بعد الضربة الإسرائيلية على إيران صباح اليوم، السبت، 28 فبراير، عادت المخاوف بقوة إلى الأسواق المالية العالمية، وسط حالة من الترقب الحذر بين المستثمرين، فالأسواق بطبيعتها تتفاعل سريعًا مع التطورات الجيوسياسية، خاصةً الذهب والطاقة وسلاسل الإمداد.
وفي هذا السياق، أكد محمد محمود، الباحث الاقتصادي، أن حرب إيران وإسرائيل –أو ما يمكن وصفه بالعدوان الإسرائيلي–الأمريكي على إيران– كانت متوقعة منذ عدة أسابيع، لكن هذه الحرب تختلف عن صراعات سابقة لأنها أقرب إلى حرب وجودية، ما يجعل تأثيراتها الاقتصادية أكثر عمقًا واتساعًا.
وأوضح أنَّ العالم يعيش حاليًا في مرحلة شديدة الاضطراب، يمكن وصفها بأنها حقبة صدامية سياسيًا واقتصاديًا، لافتًا إلى أن الأشهر الأخيرة شهدت سلسلة من الاضطرابات الممتدة من فنزويلا إلى إيران، إلى ملفات داخلية أمريكية شملت سياسات الرسوم الجمركية والصدامات المؤسسية داخل الولايات المتحدة نفسها، وهو ما خلق حالة عالمية من عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي.
احتمال إغلاق مضيق هرمز
وأكد محمد محمود أن أول وأبرز التأثيرات العالمية ستكون على سعر برميل النفط، نظرًا للموقع المحوري لإيران في لوجستيات الطاقة العالمية؛ حيث يقع جزء من مضيق هرمز -الذي يمر عبره جزء ضخم من تجارة النفط العالمية- داخل الأراضي الإيرانية، والجزء الآخر تشاركه فيه سلطنة عمان، ورغم كونه ممرًا دوليًا فإن لإيران شبه سيطرة عملية عليه.
وأشار الخبير إلى أنه مع تصاعد العمليات العسكرية، قد تلجأ إيران إلى إغلاق مضيق هرمز، وهو ما سيؤدي إلى ارتفاع كبير في أسعار النفط. وأضاف أنه لا يوجد حتى الآن سيناريو واضح لمدة الحرب؛ فبعض التقديرات ترى أنها قد تكون قصيرة، فيما يرى آخرون أنها قد تمتد لأشهر، موضحًا أن مدة الحرب ستتحدد بمدى الصمود الإيراني وقوة الردع التي تمتلكها طهران، خاصة أن إسرائيل –بحسب وصفه– لديها نقطة ضعف استراتيجية تتمثل في أنها لا تخوض الحرب على أرض بعيدة، بل تبقى هدفًا ثابتًا، كما أن القواعد الأمريكية في الخليج تمثل أهدافًا محتملة، ما يجعل مسرح العمليات يمتد بين إيران والخليج وإسرائيل.
وأكد أن مدة الحرب ستنعكس مباشرة على أسعار النفط، وأن أي ارتفاع كبير في الأسعار سيقود إلى موجة تضخم عالمية جديدة، والعالم كان يتجه مؤخرًا نحو تثبيت أو خفض أسعار الفائدة، في ظل توجهات تيسيرية للسياسة النقدية، إلا أن التضخم الناتج عن الحرب قد يدفع البنوك المركزية، وعلى رأسها الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، إلى تغيير الاتجاه والعودة لرفع أسعار الفائدة.
الذهب هو المستفيد الأكبر
لفت الباحث الاقتصادي إلى وجود صدام مؤسسي سابق بين رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول والرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول توجهات أسعار الفائدة، موضحًا أن الحرب إذا تسببت في موجة تضخمية جديدة، فقد تفرض على البنوك المركزية سياسات نقدية أكثر تشددًا، وهو ما سيكون له أثر سلبي على الاستثمار وحركة الأسواق المالية العالمية، ويخلق حالة من الارتباك وعدم اليقين.
