واصل الذهب تسجيل قفزات تاريخية في الأسواق العالمية خلال تعاملات أمس الثلاثاء، ليقترب من حاجز 4500 دولار للأوقية، مدفوعًا بتصاعد حدة التوترات الجيوسياسية عالميًا، إلى جانب تنامي توقعات الأسواق باتجاه مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي لبدء دورة خفض أسعار الفائدة خلال الفترة المقبلة، وهو ما عزز الإقبال على المعدن الأصفر باعتباره ملاذًا آمنًا في أوقات عدم اليقين.
الذهب يطرق أبواب الـ 4500 دولار
وفقًا لتقرير صادر عن منصة “آي صاغة”، افتتح الذهب تعاملات الثلاثاء على ارتفاع قياسي، بعدما لامست الأوقية أعلى مستوى لها على الإطلاق، مسجلة نحو 4493 دولارًا، ثم تراجعت مرة أخرى إلى 4474 دولار، في ظل بيئة عالمية تتسم باضطرابات سياسية واقتصادية متزايدة، وتوقعات بأن يحقق الذهب مكاسب تراكمية تقترب من 70% خلال عام 2025.
وأوضح التقرير أن موجة الصعود الحالية تعكس مزيجًا معقدًا من العوامل الداعمة، يأتي في مقدمتها تصاعد المخاطر الجيوسياسية، واستمرار الغموض بشأن مستقبل الاقتصاد العالمي، ما دفع المستثمرين إلى زيادة مراكزهم في الذهب كأداة تحوط رئيسية ضد التقلبات الحادة في الأسواق المالية.
كما لعبت التوقعات المتزايدة بخفض أسعار الفائدة الأمريكية دورًا محوريًا في دعم أسعار الذهب، إذ يؤدي تراجع الفائدة إلى خفض تكلفة الفرصة البديلة لحيازة المعدن الذي لا يدر عائدًا، وهو ما يعزز جاذبيته مقارنة بالأصول الأخرى، وأشارت تقديرات الأسواق إلى احتمال تنفيذ عدة تخفيضات للفائدة خلال عام 2026، في ظل تباطؤ نسبي في وتيرة التضخم وتراجع زخم نمو سوق العمل في الولايات المتحدة.
اقرأ أيضًا: صعود أسعار الذهب عالميًا بدعم المخاطر الجيوسياسية
الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي تحت مجهر المستثمرين
يترقب المستثمرون صدور القراءة الأولية للناتج المحلي الإجمالي الأمريكي للربع الثالث، وسط توقعات بتسجيل نمو سنوي يبلغ 3.2%، مقارنة بمعدل 3.8% في الربع الثاني. وأشارت التقديرات إلى أن صدور بيانات أقوى من المتوقع قد يمنح الدولار دعمًا مؤقتًا، ما قد يفرض ضغوطًا محدودة على أسعار السلع المقومة به، وعلى رأسها الذهب، على المدى القصير.
وتتزامن هذه الترقبات مع صدور حزمة من البيانات الاقتصادية الأمريكية المهمة، تشمل بيانات السلع المعمرة، والإنتاج الصناعي، إلى جانب تقرير التوظيف الأسبوعي الصادر عن مؤسسة ADP، وهي مؤشرات من شأنها أن تلعب دورًا في إعادة تسعير توقعات السياسة النقدية الأمريكية خلال الفترة المقبلة.
وعلى صعيد التطورات السياسية، ذكرت رويترز أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب صرّح بإمكانية احتفاظ الولايات المتحدة بالنفط الذي جرى الاستيلاء عليه مؤخرًا قبالة السواحل الفنزويلية، مع الإبقاء على السفن المصادرة، في خطوة أثارت تساؤلات بشأن تداعياتها على أسواق الطاقة والتوازنات الجيوسياسية في المنطقة.
