يواجه الاقتصاد الألماني، الأكبر في منطقة اليورو، تحديات كبيرة أدت به إلى حالة من الركود، وفي محاولة لإنعاشه وتعزيز قدرته التنافسية تخطط الحكومة الألمانية، بقيادة المستشار فريدريش ميرتس، لتمرير حزمة تخفيضات ضريبية طموحة للشركات تصل تكلفتها الإجمالية إلى 46 مليار يورو بحلول عام 2029، وهو الموعد المتوقع لانتهاء ولاية الائتلاف الحاكم الحالي، وفقًا لتقرير لصحيفة فايننشال تايمز.
تفاصيل حزمة التحفيز الضريبي المقترحة
حسب تقديرات حكومية، تتضمن هذه الحوافز الضريبية إجراءات متعددة تهدف إلى تشجيع الاستثمار وتحديث القطاعات الحيوية، فابتداءً من الأول من يوليو ستتمكن الشركات من خصم نسبة 30% من تكلفة شراء الآلات الجديدة والمعدات الأخرى من ضرائبها السنوية، وهو إجراء سيسري بين عامي 2025 و2027.
بالإضافة إلى ذلك، من المقرر أن يبدأ معدل الضريبة الفيدرالية على الشركات، الذي يبلغ حاليًا 15%، في الانخفاض تدريجيًا بمقدار نقطة مئوية واحدة سنويًا ابتداءً من عام 2028، ليصل في نهاية المطاف إلى 10%.
كما ستستفيد الشركات من حوافز تخص السيارات الكهربائية؛ حيث سيُسمح لها بخصم نسبة كبيرة تصل إلى 75% من سعر شراء السيارات الكهربائية الجديدة خلال السنة الأولى لامتلاكها، مما يساهم في تقليل دخلها الخاضع للضريبة ويشجع على التحول نحو النقل المستدام، وتعتزم الحكومة أيضًا تقديم حوافز ضريبية أكثر سخاءً للشركات التي تستثمر في مجالات البحث والتطوير بهدف تعزيز الابتكار.
وجاء في مسودة مشروع القانون المذكور: “بعد فترة من الركود الاقتصادي من المهم رفع الإمكانات الكامنة للاقتصاد الألماني بشكل كبير”، علمًا أنّ هذه الإجراءات تهدف إلى “إرسال إشارة قوية على المدى القصير والطويل بشأن القدرة التنافسية لألمانيا كموقع للأعمال”.
خطة إنفاق عامة تتجاوز تريليون يورو
تأتي هذه المبادرات الضريبية كجزء من رؤية أوسع لتعزيز الاقتصاد الألماني، فهي تُضاف إلى خطة إنفاق عام ضخمة ممولة بالديون وتتجاوز قيمتها تريليون يورو، وهي تهدف بشكل أساسي إلى تحديث القوات المسلحة الألمانية وتطوير البنية التحتية المتهالكة في البلاد، وتُعتبر هذه الخطة الركيزة الأساسية للجهود التي يبذلها المستشار فريدريش ميرتس.
بالإضافة إلى ذلك، تم إنشاء وزارة جديدة بهدف رئيسي هو تقليص الإجراءات البيروقراطية وتسريع وتيرة التحول الرقمي في الإدارة الحكومية، مما يمكن أن يُحسن من كفاءة الخدمات ويسهل بيئة الأعمال.
وتشير الخطة الاقتصادية التي يتبناها المستشار ميرتس إلى تحول ملحوظ في السياسة الاقتصادية لدولة كانت، حتى وقت قريب، تُعتبر نموذجًا يُحتذى به في الاتحاد الأوروبي فيما يتعلق بالانضباط المالي والتقشف.
اقرأ أيضًا: اعتراف صادم من وزير اقتصاد ألمانيا
أسباب لجوء ألمانيا إلى التحفيز الضريبي في هذا التوقيت
يأتي هذا التحول في وقت يعاني فيه الاقتصاد الألماني، المعتمد بشكل كبير على التصدير، من نمو ضئيل على مدار السنوات الثلاث الماضية. كما تواجه ألمانيا تحديات متعددة، من بينها المنافسة المتزايدة من الصين في الأسواق العالمية، وارتفاع تكاليف الطاقة الذي يؤثر على القدرة التنافسية للصناعات.
