تقارير اقتصادية

    حرب الجمارك العالمية تشتعل.. أوروبا تتوعد وترامب يصعّد

    •آخر تحديث •6 دقائق
    حرب الجمارك العالمية تشتعل.. أوروبا تتوعد وترامب يصعّد

    تشهد التجارة العالمية تصعيدًا حادًا بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فرض رسوم جمركية جديدة على عدة دول، في خطوة وصفها بأنها “تحرير اقتصادي” لإعادة التوازن التجاري لصالح الولايات المتحدة، وقد أثارت هذه القرارات استياءً واسعًا في أوروبا، حيث أكدت فرنسا والاتحاد الأوروبي عزمهما الرد بالمثل، في حين اختارت دول مثل المكسيك نهج التروي وعدم التصعيد الفوري، ومع تصاعد المخاوف من اندلاع حرب الجمارك العالمية، تلوح في الأفق اضطرابات اقتصادية قد تؤثر على الاستقرار العالمي.

    ووفقًا للبيت الأبيض، ستدخل هذه الرسوم الجمركية الجديدة حيز التنفيذ في 5 و9 أبريل. وتعتبر هذه القرارات تنفيذًا لأحد أبرز وعود حملة ترامب الانتخابية، التي وصفها بـ“أم المعارك التجارية”، وتهدف إلى إعادة التوازن التجاري لصالح الولايات المتحدة، بينما يحذر الخبراء من أنَّ هذه الخطوة قد تؤدي إلى أزمة اقتصادية عالمية.

    وفي هذا السياق، كتب ترامب في منشور عبر منصته “تروث سوشال”: “هذا هو يوم التحرير في الولايات المتحدة”، في إشارة إلى التغيير الكبير الذي يسعى لتحقيقه. كما أكدت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت أن “نهب أمريكا ينتهي اليوم”، مشددة على أن هذه الرسوم سيتم تطبيقها فورًا.

    ومن جانبه، حذَّر وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت الدول الأخرى من الرد على هذه الإجراءات، قائلاً: “استرخوا، تحملوا الضربة، وانتظروا لتروا كيف سيتطور الوضع، لأن أي رد قد يؤدي إلى تصعيد خطير”.

    هل يتجه العالم إلى حرب الجمارك العالمية ؟

    أكَّد الدكتور أحمد معطي، الخبير الاقتصادي، في تعليقه على تصريحات ترامب أنَّ الخطاب الأخير للرئيس الأمريكي دونالد ترامب يمثل نقطة تحول في السياسات التجارية العالمية؛ حيث أعلن ترامب عن فرض رسوم جمركية صارمة على الواردات الأجنبية، في خطوة وصفها بأنها تحرير اقتصادي وإعادة لعصر أمريكا الذهبي.

    وأوضح أنَّ أبرز ما جاء في خطاب ترامب هو فرض 25% رسوم جمركية على السيارات المستوردة، مشيرًا إلى أن هذا القرار دخل حيز التنفيذ فور الإعلان عنه، كما تمّ الإعلان عن فرض 10% كحد أدنى على جميع الواردات من مختلف الدول، اعتبارًا من 5 أبريل. وأشار ترامب إلى أنَّ هذه النسب سترتفع تدريجياً، إذ ستواجه الصين رسومًا تصل إلى 34%، حيث سيتم تطبيق 10% منها في 5 أبريل، يليها 24% إضافية في 9 أبريل.

    كما أكَّد معطي أنَّ الاتحاد الأوروبي أيضًا كان ضمن قائمة المستهدفين، حيث فُرضت عليه رسومً جمركية بنسبة 20%، وهو ما يثير العديد من التساؤلات حول مستقبل العلاقات التجارية بين الولايات المتحدة وحلفائها التقليديين. ولفت الخبير أيضًا إلى أنَّ بريطانيا حصلت على معاملة تفضيلية بفرض 10% فقط، وهو ما يمكن تفسيره على أنه إشارة ضمنية لتشجيع الدول الأخرى على الخروج من الاتحاد الأوروبي، نظرًا للفارق الواضح في الرسوم.

