تقارير الطاقة

    خبراء يكشفون تأثير تصاعد الصراع في الشرق الأوسط على أسواق الطاقة

    •آخر تحديث •8 دقائق
    خبراء يكشفون تأثير تصاعد الصراع في الشرق الأوسط على أسواق الطاقة

    يشهد الصراع في الشرق الأوسط حاليًا تصاعدًا مستمرًا، الأمر الذي يُقحم المنطقة في أزمات سياسية وأمنية تؤثر بشكل مباشر على أسواق الطاقة، حيث إنها تحتضن أكبر منتجي النفط والغاز في العالم، مما يضعها في موقف حاسم لأنّها تؤثر على الأسعار العالمية بشكل مُباشر.

    ومع مرور الوقت، قد تتفاقم التحديات الناتجة عن الأزمات الجيوسياسية، مما يزيد من تعقيد المشهد الاقتصادي ويؤدي إلى اضطرابات في سلاسل الإمداد، حيث يتجلى تأثير الصراع في الشرق الأوسط في تغيّر ديناميكيات سوق الطاقة العالمي، فقد باتت العوامل السياسية والأمنية تلعب دورًا أكبر في تحديد أسعار النفط والغاز، بدلاً من قوى العرض والطلب التقليدية.

    ومع التحولات التي شهدتها المنطقة، بما في ذلك تغير أولويات الدول المستهلكة الكبرى واستراتيجيات الدول المنتجة، يبقى التوتر الإقليمي عنصرًا أساسيًا في التأثير على اقتصاديات الطاقة ومختلف القطاعات الاقتصادية.

    آثار الصراع في الشرق الأوسط

    تتجلى آثار الصراع في الشرق الأوسط في تقلبات الأسعار العالمية والتغيرات في شراكات التصدير والاستيراد. وقد وصفت حنان رمسيس، خبيرة أسواق المال، منطقة  الشرق الأوسط بأنها أصبحت “مسرحًا للصراع الدائم والمواجهات الدامية”، فهي تشهد تصعيدًا دائما للصراعات، مما حولها إلى ساحة من التوترات. بالطبع، تؤثر هذه الأحداث على أسواق الطاقة في المنطقة، بل وعلى العالم أجمع.

    وتقول رمسيس: “في منطقة الشرق الأوسط، التي تضم أكبر منتجي النفط والغاز، كانت لديهم القدرة سابقًا على التحكم في الأسعار العالمية بالزيادة أو النقصان، من خلال زيادة كميات الإنتاج أو حجبها، وقد تم تنظيم هذا الوضع باتفاقيات “أوبك بلاس” التي أصبح هناك شبه اتفاق على تحديد أسعار الطاقة من خلالها”، إلا أن الوضع تغيّر بعد استغناء الولايات المتحدة عن نفط الخليج، وحلول الصين محلها كأكبر مستهلك لنفط الشرق الأوسط.

    وأضافت الخبيرة في تصريحات خاصة لموقع Econ-Pedia: “ومع تكرار الأزمات، سواء الجيوسياسية أو الوبائية، كما حدث أثناء فترة جائحة كورونا، انخفض الطلب على النفط وكل أنواع الطاقة بسبب سياسات الإغلاق التي تسببت في أزمات اقتصادية عالمية وتعطل سلاسل الإمداد، ومع ذلك، بدأت أسعار الطاقة في الارتفاع مرة أخرى.

    تفاقمت الأمور أكثر بعد اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، وازداد الطلب على الغاز، الذي لجأت إليه العديد من الدول الصناعية كبديل للنفط، لكن بعد فرض سلسلة من العقوبات الاقتصادية على روسيا، وتأثر الإمدادات لأوروبا، ارتفعت أسعار النفط إلى مستويات قياسية، وكان لا بد من وجود بديل؛ لهذا لجأت معظم دول العالم إلى الغاز المنتج في الشرق الأوسط، مما رفع سعر الغاز إلى مستويات تاريخية.

