يواجه الاقتصاد المصري خلال الفترة الحالية مزيجاً معقداً من التحديات والفرص، في ظل ضغوط داخلية وخارجية تؤثر على مسار النمو الاقتصادي، وقد جاء تقرير وكالة “فيتش” للتصنيف الائتماني ليعكس هذه التحديات بوضوح؛ حيث خفّضت الوكالة توقُّعاتها لنمو الاقتصاد المصري للسنة المالية الحالية، وأبرزت تأثير التوترات الجيوسياسية وتراجع إيرادات قناة السويس كعوامل رئيسة في تباطؤ الأداء الاقتصادي.
ومع ذلك، لم يخلُ التقرير من إشارات تفاؤلية على المدى المتوسط؛ حيث توقَّعت الوكالة أن يشهد الاقتصاد تحسُّناً تدريجياً مع تعافي قطاعات حيوية مثل الملاحة والخدمات والسياحة.
ما هي التحديات التي تواجه الاقتصاد المصري؟
صرّح الدكتور محمد عبد الهادي، الخبير الاقتصادي، أنَّ التقرير الأخير لوكالة “فيتش” يعكس مزيجاً من التحديات والفرص التي يواجهها الاقتصاد المصري خلال الفترة الراهنة، مُشيرًا إلى أنَّ خفض الوكالة توقَّعاتها للنمو في السنة المالية الحالية إلى 3.7% بدلاً من 4.2% يأتي كنتيجة مباشرة لتباطؤ الأداء الاقتصادي في الربع الأخير من السنة المالية السابقة، بالإضافة إلى الضغوط الناجمة عن التوترات الجيوسياسية وتراجع إيرادات قناة السويس.
انخفاض إيرادات قناة السويس
أوضح عبد الهادي في تصريحات خاصة لموقع “Econ-Pedia” أنَّ الانخفاض الحاد في إيرادات قناة السويس، والذي وصل إلى أدنى مستوى له منذ 19 عاماً، يعكس التأثير المباشر للصراعات الإقليمية على التجارة العالمية. وأضاف:”قناة السويس تُمَثِّل أحد أهم شرايين الاقتصاد المصري، وأيّ تراجع في أدائها يؤثر بشكل مباشر على الميزان التجاري وعائدات النقد الأجنبي”.
تزايد الديون وتراجع العملة
أشار الخبير إلى أنَّ ارتفاع تكلفة الاقتراض وتراجع قيمة الجنيه المصري إلى مستويات قياسية، تجاوزت 50 جنيهاً للدولار، يزيد من الضغوط على الاقتصاد، لا سيَّما مع اقتراب استحقاقات ديون كبيرة خلال العامين المقبلين.
اقرأ أيضًا: كيف يتأثر الاقتصاد المصري بعودة السوريين إلى وطنهم؟
التضخم وأسعار الصرف
فيما يتعلّق بتوقعات “فيتش” بانخفاض التضخم إلى 16% بحلول فبراير 2025، اعتبر الدكتور عبد الهادي أنَّ هذا التراجع قد يكون محدود التأثير إذا استمرت زيادات أسعار الوقود والكهرباء، والتي من المتوقع أن تُبقي التضخم أعلى من المستويات المستهدفة من قِبل البنك المركزي.
وأضاف: “مرونة سعر الصرف أحد العوامل الرئيسة التي تُبقي الاقتصاد تحت ضغط، ويٌفترض في ظل الظروف الحالية أن تتم إدارة هذه السياسة بحذر لضمان استقرار الأسواق”.
فرص نمو الاقتصاد المصري رغم التحديات
رغم التحديات، أبدى الدكتور عبد الهادي تفاؤلاً حذراً بشأن آفاق الاقتصاد المصري على المدى المتوسط، مشيرًا إلى أنَّ توقعات “فيتش” بارتفاع النمو إلى 5.1% في السنة المالية 2026/2025 تُعد مؤشراً إيجابياً إذا تم استغلال الفرص المتاحة بشكل جيد. كما أكَّد أنَّ عودة الملاحة في البحر الأحمر إلى طبيعتها وتحسُّن أداء قطاع الخدمات يُمكن أن يكونا عاملين محوريين لدفع عجلة الاقتصاد.