علاوة على ذلك، أظهرت البيانات تراجعًا في مستويات الاستثمار في ألمانيا مقارنة بمنافسيها الرئيسيين، ففي الربع الثالث من عام 2024 كانت استثمارات الشركات الألمانية في المصانع والآلات والمركبات أقل بنسبة 9% مقارنة بمستوياتها قبل جائحة كوفيد-19، وفقًا لبيانات البنك الألماني للتنمية (KFW). وفي المقابل، كانت هذه الاستثمارات، خلال نفس الفترة، أعلى بنسبة 11.5% في الولايات المتحدة، وأعلى بنسبة 1% في الاتحاد الأوروبي ككل.
كما يُلاحظ أنَّ النفقات العامة والخاصة على البحث والتطوير في ألمانيا كانت أقل مقارنة بدول أخرى؛ ففي حين أنفقت ألمانيا 11% أكثر على الملكية الفكرية مقارنة بما كانت عليه قبل الجائحة، فإن الولايات المتحدة أنفقت 36% أكثر، وفرنسا أنفقت 27% أكثر في مجالات حيوية مثل الذكاء الاصطناعي، وفقًا لتقرير البنك، ما يشير إلى ضرورة تكثيف الجهود الألمانية في هذا المجال للحفاظ على ريادتها التكنولوجية.
موضوع ذو صلة: تسريح الموظفين يهيمن على الخطط المستقبلية للشركات في ألمانيا
هل تنجح خطة ميرتس في إنقاذ الاقتصاد الألماني؟
من جانبه أكَّد الدكتور رمزي الجرم، الخبير الاقتصادي، أن توجه الحكومة الألمانية لتمرير حزمة تخفيضات ضريبية يعكس تحولاً جذريًا في السياسة الاقتصادية لأكبر اقتصاد في منطقة اليورو، خاصة في ظل حالة الركود التي تعاني منها البلاد منذ عدة فصول.
وأوضح أن هذه الحوافز، التي تشمل خصومات على المعدات الجديدة والسيارات الكهربائية، تمثل محاولة واضحة لإعادة تنشيط الاستثمار في القطاع الصناعي، وتحفيز النمو الذي تباطأ بشكل ملحوظ خلال السنوات الثلاث الماضية.
كما أشار إلى أنَّ هذه الخطوة تتزامن مع خطة إنفاق ضخمة ممولة بالديون تتجاوز تريليون يورو، تسعى من خلالها الحكومة إلى تحديث القوات المسلحة والبنية التحتية، وهي ملفات حيوية ظلت متأخرة عن ركب التطوير، مضيفاً أن مثل هذا الإنفاق، إلى جانب الحوافز الضريبية، يعكس رغبة سياسية قوية في كسر الإرث التقليدي لألمانيا القائم على الانضباط المالي الصارم.
وأكد الجرم أن من الحزمة الجديدة خطوة محفزة للانتقال إلى اقتصاد أكثر استدامة وابتكارًا، وخاصةً أنها تأتي في وقت حرج تواجه فيه ألمانيا منافسة متزايدة من الصين، وارتفاعًا مستمرًا في تكاليف الطاقة، إلى جانب تهديدات أمريكية بفرض رسوم جمركية قد تصل إلى 50% على السلع الأوروبية، مما قد يؤدي إلى انكماش إضافي في الأداء الاقتصادي.
وأضاف أن هذه العوامل مجتمعة دفعت الحكومة إلى تبني مسار اقتصادي غير تقليدي يقوم على تحفيز الاستثمار المحلي وتخفيف الأعباء عن كاهل القطاع الخاص.
كما أشار إلى أنَّ الفجوة واضحة في الإنفاق على البحث والتطوير، حيث لا تزال ألمانيا متأخرة عن دول مثل الولايات المتحدة وفرنسا، خصوصًا في المجالات التكنولوجية الحديثة كـالذكاء الاصطناعي والملكية الفكرية.
واختتم الدكتور رمزي الجرم تصريحاته بالتأكيد على أن نجاح هذه الحزمة مرهون بمدى قدرة الحكومة الألمانية على تنفيذها بسلاسة، ومواجهة التحديات البيروقراطية، والارتقاء بالبنية التحتية الرقمية، لافتًا إلى أن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، تمثل خطوة أولى على طريق طويل لاستعادة زخم الاقتصاد الألماني ومكانته التنافسية على المستوى الدولي.
قد يهمّك أيضًا: ألمانيا ترفض عودة اللاجئين السوريين