    اقرأ أيضًا: أسواق الطاقة.. اضطراب في البحر وغلاء في أوروبا

    التأثير على مصر

    وفقًا للخبيرة كانت مصر بعيدة نسبيًا عن هذه الارتفاعات السعرية، بل استفادت منها بسبب الإمدادات المتدفقة من إسرائيل للغاز، حيث تقوم مصر بتسييله وبيعه في الخارج بأسعار مرتفعة. بالإضافة إلى ذلك، أسهمت الاكتشافات المتنوعة ودخول الحقول الجديدة في الإنتاج بكامل طاقتها، مثل حقل ظهر، الذي كان يغطي الاستهلاك المحلي ويفيض.

    لكن بعد التصعيد الأخير من الجانب الإسرائيلي على غزة، تأثرت سلاسل الإمداد القادمة من إسرائيل، مما تسبب في أزمة في الغاز، كما تراجع إنتاج حقل ظهر بسبب التسرب المائي داخله نتيجة الإنتاج السريع، مما أدى إلى توقف الحقل عن العمل، فتأثرت مصر بإمدادات الغاز، ونتج عن ذلك توقف بعض المصانع عن الإنتاج، وأزمة انقطاع الكهرباء التي عانى منها الشعب المصري لمدة عام ونصف. وما زالت الأزمة مستمرة، لكن بحدة أقل، بعد أن اشترت مصر نحو 30 شاحنة غاز على مراحل لتلبية احتياجاتها، مما رفع سعر الغاز على المستهلكين بأكثر من 40%، وأدى أيضًا إلى ارتفاع تكلفة الإنتاج في المصانع.

    هناك مخاوف من استمرار التصعيد ونشوب حرب بين إيران وإسرائيل، لأن هذه الحرب قد تؤدي إلى مزيد من الارتفاع في أسعار الغاز، حيث قد ترفض السفن المحملة بالغاز المرور عبر الممرات المائية والبحار المتواجدة في منطقة الصراع، أو ترفع تكاليف الشحن، مما يضاعف التكاليف بين ارتفاع أسعار الغاز وتكاليف الشحن البحري وأسعار تأمين السفن.

    كان يمكن لمصر أن تكون مستفيدة من هذه الارتفاعات لو كانت منتجة ومصدّرة، وتسعى مصر حاليًا للتعاون مع دول مجلس التعاون الخليجي لتلبية احتياجاتها من الغاز بأسعار مناسبة، كما تبحث عن شركات تنقيب واستكشاف ذات خبرة وتكاليف مناسبة لاستكمال استكشافات الغاز، في ظل ظروف ضبابية وتوترات جيوسياسية متزايدة.

    وقف إمدادات النفط

    ومن جانبه يقول الدكتور السيد خضر جزر الخبير الاقتصادي، أرى أن تصاعد وتيرة حدة الصراع في الشرق الأوسط يمكن أن يؤدي إلى عدة تداعيات محتملة على قطاع الطاقة، منها ارتفاع أسعار النفط، حيث إن امتداد التوتر في المنطقة يؤدي إلى تقليل إمدادات النفط، مما يرفع الأسعار العالمية، كما يتسبب الصراع في تعطيل النقل، إذ تتأثر الممرات الحيوية مثل مضيق هرمز، مما يعيق حركة السفن ويزيد من تكاليف الشحن.

    بالإضافة إلى ذلك، تتأثر استثمارات الطاقة، حيث تتأثر الاستثمارات في مشاريع الطاقة الجديدة بسبب المخاطر الأمنية، مما يؤدي إلى تأخير أو إلغاء مشروعات مهمة. كذلك، يمكن أن يحدث تحول في مصادر الطاقة، إذ تسعى الدول إلى تقليل اعتمادها على النفط والغاز من الشرق الأوسط، مما يعزز من استثمارات الطاقة المتجددة.