وفي هذا السياق، بيّن عبد الهادي أنّ “قطاع السياحة أظهر مرونة استثنائية رغم التوترات الإقليمية، وهو ما يجب أن يُبنى عليه في الفترة المقبلة لدعم عائدات النقد الأجنبي وتعزيز الاستثمارات في هذا القطاع الحيوي”.
ومن ناحية أخرى، أوضح الخبير أنّ تقادم حقول النفط والغاز يُمثل تحدياً كبيراً أمام قطاع الطاقة، وهو ما يتطلب تسريع الاستثمارات وتشجيع الاكتشافات الجديدة لتقليل الاعتماد على واردات الطاقة.
كما أكَّد أنَّ الاقتصاد المصري يحتاج إلى خطة متكاملة للتعامل مع التحديات الحالية والاستفادة من الفرص المستقبلية، مُشددًا على أهمية تعزيز الشفافية الاقتصادية وتشجيع الاستثمارات الأجنبية، مع ضرورة التركيز على تحسين أداء القطاعات الإنتاجية، مثل الصناعة والزراعة، لتحقيق نمو مستدام.
وختم حديثه قائلاً: “المرحلة القادمة تتطلب سياسات اقتصادية متوازنة تُعالج التحديات قصيرة المدى دون إغفال أهمية بناء أساس قوي للنمو على المدى البعيد”.
انعكاسات الخفض على سمعة مصر الائتمانية
من جانبها، أشارت ندى حسن، الخبيرة الاقتصادية، إلى انعكاس القرار على سمعة مصر الائتمانية، فخفض التوقعات قد يؤدي إلى تزايد حذر المستثمرين الأجانب، مما يقلل من تدفق رؤوس الأموال إلى السوق المصرية.
وأوضحت في تصريحات خاصة لموقع “Econ-Pedia” أنّ هذا الخفض يضع ضغوطاً إضافية على الحكومة المصرية لمواصلة تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية المتفق عليها مع صندوق النقد الدولي، مثل تحسين مناخ الأعمال وتحرير أسعار الصرف، بخلاف ارتفاع تكلفة الاقتراض الحكومي في الأسواق الدولية، مما يزيد من أعباء الدين العام.
وأضافت أنَّ “خفض توقعات وكالة فيتش لنمو الاقتصاد المصري يعكس الحاجة إلى تسريع تنفيذ إصلاحات هيكلية لتعزيز قدرة الاقتصاد على مواجهة التحديات الخارجية”، مؤكّدةً أنَّ “تنويع مصادر النقد الأجنبي وزيادة الصادرات سيكونان عنصرين أساسيين لدعم النمو خلال الفترة القادمة”.
وأخيرًا، اختتمت الخبيرة تصريحاتها مشددةً على ضرورة النظر إلى قرار فيتش كتحذير لتعزيز الشفافية وتحسين كفاءة السياسات الاقتصادية، لضمان استعادة ثقة الأسواق المالية الدولية”.
تأثير الخفض على الإصلاحات الاقتصادية
يأتي خفض توقعات النمو الاقتصادي في وقت حساس بالنسبة لمصر، حيث تعمل الحكومة على تنفيذ إصلاحات طموحة لمواجهة التحديات الاقتصادية. ومع ذلك، فإنَّ تحقيق أهداف النمو يتطلب تسريع وتيرة الإصلاحات ودعم القطاعات الإنتاجية لخلق بيئة اقتصادية أكثر استقراراً وجاذبية للاستثمار.
علمًا أنّ وكالة “فيتش” للتصنيف الائتماني خفّضت توقعاتها لنمو الاقتصاد المصري للسنة المالية الحالية من 4.2% إلى 3.7%، ويأتي هذا التعديل على خلفية الأداء الأضعف من المتوقع في الربع الأخير من السنة المالية السابقة؛ حيث أشارت “فيتش” في تقريرها الأخير إلى أنَّ الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لمصر شهد تباطؤاً ملحوظاً في الربع الأخير من السنة المالية 2023/2024، مسجلاً نمواً بنسبة 2.4% فقط مقارنة بالتقديرات الحكومية الأولية التي بلغت 4%.