    إعادة الصناعات إلى الداخل الأمريكي

    أشار معطي إلى أنَّ هذه الخطوة تتماشى مع نهج ترامب الذي يهدف إلى إعادة الصناعات إلى الداخل الأمريكي، حيث ربط إلغاء الرسوم الجمركية بقيام الدول بفتح مصانع داخل الولايات المتحدة، مما يعكس سياسة اقتصادية تهدف إلى تقليل الاعتماد على الاستيراد ودعم الإنتاج المحلي. كما شدَّد على أن ترامب وجه تحذيرًا واضحًا للدول بعدم التلاعب بالعملات، مؤكدًا أن هذه الممارسات تؤثر سلبًا على الاقتصاد الأمريكي.

    تأثير القرار على الأسواق المالية

    أوضح معطي أن الذهب شهد ارتفاعًا بنسبة تتجاوز 3% ليصل إلى 3160 دولارًا للأونصة، في حين تراجع الدولار الأمريكي وسط مخاوف من تصعيد اقتصادي عالمي. كما تأثرت البورصات الأمريكية بشكل مباشر، حيث سجَّل مؤشر ناسداك انخفاضًا حادًا، بينما تراجع S&P 500 بنسبة 2%، في حين انخفضت أسعار النفط بشكل سريع من 75 دولارًا إلى 72.8 دولارًا للبرميل، نتيجة توقعات بتراجع الإنتاج الصناعي بسبب ارتفاع الرسوم الجمركية.

    ويتوقع  أحمد معطي أن يستمر تراجع أسعار النفط خلال الفترة المقبلة، حيث إن السياسات الحمائية التي يتبناها ترامب قد تؤدي إلى انكماش اقتصادي عالمي، ما يعني انخفاضًا في الطلب على النفط. كما أشار إلى أن الهدف النهائي لترامب هو خفض أسعار النفط داخليًا، مما قد يخفف من معدلات التضخم داخل الولايات المتحدة، لكنه قد يضر بقطاع الطاقة عالميًا.

    وأضاف معطي أن تصريحات وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت جاءت حادة، حيث أكَّد أن أيَّ دولة سترد بإجراءات جمركية انتقامية ستواجه ردًا أمريكيًا مماثلًا، وهو ما يعزز احتمالات اندلاع حرب تجارية عالمية، قد تؤثر على الاقتصاد العالمي بشكل غير مسبوق.

    ارتفاع تكاليف الإنتاج عالميًا

    حذر  الدكتور أحمد معطي من أنَّ هذه القرارات قد تؤدي إلى مرحلة جديدة من الاضطرابات الاقتصادية، حيث إن زيادة الرسوم الجمركية تعني ارتفاع تكاليف الإنتاج عالميًا، مما قد يؤدي إلى انكماش اقتصادي عالمي، خاصة إذا استمرت الدول في الرد بسياسات مماثلة. وأشار إلى أن الأسواق العالمية تترقب ردود الأفعال القادمة، وسط مخاوف من تأثير هذه الإجراءات على معدلات النمو والتضخم العالمي.

    واختتم الخبير تصريحاته قائلاً: “إن تصعيد ترامب في فرض الرسوم الجمركية قد يؤدي إلى اندلاع حرب تجارية عالمية، ستعيد تشكيل العلاقات الاقتصادية بين القوى الكبرى، في وقت لا يزال فيه الاقتصاد العالمي يعاني من تحديات كبرى”.

    اقرأ أيضًا: رسوم ترامب تهدد الصادرات العربية وتُربك الأسواق

    ردود فعل دولية على التعريفات الجمركية

    أعلن وزير الصناعة الفرنسي مارك بيرسي أن أوروبا سترد بشكل متناسب على الرسوم الجمركية التي يعتزم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فرضها، مؤكِّدًا أنَّ الاتحاد الأوروبي لن يقف مكتوف الأيدي أمام هذه القرارات، داعيًا الدول الأوروبية إلى إظهار القوة والتخلي عن السذاجة في التعامل مع سياسات ترامب التجارية، ومن المقرر أن يحدد الاتحاد الأوروبي رده النهائي بحلول نهاية أبريل.

