف الهكتارات من الأراضي الزراعية، خاصة في المناطق الجنوبية، مما أثّر على الإنتاج المحلي وزاد من الاعتماد على الواردات، ما أسهم في زيادة العجز التجاري.
التأثير على البنية التحتية والخدمات
أدت الحروب إلى تدمير البنية التحتية من طرق وجسور ومرافق عامة، ما أضاف أعباء مالية جديدة على الدولة خاصة بإعادة تأهيل هذه المنشآت، كما تضرر قطاعا التعليم والصحة بشكل كبير، حيث أغلقت المدارس وتحولت إلى مراكز إيواء للنازحين، وانخفضت قدرة المستشفيات على تقديم الخدمات نتيجة نقص الموارد المالية والبشرية، ما زاد من الأعباء الاجتماعية والصحية على السكان.
ارتفاع معدلات الفقر والتضخم
وصلت معدلات الفقر في لبنان إلى مستويات غير مسبوقة، حيث يقدّر أن حوالي 60% من السكان يعيشون تحت خط الفقر. كما أسهمت الحروب في ارتفاع معدلات التضخم بشكل كبير، الأمر الذي زاد من تكلفة السلع الأساسية وجعلها صعبة المنال للكثير من اللبنانيين.
تحديات أمام التعافي الاقتصادي
يواجه الاقتصاد اللبناني تحديات كبيرة تعرقل عملية التعافي، فمع استمرار الوضع السياسي غير المستقر وانهيار النظام المصرفي وغياب الإصلاحات المالية، يُصبح من الصعب تحفيز الاقتصاد وإعادة بناء البنية التحتية، كما أن نقص الاستثمارات الخارجية بسبب المخاوف من عدم الاستقرار يزيد من صعوبة الوصول إلى التمويل اللازم لإعادة البناء.
وللتعامل مع آثار الحروب، أوصى عبد المقصود بضرورة إجراء إصلاحات اقتصادية عاجلة لتعزيز الرقابة المالية ووقف التهريب، وتقديم الدعم لقطاعات مثل الزراعة والصناعة المحلية لتقليل الاعتماد على الواردات،بالإضافة إلى العمل على تحسين المناخ الاستثماري لجذب المستثمرين الأجانب، وتقديم حوافز لدعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي تشكّل ركيزة الاقتصاد اللبناني.
في النهاية، مهما كان مستوى هذه الخسائر، فهي تُشكّل عبئاً ثقيلاً على الاقتصاد اللبناني، وتستدعي جهوداً دولية ومحلية لإعادة بناء الاقتصاد وتحقيق الاستقرار.
