اقتصادات عالمية

    ثروات النيجر ومصالح فرنسا: ما وراء الصراع على اليورانيوم؟

    •آخر تحديث •4 دقائق
    ثروات النيجر ومصالح فرنسا: ما وراء الصراع على اليورانيوم؟

    أثار الانقلاب العسكري في النيجر، الذي أطاح بالرئيس محمد بازوم، ردود فعل إقليمية ودولية واسعة، كان أبرزها وأكثرها حدّة الموقف الفرنسي، في ظل ما تمتلكه باريس من مصالح استراتيجية عميقة في هذا البلد الواقع في قلب الساحل الإفريقي. ويأتي هذا التصعيد في وقت بات فيه النفوذ الفرنسي في القارة مهدداً، على وقع موجة الانقلابات المتتالية التي شهدتها دول مثل مالي وبوركينا فاسو.

    وتحظى النيجر باهتمام غربي كبير، ليس فقط لأهميتها الجيوسياسية، بل أيضاً لما تختزنه من ثروات طبيعية استراتيجية، في مقدمتها اليورانيوم، الذي يشكل عنصراً حيوياً في مزيج الطاقة الفرنسي؛ إذ تغطي النيجر نحو ثلث واردات فرنسا من اليورانيوم المستخدم في تشغيل محطاتها النووية، والتي توفر ما يقارب 70% من إجمالي إنتاج الكهرباء في البلاد.

    الدور الاستراتيجي لليورانيوم النيجري في أوروبا

    اُكتشف اليورانيوم في النيجر عام 1957، وبدأ الإنتاج التجاري له عام 1971، وتضم البلاد منجمين رئيسَين هما أرليت وأكوكان، يساهمان بنحو 5% من الإنتاج العالمي لليورانيوم، وفقاً لبيانات الرابطة النووية العالمية.

    وبحسب وكالة الطاقة النووية التابعة للاتحاد الأوروبي، احتلت النيجر في عام 2021 المرتبة الأولى ضمن قائمة موردي اليورانيوم إلى دول الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2022، ارتفعت صادراتها بنسبة 2.39%، لتشكّل وحدها نحو 25% من إجمالي واردات الاتحاد الأوروبي من هذا المعدن الاستراتيجي.

    ورغم هذه الأهمية، تراجعت النيجر عن صدارة الإنتاج العالمي، بعدما تفوقت عليها كازاخستان، التي أصبحت المورد الأكبر لليورانيوم إلى الاتحاد الأوروبي.

    ولا يقتصر استيراد اليورانيوم من النيجر على أوروبا فقط، إذ تُعد الولايات المتحدة من بين الدول المستوردة، وإن لم تكن ضمن أكبر خمسة مستوردين لهذا المعدن من النيجر.

    توسع الاستثمارات الخليجية في قطاع الطاقة بإفريقيا

    منجم يورانيوم مكشوف كبير في منطقة أرليت، النيجر.

    ثروات طبيعية واعدة في النيجر

    بالإضافة إلى اليورانيوم، تُعدّ النيجر دولة ذات أهمية عالمية في إنتاج الذهب، إذ تحتل المرتبة السابعة والعشرين عالميًا في هذا المجال، ما يمنحها وزنًا نسبيًا في أسواق المعادن النفيسة.

    كما يُعد النفط أحد الموارد الواعدة التي قد تُسهم في إدراج النيجر على الخارطة العالمية للطاقة، إذ يبلغ إنتاج البلاد نحو 20 ألف برميل يوميًا، يُستهلك معظمها محليًا، أو يُنقل برًا إلى نيجيريا المجاورة، وفقًا لتقرير صادر عن مؤسسة ستاندرد آند بورز غلوبال.

    وتُعد شركة البترول الوطنية الصينية المنتج الأبرز للنفط في النيجر، حيث تخطط لرفع الإنتاج خلال العام الجاري إلى نحو 110 آلاف برميل يوميًا، بالتزامن مع اكتمال خط الأنابيب الرابط بين النيجر وبنين، والذي أُنجز منه حتى الآن نحو 75%. وتشير تقديرات منظمة منتجي النفط الأفريقيين إلى أن احتياطيات النيجر من النفط الخام تُقدّر بنحو مليار برميل.