وأضاف أن الذهب سيكون من أبرز المستفيدين، باعتباره الملاذ الآمن التقليدي في أوقات الأزمات، مشيرًا إلى أن الذهب وصل بالفعل إلى مستويات قياسية، ومن المتوقع أن يستمر في الارتفاع طالما استمرت العمليات العسكرية. كما أكد أن حالة عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي، خاصة في ظل الإدارة الأمريكية الحالية التي وصفها بأنها تدار بأسلوب فردي غير مؤسسي، ستبقي الذهب في حالة تقلبات حادة وارتفاعات قوية خلال السنوات المقبلة.
اقرأ أيضًا: ارتفاع أسعار الذهب.. هل تقترب الأوقية من 6000 دولار؟
تأثير حرب إيران وإسرائيل على الطاقة
تناول محمود تأثير الحرب على سلاسل الإمداد العالمية، مؤكدًا أنها ستتأثر بشكل مباشر، خاصة إذا أصبحت ناقلات النفط أو الحاويات أهدافًا مشروعة في مسرح العمليات، سواء في مضيق هرمز أو باب المندب، وأوضح أن استهداف ناقلة واحدة فقط قد يؤدي إلى ارتفاع كبير في تكاليف التأمين والشحن البحري، ما سينعكس في النهاية على أسعار السلع للمستهلك النهائي في الولايات المتحدة والعالم.
وأشار الباحث الاقتصادي إلى أن الدول المستوردة للطاقة ستكون الأكثر تضررًا، إذ سيؤدي ارتفاع أسعار النفط إلى زيادة عجز موازناتها، خاصة في الدول التي تعاني بالفعل من اختلالات هيكلية في المالية العامة، موضحًا أن الحكومات قد تضطر إلى طباعة النقد أو إصدار أدوات دين مثل أذون وسندات الخزانة، والتي ستكون تكلفتها مرتفعة في ظل التوترات العالمية، ما يعمّق العجز المالي.
وفي المقابل، أشار إلى أن الدول الخليجية المصدرة للنفط قد تحقق مكاسب من ارتفاع الأسعار، بما يخفف من عجز موازناتها، إلا أن التأثيرات السلبية قد تكون أعمق، خاصة فيما يتعلق بقطاع السياحة والنقل الجوي والبحري، واحتمالات استهداف البنية التحتية الحيوية في الخليج، فضلًا عن حالة الذعر المؤقتة التي قد تصيب البورصات الخليجية.
واختتم محمد محمود تصريحاته بالتأكيد على أن المنطقة تدخل مرحلة دقيقة للغاية، وأن حجم التأثيرات الاقتصادية سيعتمد في المقام الأول على مدة الحرب ومستوى التصعيد، مشددًا على أن إدارة المخاطر والاستعداد المسبق هما العاملان الحاسمان لتقليل الخسائر في بيئة دولية تتسم بقدر كبير من عدم اليقين.
هل تتأثر الأسواق الخليجية بالحرب؟
من جانبها، أكدت حنان رمسيس، خبيرة أسواق المال، أن أي تصعيد عسكري تشهده المنطقة ستكون له انعكاسات سلبية ومباشرة على الأسواق المالية، لا سيما الأسواق القريبة جغرافيًا من بؤرة الأحداث، موضحة أن حجم التأثر يختلف من سوق لآخر وفقًا لمدى انكشافه على المخاطر الجيوسياسية وحساسية المستثمرين تجاه التطورات الإقليمية.
وأوضحت رمسيس أن الأسواق الخليجية، وفي مقدمتها أسواق الإمارات والسعودية والبحرين، مرشحة لمزيد من التراجعات في ظل الهجمات الإسرائيلية–الأمريكية على إيران، مشيرة إلى أن هذه الأسواق كانت تعاني بالفعل من أداء سلبي خلال الفترة الماضية نتيجة المخاوف المرتبطة بأوضاع المنطقة. وأضافت أن التصعيد الحالي قد يؤدي إلى تعميق موجة التصحيح القائمة، ويضغط بصورة أكبر على القيم السوقية للشركات المدرجة، خاصة في ظل استمرار حالة الترقب والحذر بين المستثمرين.