وفي السياق ذاته، أفادت بي بي سي بتكثيف روسيا غاراتها الجوية على منطقة أوديسا جنوب أوكرانيا، ما أدى إلى انقطاعات واسعة في التيار الكهربائي، وهدد البنية التحتية البحرية، وهو ما زاد من حدة المخاوف بشأن اتساع رقعة الصراع وتأثيراته المحتملة على التجارة العالمية وسلاسل الإمداد.
أما على صعيد السياسة النقدية، فقد قال محافظ الاحتياطي الفيدرالي ستيفن ميران إنه قد يستمر في منصبه إلى حين مصادقة مجلس الشيوخ على المرشح الجديد لرئاسة البنك المركزي، المقرر تسميته قبل انتهاء ولاية جيروم باول في مايو المقبل، وفي الوقت نفسه، تُظهر أداة CME FedWatch أن احتمالات خفض أسعار الفائدة في اجتماع يناير لا تزال محدودة، ولا تتجاوز 20%.
أسباب زيادة الطلب على الذهب
أشار التقرير إلى أن حالة عدم اليقين المحيطة بالرسوم الجمركية الأمريكية، إلى جانب الطلب القوي من صناديق المؤشرات المتداولة والبنوك المركزية، أسهمت في دفع أسعار الذهب لتجاوز مستوى 4000 دولار للأوقية خلال عام 2025، في تطور يعكس تحولًا هيكليًا في أنماط الطلب العالمي على المعدن النفيس.
ومع دخول مصادر طلب جديدة إلى السوق، من بينها شركات التأمين الصينية الكبرى، إضافة إلى تنامي اهتمام مجتمع العملات المشفرة بالذهب كأصل تحوطي، رجح جيه بي مورجان إمكانية صعود الذهب إلى مستوى 5055 دولارًا للأوقية بنهاية عام 2026.
وقالت ناتاشا كانيفا، رئيسة استراتيجية السلع العالمية في البنك، إن موجة الصعود الحالية قد تشهد فترات من التقلب، لكنها تعكس في جوهرها اتجاهًا طويل الأجل لم يستنفد زخمه بعد، مدعومًا بتوجه البنوك المركزية نحو تنويع الاحتياطيات الرسمية، إلى جانب تنامي استثمارات الأفراد في الذهب، وهو ما قد يدفع الأسعار نحو مستوى 5000 دولار للأوقية بحلول نهاية 2026.
اقرأ أيضًا: رهانات خفض الفائدة تشعل أسواق الذهب
زيادة في الطلب في الربع الثالث من 2025 بنسبة 50٪
بدوره، أوضح جريجوري شيرر، رئيس استراتيجية المعادن الأساسية والثمينة في البنك، أن إجمالي طلب المستثمرين والبنوك المركزية بلغ نحو 980 طنًا خلال الربع الثالث من 2025، بزيادة تتجاوز 50٪ مقارنة بمتوسط الفصول الأربعة السابقة، وهو ما يعادل تدفقات فصلية تقترب من 109 مليارات دولار.
وتتوقع جيه بي مورجان استمرار قوة الطلب خلال عام 2026، مع متوسط طلب فصلي يُقدر بنحو 585 طنًا، موزع بين البنوك المركزية وطلب السبائك والعملات وصناديق المؤشرات المتداولة، وأكد البنك أن كل زيادة بمقدار 100 طن فوق مستوى 350 طنًا من الطلب الفصلي قد ترفع سعر الذهب بنحو 2٪ على أساس فصلي.
كما رجّح التقرير استمرار مشتريات البنوك المركزية عند مستويات مرتفعة، وإن كانت أقل من ذروة السنوات الماضية، مشيرًا إلى أن حيازات البنوك المركزية العالمية من الذهب بلغت نحو 36,200 طن، تمثل قرابة 20٪ من إجمالي الاحتياطيات الرسمية بنهاية عام 2024.
وفيما يتعلق بسلوك المستثمرين، توقّع البنك تدفقات بنحو 250 طنًا إلى صناديق المؤشرات خلال 2026، مع تجاوز الطلب السنوي على السبائك والعملات مستوى 1200 طن. وأشار شيرر إلى أن حصة الذهب من إجمالي أصول المستثمرين مرشحة للارتفاع إلى ما بين 4٪ و5٪ خلال السنوات المقبلة، مدعومة باتجاه هيكلي متزايد نحو تنويع المحافظ الاستثمار_toggle.
