تقارير اقتصادية

    تونس.. قانون الهجرة مقابل المال يثير الجدل

    •آخر تحديث •4 دقائق
    تونس.. قانون الهجرة مقابل المال يثير الجدل

    في خطوة مثيرة للجدل، يعتزم نواب في البرلمان التونسي عرض مشروع قانون جديد يهدف إلى الحد من هجرة الأدمغة والكفاءات من البلاد، ويقترح هذا القانون الذي أطلق عليه الشارع التونسي قانون الهجرة مقابل المال، فرض تعويضات مالية على المهندسين والأطباء الذين يختارون العمل خارج تونس، حيث يُطلب منهم دفع جزء من تكاليف تعليمهم الجامعي التي تكبدتها الدولة التونسية، وذلك في محاولة لاسترداد بعض من الأموال التي استثمرتها في تعليم هؤلاء الأفراد.

    تفاصيل مشروع قانون الهجرة مقابل المال

    وفقاً لما ذكرته النائبة فاطمة المسدي في منشور لها على فيسبوك، ينص مشروع القانون على إلزام خريجي الجامعات التونسية في مجالات الطب والهندسة والتخصصات التقنية العالية، الذين يقررون العمل في الخارج خلال السنوات الخمس الأولى بعد التخرج، بتسديد 50% من تكاليف دراستهم الجامعية إلى الدولة التونسي، ويتمُّ سداد المبلغ على أقساط سنوية وفقاً لجدول زمني يتم الاتفاق عليه بين الخريج ووزارة التعليم العالي.

    ووفقاً للمسدي، فإنَّ المشروع يستثني الخريجين الذين يعودون للعمل في تونس قبل انقضاء الخمس سنوات، بشرط أن يعملوا في البلاد لمدة لا تقل عن ثلاث سنوات متتالية، وأضافت أنَّ الأموال المحصلة من هذا البرنامج سيتم تخصيصها لتحسين جودة التعليم العالي وتطوير البنية التحتية للجامعات التونسية.

    قد يهمّك أيضًا: الاقتصاد التونسي.. أبرز الملفات على طاولة قيس سعيد

    أسباب اقتراح القانون: هل يمكن إيقاف نزيف الكفاءات؟

    لفتت النائبة إلى أنَّ اقتراح قانون “الهجرة مقابل المال” جاء في وقت تشهد فيه تونس تزايداً ملحوظاً في هجرة الكفاءات، خاصةً الأطباء والمهندسين الذين تلقَّوا تعليمهم في الجامعات التونسية. وتعتبر المسدي أنَّ هذه الهجرة تؤدي إلى استنزاف الموارد البشرية المؤهلة في البلاد، ما يتسبب في خسائر مالية كبيرة للدولة، حيث تقوم الدولة باستثمار الأموال في تعليم هؤلاء الأفراد دون أن تستفيد من خبراتهم في تنمية البلد.

    ومن جهة أخرى، تؤثر ظاهرة الهجرة سلبًا على جودة الخدمات الصحية والتقنية في تونس، لهذا جاء القانون ليستردَّ جزءًا من تكاليف التعليم العالي من الخريجين الذين يختارون العمل في الخارج، مع تحقيق توازن بين حرية الأفراد في اختيار مكان عملهم وحقِّ الدولة في الاستفادة من استثماراتها في التعليم العالي.

    هل يحل القانون أزمة هجرة الكفاءات؟

    في تعليقه على مشروع القانون، يقول الدكتور محمد بنموسي الخبير الاقتصادي: “بينما يهدف مشروع القانون إلى معالجة قضية هجرة الكفاءات واسترداد جزء من تكاليف التعليم، نجد ردود فعل سلبية تُشير إلى وجود صعوبات في تطبيقه، خاصةً في ظل الظروف الاقتصادية الحالية وتحديات سوق العمل في تونس”.