    نمو الاقتصاد النيجري وتحديات الدين العام

    قدّر البنك الدولي نمو الاقتصاد النيجري خلال عام 2022 بنحو 11.5%، مدفوعًا بارتفاع الإنتاج الزراعي بنسبة 27%، نتيجة موسم أمطار فاق المعدلات المعتادة، وهو ما عوّض فعليًا التراجع المسجّل في أنشطة التعدين والتصنيع داخل البلاد.

    من جهته، أشار البنك الأفريقي للتنمية في تقرير له إلى ارتفاع الدين العام بشكل طفيف خلال عام 2022 ليصل إلى 51.2% من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بـ50.9% في عام 2021، موضحًا أن القروض الخارجية شكّلت نحو 65% من إجمالي الدين العام.

    ولفت التقرير إلى اتساع عجز الموازنة ليبلغ 6.6% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2022، مقارنة بـ6.1% في عام 2021، ويُعزى ذلك إلى ارتفاع مستويات الإنفاق العام، حيث جرى تمويل هذا العجز في المقام الأول من الموارد الخارجية، ولا سيما المنح.

    تراجع تمويل الصين لإفريقيا.. نهاية عصر المليارات

    الأمن الغذائي

    على صعيد التضخم، أدّت الارتفاعات في أسعار السلع العالمية، إلى جانب الضغوط المستمرة على أسواق الغذاء، إلى دفع معدلات التضخم إلى أعلى مستوى لها منذ عشر سنوات، لتسجل 4.2% في عام 2022، مقابل 3.8% في عام 2021.

    في المقابل، لا يزال انعدام الأمن الغذائي يشكّل تحديًا واسع النطاق في النيجر، لا سيما في المناطق المتأثرة بنشاط الجماعات المسلحة، حيث يقيّد العنف وما يرافقه من نزوح قسري، الإنتاج الزراعي ويحدّ من الوصول إلى الأسواق، وبناءً على ذلك يُرجّح أن يواجه نحو 3.3 مليون شخص في النيجر مستويات متفاقمة من انعدام الأمن الغذائي الحاد.

    سلاح المساعدات الدولية ضد الإرهاب

    منح الموقع الجغرافي للنيجر داخل القارة الأفريقية، وكونها عضوًا في مجموعة دول الساحل الخمس، دورًا محوريًا في مواجهة الجماعات المسلحة المتحالفة مع تنظيمي “داعش” و”القاعدة”، والناشطة في المنطقة.

    وفي هذا السياق، تنتشر قوات غربية في البلاد لدعم جهود مكافحة الإرهاب، إذ ذكرت صحيفة نيويورك تايمز أن النيجر تستضيف نحو 1100 جندي أمريكي، وأكثر من 1500 جندي فرنسي، إضافة إلى وجود عدة قواعد للطائرات المسيّرة.

    هذا الواقع دفع الدول الغربية إلى تقديم مساعدات واسعة للنيجر، التي تُعد من أفقر دول العالم، إلا أن الانقلاب الأخير دفع عددًا من هذه الدول إلى تعليق مساعداتها، فيما لوّحت دول أخرى باتخاذ خطوة مماثلة.

    وكانت فرنسا سبّاقة في تعليق مساعداتها، التي قُدّرت العام الماضي بنحو 131.6 مليون دولار، وتبعتها ألمانيا بإعلان تعليق المساعدات المتفق عليها منذ عام 2021، والتي تبلغ قيمتها 131.6 مليون دولار. كما تخطط دول أخرى، أبرزها بريطانيا والولايات المتحدة، لتعليق مساعداتها، رغم عدم صدور مواقف رسمية نهائية حتى الآن.

    وفي هذا الإطار، أكدت فيكتوريا نولاند، القائمة بأعمال نائب وزير الخارجية الأمريكي، خلال زيارتها إلى نيامي وإجرائها محادثات وصفتها بـ”الصريحة والصعبة” مع كبار مسؤولي المجلس العسكري، أنها ناقشت ملفات المساعدة الاقتصادية وغيرها من أشكال الدعم التي قد تتعرض للخطر، في حال عدم “استعادة النظام الديمقراطي”.

    الاقتصاد العالمي.. أزمات متلاحقة