وخلص تقرير جيه بي مورجان إلى أن محدودية مرونة المعروض من المناجم، بالتوازي مع الطلب القوي والمتنامي، قد تعجّل بوصول الذهب إلى مستويات قياسية جديدة، مع توقع متوسط سعر يبلغ 5055 دولارًا للأوقية في الربع الأخير من 2026، وإمكانية صعوده إلى نحو 5400 دولار بحلول نهاية عام 2027.
تراجع الثقة في استقرار المنظومة المالية
ومن جانبه، أكد هاني توفيق الخبير الاقتصادي، أن الذهب سيواصل مساره الصعودي مدفوعًا بحالة غير مسبوقة من عدم اليقين تهيمن على الاقتصاد العالمي، في ظل اضطرابات مرشحة للامتداد إلى مختلف أسواق المال خلال المرحلة المقبلة.
وأوضح توفيق أن الارتفاع المستمر في أسعار الذهب لا يمكن اعتباره حركة مضاربية مؤقتة أو موجة صعود عابرة، بل يعكس فقدانًا متزايدًا للثقة في استقرار المنظومة المالية العالمية، وتصاعد المخاطر الجيوسياسية والاقتصادية، إلى جانب غموض توجهات السياسات النقدية في الاقتصادات الكبرى، وهو ما يدفع المستثمرين عالميًا إلى البحث عن أدوات تحوط حقيقية، وفي مقدمتها الذهب.
وأضاف أن الذهب بات اليوم مؤشرًا مباشرًا على حجم القلق المسيطر على الأسواق الدولية، مشيرًا إلى أن التحولات المتسارعة في مراكز القوة الاقتصادية، وتزايد الضغوط على النظام النقدي العالمي، يعززان من مكانة المعدن الأصفر كأصل استراتيجي وليس مجرد مخزن تقليدي للقيمة.
وأكد الخبير الاقتصادي أن المؤشرات الداعمة لهذا التوجه أصبحت واضحة وملموسة، لافتًا إلى أن التحليلات المصاحبة لتوصياته السابقة عكست بدقة المسار المتوقع للأسواق، سواء من حيث تصاعد حالة عدم اليقين العالمي، أو من حيث التحول المتزايد نحو الذهب كملاذ آمن في مواجهة تقلبات الأسواق وتآكل الثقة في الأدوات المالية التقليدية.
اقرأ أيضًا: الذهب الصيني الجديد.. هل يُعيد تشكيل خريطة سوق المعدن الأصفر؟
أهمية إعادة هيكلة المحافظ الاستثمارية
وشدد توفيق على أن المرحلة المقبلة مرشحة لمزيد من التقلبات الحادة، معتبرًا أن إعادة هيكلة المحافظ الاستثمارية لم تعد خيارًا تكتيكيًا، بل ضرورة فرضتها بيئة عالمية تتراجع فيها القدرة على التنبؤ طويل الأجل، وتتصاعد فيها المخاطر النظامية التي تضرب أسس الاستقرار المالي.
واختتم هاني توفيق تصريحاته بالتأكيد على أن الذهب سيظل في صدارة المشهد الاستثماري خلال الفترة المقبلة، ليس فقط باعتباره ملاذًا آمنًا، بل كترجمة مباشرة لأزمة الثقة التي يمر بها النظام المالي العالمي، داعيًا المستثمرين إلى قراءة المشهد بواقعية وهدوء، بعيدًا عن التفاؤل المفرط أو الاعتماد على نماذج اقتصادية فقدت صلاحيتها في عالم يتسم بسرعة الاضطراب وتغير موازين القوى.
اقرأ أيضًا: الذهب والفضة يواصلان الارتفاع وسط ضبابية الاقتصاد الأمريكي