    كما أوضح أنّ محاولة معالجة أزمة هجرة الكفاءات من خلال فرض تعويضات مالية على خريجي الجامعات الراغبين في العمل خارج تونس تُعَدُّ مقاربة قاصرة من الناحية الاقتصادية؛ لأنّ هذا القانون قد يؤدي إلى نتائج عكسية من خلال تعزيز حالة الإحباط بين الشباب، وثنيِهم عن الاستثمار في تعليمهم أو البقاء في البلاد بعد التخرج.

    وأكَّد الخبير أنَّ الدولة بحاجة إلى استراتيجية شاملة ترتكز على معالجة الأسباب الجذرية للهجرة، مثل تحسين بيئة العمل، وزيادة الرواتب، وتوفير فرص عمل ملائمة داخل تونس، بدلاً من فرض العقوبات. كما يجب أن تكون هناك حوافز لإبقاء الكفاءات داخل البلاد، كإطلاق برامج شراكة مع القطاع الخاص، وتحفيز الاستثمار في الصناعات التي تعتمد على الابتكار.

    “إصلاح المنظومة الاقتصادية في تونس وتهيئة بيئة عمل جاذبة للكفاءات سيكون أكثر فعالية من تطبيق قوانين قد تزيد من التوتر بين الحكومة والشباب الطموح، خاصةً في ظل معدلات البطالة المرتفعة وسوق العمل المحدودة”، وفقًا لبنموسى.

    وقد اتّفق الدكتور مازن إرشيد، الباحث الاقتصادي، مع بنموسى في أنَّ هذا القانون قد يؤدي إلى نتائج عكسية، مشيرًا إلى أهمية إطلاق حوافز لاستبقاء الكفاءات، وتوفير بيئة عمل مشجعة داخل تونس تتيح للكفاءات النمو والتطور، كما صرّح بأنَّ هذا القانون يتجاهل الأسباب الحقيقية لهجرة الكفاءات، مثل البطالة وضعف الرواتب.

    اقرأ أيضا: اقتصاد تونس.. نمو معتدل رغم التحديات الكبيرة

    تحويلات العاملين في الخارج بالعملة الصعبة

    أشار إرشيد إلى أنَّ الدولة تستفيد بالفعل من تحويلات العاملين بالخارج بالعملة الصعبة، والتي تفوق في قيمتها مداخيل قطاعات مثل السياحة، ويرى أنَّ معالجة ظاهرة هجرة الكفاءات يجب أن تركز على تحسين ظروف العمل والرواتب داخل تونس، بدلاً من فرض قوانين قد تؤدي إلى المزيد من الاحتقان.

    وفي سياق متصل، وصف الخبير  القانون بأنّه غير منطقي في ظلِّ الوضع الاقتصادي الحالي، حيث تُعاني تونس من نسب بطالة مرتفعة وسوق عمل محدودة، مؤكدًا أنَّ فرض تعويضات على المهاجرين لا يأخذ في الحسبان ضعف فرص التوظيف محليًا، ويعتبر التعليم المجاني حقًا مكتسبًا لا يمكن تحويله إلى وسيلة لتحصيل الأموال.

    ولفت إلى أنَّ مشروع القانون يعكس فجوة بين صناع القرار وواقع الشباب في تونس، وشدَّد على أن معالجة هجرة الكفاءات تحتاج إلى سياسات طويلة الأمد تشمل الاستثمار في الاقتصاد الوطني، ودعم رواد الأعمال الشباب، وتحسين جودة الحياة العامة.

    يمكن أن نستخلص مما سبق أنَّ الخبراء اتفقوا على أنَّ مشروع القانون المقترح يميل إلى معالجة النتائج بدلاً من الغوص في أسبابها الجذرية، وهم بدورهم يوصون بضرورة إحداث إصلاحات اقتصادية وهيكلية شاملة تهدف إلى تحسين بيئة العمل وتوفير فرص حقيقية للكفاءات، لأنّ هذا النهج من شأنه أن يُسهم في تقليص ظاهرة الهجرة بصورة أكثر استدامة وعدالة.

    هل تهدد ديون الفيدرالي الاستقرار الاقتصادي الأميركي والعالمي؟ اقرأ التقرير الكامل!