    تقلبات في الأسواق المالية

    أضاف الخبير في تصريحات خاصة لموقع Econ-Pedia أن تصاعد الصراع يؤدي إلى تقلبات في الأسواق المالية، مما يؤثر على الشركات النفطية والأسواق العالمية، كما قد يزيد الطلب على الطاقة البديلة، ففي ظل الأزمات، قد يزداد الاعتماد على مصادر الطاقة البديلة كحل إستراتيجي. أما عن تأثير الصراع على أمن الطاقة، فإن الدول المستوردة للنفط ستبحث عن شراكات جديدة لتعزيز أمنها في مجال الطاقة، مما قد يسهم في إعادة تشكيل التحالفات الدولية.

    علاوة على ذلك، فإن استمرار النزاعات سيؤدي إلى تدهور بيئي، مما يؤثر على إنتاج الطاقة من المصادر التقليدية، وبالتالي فإن تصاعد الأحداث في الشرق الأوسط له تأثيرات متعددة على الاقتصاد المصري، فعلى صعيد عدم الاستقرار السياسي، تؤدي الأحداث الجارية إلى زيادة عدم الاستقرار، مما يؤثر سلباً على بيئة الاستثمار ويجعل المستثمرين يترددون في ضخ استثمارات جديدة، خاصة في قطاع النفط.

    واختتم الخبير حديثه قائلاً: “كما قد تتأثر التجارة الخارجية، إذ يمكن أن تتأثر التجارة مع الدول المجاورة، خاصة إذا كانت هناك توترات تؤثر على طرق النقل والمنافذ التجارية. إضافة إلى ذلك، يمكن أن يؤدي ارتفاع أسعار السلع الأساسية بسبب الأزمات الإقليمية إلى زيادة التضخم، مما يؤثر على القوة الشرائية للمواطنين.

    اقرأ أيضًا: توترات الشرق الأوسط ترفع أسعار النفط عالمياً

    التحول نحو مصادر الطاقة المتجددة

    من جهتها أوضحت الدكتورة مروة الشافعي، الخبيرة الاقتصادية، في تصريحات خاصة لموقع Econ-Pedia أنّ هذه التحديات تدفع بالعديد من الدول إلى إعادة تقييم سياساتها في مجال الطاقة، والبحث عن بدائل مستدامة للتخفيف من آثار الأزمات المتكررة، وعلى المدى الطويل، يمكن أن تسهم هذه الأزمات في تسريع التحول نحو مصادر الطاقة المتجددة، لكن ذلك يتطلب استراتيجيات دولية متكاملة لتقليل الاعتماد على النفط والغاز وضمان أمن الطاقة العالمي.

    التهديدات المحتملة للصراع على أسواق الطاقة

    قالت الشافعي إنّ مما لا شك فيه أن تصاعد الصراع في الشرق الأوسط يشكل تهديدًا جديًا على استقرار أسواق الطاقة العالمية، حيث يؤدي إلى اضطرابات في العرض والطلب، وزيادة في أسعار الطاقة، وتأثيرات سلبية على الاستثمارات والنقل. ثٌمّ رصدت الخبيرة تأثير الصراعات المستمرة على أسواق الطاقة بالشكل الآتي:

    ارتفاع أسعار النفط والغاز

    يؤدي تصاعد وتيرة الصراع في الشرق الأوسط إلى زيادة مخاطر نقص إمدادات النفط والغاز، مما يساهم في رفع أسعار الطاقة العالمية. فمع امتداد التوترات إلى مناطق إنتاج رئيسية، تتأثر حركة الإنتاج والتصدير، حيث تلجأ الدول المنتجة إلى خفض الإنتاج كإجراء احترازي، أو تفرض عقوبات اقتصادية على صادرات النفط والغاز، مما يقلل الكميات المتاحة في الأسواق ويرفع الأسعار.