    ومن جانبه، أكَّد وزير الصناعة الفرنسي أن أوروبا ستتخذ إجراءات مضادة، بينما عبّر وزير التجارة الفرنسي عن أمله في تجنب حرب تجارية، لكنه شدد على أن الاتحاد الأوروبي مستعد للرد، علمًا أنّ القطاعات الأكثر تضررًا من الرسوم الأمريكية هي النبيذ الفرنسي، والسيارات، والأجبان، والسلع الفاخرة، وطائرات “إيرباص”.

    بدوره، حذر وزير المالية الفرنسي من أن فرض رسوم بنسبة 25% على السيارات الأوروبية سيكون “نبأً سيئًا للغاية”، وطالب الاتحاد الأوروبي برفع رسوم جمركية مضادة على المنتجات الأمريكية.

    على المستوى الأوروبي، أكَّدت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، أنَّ الاتحاد لديه خطة جاهزة للرد، فيما اعتبرت كريستين لاغارد، رئيسة البنك المركزي الأوروبي، أنَّ هذه الأزمة قد تكون “بداية استقلال أوروبا اقتصاديًا”، لكنها حذرت من أنَّ الحرب التجارية ستكون خاسرة للجميع، داعية إلى أن تتحكم أوروبا في مصيرها الاقتصادي.

    في المقابل، اتخذت المكسيك موقفًا أكثر هدوءًا، حيث أكدت رئيسة البلاد كلاوديا شينباوم أن المكسيك لن تتبع سياسة “العين بالعين” في الرد على الرسوم الجمركية الأمريكية. وأشارت إلى أن بلادها ستتخذ بعض التدابير، لكنها تفضل الاستمرار في الحوار مع واشنطن.

    اقرأ أيضًا: هل تقود سياسات ترامب التجارية أمريكا إلى عزلة اقتصادية؟

    هل هناك خطوات فعلية حتى الآن؟

    رغم التصريحات القوية، لم تعلن الدول الأوروبية -حتى الآن- عن أيّ إجراءات فعلية للرد على الرسوم الأمريكية، ولا يزال المسؤولون الفرنسيون والأوروبيون ينتظرون الخطوات الأمريكية النهائية قبل اتخاذ قرارات رسمية، لكن المؤكد حتى الآن أنَّ الرد سيكون بالمثل؛ حيث سيتم فرض رسوم على الصادرات الأمريكية إلى أوروبا وفرنسا.

    كما لم تظهر ردود فعل شعبية واسعة ضد المنتجات الأمريكية إلى هذه اللحظة، لكن بعض الحوادث أثارت الجدل، مثل إحراق 12 محطة شحن لسيارات “تسلا” في فرنسا، وهو ما ربطه البعض بمواقف إيلون ماسك المؤيدة لترامب، كما تأثرت مبيعات “تسلا” في السوق الأوروبية، حيث انخفضت بنسبة 36-38% في مارس، لتسجل أدنى مبيعات ربع سنوية منذ 2021، وسط منافسة قوية من السيارات الصينية والأوروبية. 

    وفي النهاية، يبدو أنّ التصعيد الأمريكي الأخير يضع الاقتصاد العالمي أمام مفترق طرق، حيث تخشى الدول الأوروبية من الدخول في حرب تجارية شاملة تؤثر على الاستثمارات والتجارة الدولية. ومع استمرار السياسات الحمائية لترامب، يبقى السؤال: هل ستتمكّن أوروبا من مواجهة هذه التحديات، أم ستسعى إلى تسوية سياسية قبل فوات الأوان؟

    قد يهمّك أيضًا: رسوم ترامب تهدد هيمنة السيارات الألمانية في السوق الأمريكية