حصاد المياه في الأردن لم يعد مشروعاً بيئياً محدود الأثر، بل أداة محتملة لتخفيف ضغط ندرة المياه على الزراعة والأمن الغذائي، إذا اقترن بتوسيع إعادة استخدام المياه المعالجة ورفع كفاءة الري وحماية الأحواض المائية، ولكن ما أعلنته وزارة المياه والري مع "إيكاردا" لا يمثل إطلاق مشروعات جديدة بعد، بل بحثاً لتوسيع التعاون وإعداد مقترحات وحشد تمويل لتنفيذها.
حصاد المياه في الأردن.. تخزين المطر قبل فقدانه
بحثت وزارة المياه والري والمركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة "إيكاردا" والمركز الوطني للبحوث الزراعية، توسيع التعاون في حصاد مياه الأمطار، وتحسين كفاءة استخدام المياه العادمة المعالجة، وتطوير أحواض رئيسية بينها اليرموك والحماد، إلى جانب دراسة إمكان استمطار السحب، بحسب وكالة الأنباء الأردنية "بترا".
ويكتسب هذا التحرك أهمية خاصة في بلد تصفه الجهات الرسمية بأنه من أشد دول العالم شحاً بالمياه، وتشير منظمة الأغذية والزراعة إلى أن الموارد المائية المتجددة الداخلية للأردن تقارب 680 مليون متر مكعب سنوياً، وأن نحو نصف الأحواض الجوفية الرئيسية يتعرض لضخ يتجاوز السحب الآمن.
ولا يوفر حصاد المياه مورداً جديداً للمياه في الأردن، لكنه يحوّل جزءاً من الأمطار والجريان المائي السطحي - الذي قد يفقد سريعاً عبر التبخر أو السيول - إلى مخزون محلي يمكن استخدامه لاحقاً، ويشمل ذلك السدود الصغيرة والحفائر والخزانات والترسات الزراعية وتقنيات تجميع المياه في التربة.
وفي المناطق الزراعية والرعوية، قد تساعد هذه الأدوات على رفع رطوبة التربة وتحسين الغطاء النباتي وتوفير المياه والأعلاف في فترات الجفاف، وتظهر تجارب "إيكاردا" في البادية الأردنية، أن تصميم مواقع الحصاد وإدارتها يمكن أن يحسن توافر المياه وصحة التربة وموارد الرعي.

إعادة استخدام المياه المعالجة أقرب الحلول للزراعة
تمثل إعادة استخدام المياه العادمة المعالجة مساراً أكثر انتظاماً من انتظار مواسم المطر، فهي لا تضيف ماءً جديداً إلى دورة المياه، لكنها تسمح بتوجيه المياه المعالجة، بعد استيفاء معايير الجودة، إلى استخدامات زراعية مناسبة، بما يخفف الضغط على المياه العذبة المخصصة للشرب والصناعة.
وتصف "فاو" إعادة استخدام المياه المعالجة بأنها ركيزة أساسية ومتنامية في الاستراتيجية المائية الأردنية، في ظل استهلاك الزراعة الحصة الأكبر من المياه، وتكمن فائدتها الاقتصادية في تحسين تخصيص المورد النادر، فكل متر مكعب من المياه المعالجة يُستخدم بأمان في الري قد يتيح تحويل كمية من المياه العذبة إلى استخدامات أعلى قيمة أو أكثر حساسية صحياً.
ويشير البنك الدولي إلى أن إضافة نحو 31 مليون متر مكعب إلى قرابة 144 مليون متر مكعب من المياه المعالجة المخلوطة المعاد استخدامها سنوياً قد تساعد في تحرير مياه عذبة للاستخدامات البلدية والصناعية.
لكن نجاح هذا المسار لا يعتمد على محطة المعالجة وحدها، فالمياه يجب أن تصل إلى المزارعين بجودة ملائمة وكلفة قابلة للتحمل، وهو ما يتطلب شبكات نقل وضخ وخزانات ورقابة صحية واختيار المحاصيل المناسبة، وقد تصبح كلفة الضخ والنقل مرتفعة في بعض المناطق بسبب التضاريس، ما يجعل التمويل والطاقة جزءاً من معادلة المياه.
استمطار السحب.. أداة محتملة لا مصدر مضمون
طرحت المناقشات أيضاً دراسة إمكان تنفيذ مشروعات استمطار السحب، لكنها تظل في مرحلة بحث الإمكانات لا في مرحلة التشغيل، ولا يمكن التعامل معها بوصفها بديلاً ثابتاً عن إدارة المياه الجوفية أو توسيع المعالجة أو خفض الفاقد في الشبكات.
وتوضح المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، أن استمطار السحب لا يستطيع خلق السحب أو جلب بخار الماء إلى منطقة جافة أو تغيير أنماط الرياح، وقد توجد أدلة على زيادة الهطول في ظروف محددة، خاصة مع سحب شتوية وجبلية مناسبة، لكن النتيجة تعتمد على الطقس والخصائص الفيزيائية للسحب وطرق القياس.
كما يشير مكتب المساءلة الحكومي الأميركي إلى أن تقديرات الزيادة في الهطول الناتجة عن الاستمطار تراوحت في الدراسات بين 0 و20%، مع صعوبة في قياس الأثر بصورة مستقلة، ولذلك، قد يكون الاستمطار أداة مساندة للبحث، لا مورداً مائياً يمكن بناء الخطط الزراعية عليه وحده.
اقرأ أيضاً: أسعار الغذاء عالميا تتراجع.. لماذا ينخفض القمح ويرتفع السكر؟
من المياه إلى الأمن الغذائي
ينتقل أثر هذه الحلول إلى الأمن الغذائي عبر استقرار المياه المتاحة للمحاصيل والأعلاف، وتقليل خسائر الجفاف، وتخفيف المنافسة بين الري ومياه الشرب، لكنه لا يعني انخفاضاً تلقائياً في أسعار الغذاء أو إنهاء فجوة المياه، لأن ذلك يرتبط بحجم المشروعات، وانتظام الإمدادات، وكلفة الطاقة، وقدرة المزارعين على الوصول إلى المياه، وتزداد أهمية هذا المسار في منطقة تتعرض لصدمات المناخ والطاقة والتجارة.
لكن النتيجة الأهم، ليست تقنية واحدة، بل بناء منظومة تربط حصاد الأمطار، وإعادة الاستخدام الآمن، وكفاءة الري، وحماية الأحواض، وخفض الفاقد، وتمويل البنية التحتية، وعندها فقط يمكن أن يتحول كل متر مكعب متاح إلى حماية أكبر للزراعة والإنتاج الغذائي.