    اضطراب النقل البحري والشحن

    تلعب الممرات المائية الرئيسية في الشرق الأوسط، مثل مضيق هرمز، دورًا حاسمًا في نقل إمدادات النفط العالمية. ومع تصاعد النزاعات في المنطقة، تزداد احتمالية وقوع هجمات أو أعمال تخريبية تستهدف ناقلات النفط أو البنية التحتية للموانئ، مما يؤدي إلى اضطرابات في النقل البحري. ونتيجة لذلك، تزداد تكاليف الشحن والتأمين على السفن، مما يضيف أعباء مالية على أسواق الطاقة العالمية.

    تأثر الاستثمارات في قطاع الطاقة

    يعكس تصاعد الصراع في الشرق الأوسط تأثيره السلبي على الاستثمارات في قطاع الطاقة، ومع ارتفاع المخاطر الأمنية في المنطقة، يصبح من الصعب جذب استثمارات جديدة لمشروعات التنقيب أو التطوير في مجال النفط والغاز. هذه التحديات تدفع بالشركات الدولية إلى تقليل أو تأجيل خططها الاستثمارية، مما يؤخر تنفيذ مشروعات هامة، ويقلل من إمدادات الطاقة المستقبلية.

    التحول نحو مصادر الطاقة البديلة

    تتزايد التوجهات نحو الطاقة المتجددة كبديل للنفط والغاز وسط تصاعد الأزمات الإقليمية، حيث تسعى العديد من الدول إلى تقليل اعتمادها على إمدادات الطاقة القادمة من الشرق الأوسط، ما يدفعها إلى تعزيز استثماراتها في مصادر الطاقة البديلة مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح. وعلى الرغم من أن هذا التحول يحتاج إلى وقت طويل لتحقيق تأثير كبير، إلا أن الأزمات المتكررة تسهم في تسريع هذه التوجهات.

    تزايد التقلبات في الأسواق المالية

    يرتبط قطاع الطاقة ارتباطًا وثيقًا بالأسواق المالية العالمية، حيث يؤدي تصاعد الصراع في الشرق الأوسط إلى زيادة التقلبات في أسواق الأسهم والعملات، مما يؤثر على أسهم الشركات النفطية ويزيد من الضغوط على المستثمرين. ومن المحتمل أيضًا أن تؤدي هذه التقلبات إلى فقدان الثقة في الأسواق، وبالتالي تؤثر على قرارات الاستثمار في أسهم شركات الطاقة.

    تعطيل الإمدادات وتأثيره على الدول المستوردة

    الدول التي تعتمد بشكل كبير على واردات النفط والغاز من الشرق الأوسط، تواجه تحديات كبيرة في تأمين إمداداتها في ظل النزاعات؛ حيث قد تضطر هذه الدول إلى البحث عن بدائل سريعة، مما يؤدي إلى زيادة تكاليف استيراد الطاقة. بالإضافة إلى ذلك، تؤدي المخاوف بشأن استمرارية الإمدادات إلى تخزين كميات أكبر من النفط، مما يضغط على الأسواق ويرفع الأسعار.

    تأثر الدول المنتجة

    بالرغم من أن الدول المنتجة للطاقة قد تستفيد من ارتفاع الأسعار على المدى القصير، إلا أن استمرار الصراع لفترة طويلة قد يضر باقتصاديات هذه الدول؛ حيث تؤدي الأزمات إلى تراجع الاستثمارات وتضرر البنية التحتية، مما يعوق قدرتها على إنتاج وتصدير الطاقة بكفاءة، ويكون هذا التأثير أكثر وضوحًا في الدول التي تعتمد بشكل كبير على عائدات النفط لتمويل ميزانيتها العامة.

    تأثير التوترات على سياسات الطاقة العالمية

    تؤدي الصراعات في الشرق الأوسط إلى تغييرات في سياسات الطاقة العالمية، حيث تسعى الدول المستوردة إلى تنويع مصادر إمداداتها لضمان استقرار تدفقات الطاقة، الأمر الذي قد يدفعها إلى تعزيز العلاقات مع دول أخرى منتجة للنفط خارج منطقة الشرق الأوسط، أو تطوير تقنيات جديدة لتقليل الاعتماد على الطاقة التقليدية.