وأضافت أن حالة عدم اليقين التي تصاحب التوترات العسكرية تدفع عادة المستثمرين إلى تقليص مراكزهم في الأصول عالية المخاطر، ما ينعكس في صورة ضغوط بيعية متزايدة وانخفاض في مستويات السيولة، وأكدت أن استمرار التوتر لفترة أطول من المتوقع قد يزيد من حدة التراجعات، خاصة إذا اتسع نطاق المواجهة أو تأثرت حركة التجارة وسلاسل الإمداد والطاقة في المنطقة.
الآثار المحتملة على السوق المصري
أوضحت رمسيس أنَّ السوق المصري دخل خلال الفترة الماضية في موجة تصحيح نتيجة المبيعات المكثفة من المستثمرين العرب والأجانب، إلا أن جلسات نهاية شهر فبراير شهدت تحولًا نسبيًا في الاتجاه مع عودة بعض القوى الشرائية بشكل تدريجي.
وأشارت الخبيرة إلى أنَّ السوق المصري قد يستمر في التحرك داخل نطاقات عرضية محدودة إلى أن تعتاد الأسواق خبر الحرب، مؤكدة أن التجارب السابقة، ومن بينها تداعيات حرب غزة، أظهرت قدرة السوق المصري على استيعاب الصدمات تدريجيًا، خاصة مع عودة المؤسسات إلى تكوين مراكز شرائية جديدة.
ولفتت إلى أن المؤشر الرئيس للبورصة المصرية تراجع خلال الأسبوع الماضي بنسبة 3.38% ليغلق عند مستوى 12,296 نقطة، كما انخفض مؤشر EGX30 بنسبة 2.87% ليغلق عند مستوى 29,262 نقطة، وهو ما يعكس استمرار الضغوط البيعية في ظل حالة الترقب وعدم وضوح الرؤية، لكنَّها أوضحت أن عودة المؤسسات بقوة إلى السوق قد تدفع نحو حدوث ارتدادات فنية، وإن ظلت حركة التداول محكومة بمستويات دعم ومقاومة واضحة لحين اتضاح المسار السياسي والعسكري للأحداث.
وأضافت أن هناك بعض العوامل التي قد تمنح السوق المصري قدرًا من الدعم، من بينها المراجعة الدورية للمؤشرات العالمية التي أسفرت عن زيادة الوزن النسبي لعدد من الأسهم القيادية مثل البنك التجاري الدولي وطلعت مصطفى وقطاع الاتصالات، وهو ما قد يخفف من حدة التراجعات ويدعم استقرار المؤشرات نسبيًا، وأكدت أن السوق المصري يُعد من الأسواق النشطة في المنطقة، وقد يتمكن من الانفصال جزئيًا عن التأثيرات المباشرة للحرب إذا استمرت العوامل الداخلية الإيجابية وتواصلت عمليات الشراء المؤسسي.
واختتمت حنان رمسيس تصريحاتها بالتأكيد على أن الاستقرار والأمان يمثلان الركيزة الأساسية لازدهار التداولات في أي سوق مالي، إلا أن فترات الأزمات قد تخلق في الوقت نفسه فرصًا استثمارية مهمة لمن يمتلك رؤية واضحة وقدرة على إدارة المخاطر بشكل مدروس.
كما شددت الخبيرة على أن اتجاهات الأسواق خلال الفترة المقبلة ستتحدد وفقًا لتطور مسار الأحداث، سواء اتجهت نحو التهدئة والدخول في مفاوضات، أو استمر التصعيد العسكري لفترة أطول، وهو ما قد ينعكس سلبًا على مستويات السيولة وربما يؤدي في بعض الحالات إلى تعليق التداولات في بعض الأسواق إذا تفاقمت الأوضاع.
اطلّع على مستجدات الصراع: هل تنضم أوروبا للحرب على إيران.. تحول استراتيجي أم ردع دفاعي؟