ويرجع هذا التراجع إلى الصراعات الإقليمية، التي أثرت على حركة الملاحة في البحر الأحمر وقناة السويس، مما أدى إلى تراجع إيرادات القناة لأدنى مستوياتها خلال 19 عاماً. ووفقاً لبيانات البنك المركزي المصري، سجَّلت إيرادات قناة السويس نحو 870 مليون دولار في الربع الثاني من عام 2024، بانخفاض 65% مقارنةً بالفترة نفسها من العام الماضي، مع انخفاض في عدد السفن العابرة للقناة بنسبة تقارب النصف.
قد يهمّك أيضًا: كيف تدعم صفقة رأس بناس الاقتصاد المصري؟
انخفاض قيمة العملة وتوقعات التضخم
شهدت العملة المصرية انخفاضاً تاريخياً، متجاوزة حاجز 50 جنيهاً مقابل الدولار، وهو ما أثار تساؤلات حول استقرار سعر الصرف في ظل اتفاق مصر مع صندوق النقد الدولي. وفي هذا السياق، صرَّح رئيس الوزراء مصطفى مدبولي أنَّ حركة العملة ضمن نطاق ±5% تعتبر طبيعية وفقاً لآليات العرض والطلب.
ومن جهة أخرى، توقَّعت “فيتش” تراجع معدل التضخم السنوي إلى 16% بحلول فبراير 2025 بفضل تأثيرات سنة الأساس، إلّا أنَّ زيادات أسعار الوقود والكهرباء قد تُبقي معدلات التضخم أعلى من النطاق المستهدف للبنك المركزي المصري البالغ 5%-9%.
الحساب الجاري والديون
توقعت “فيتش” تقلص عجز الحساب الجاري لمصر من 6.8% من الناتج المحلي الإجمالي في السنة المالية 2023/2024 إلى 4.8% في السنة الحالية، و3.8% في السنة المالية 2026/2025، إلّا أنّ مصر تواجه تحديات في سداد ديون مستحقة تصل إلى 15 مليار دولار خلال العامين المقبلين، ما يتطلب تغطية هذا العجز عبر إصدار ديون جديدة وزيادة الاستثمارات الأجنبية المباشرة.
أزمة الطاقة
شهد قطاع النفط والغاز في مصر تحديات تتعلق بتقادم الحقول، وتأخُّر الاستثمارات، ونقص الاكتشافات الجديدة، مما أدى إلى انخفاض الإنتاج وزيادة الاعتماد على واردات الهيدروكربونات لتلبية الاحتياجات المحلية.
الدولار يتجاوز 50 جنيهًا: اطّلع على أبرز الأسباب والتداعيات على الاقتصاد المصري
تفاؤل وكالة فيتش: توقعات إيجابية على المدى المتوسط
رغم التحديات الراهنة، أبدت “فيتش” تفاؤلاً حذراً بشأن آفاق الاقتصاد المصري على المدى المتوسط؛ حيث توقعت أن يسجل الاقتصاد المصري نمواً بنسبة 5.1% في السنة المالية 2026/2025، وتعزى هذه التوقعات الإيجابية إلى سيناريو عودة الملاحة في البحر الأحمر إلى طبيعتها، إلى جانب تحسن أداء قطاع الخدمات، وانخفاض التوترات الجيوسياسية.
ومن ناحية أخرى، يُتوقع أن تساهم تكاليف الاقتراض المخفضة في جذب الاستثمارات الأجنبية وتعزيز النشاط الاقتصادي المحلي، فضلًا عن أنّ قطاع السياحة المصري أظهر مرونة ملحوظة رغم التحدّيات الراهنة، حيث استقبلت البلاد 7.1 مليون سائح في النصف الأول من عام 2024، وهو عدد مماثل تقريباً لما تحقق في 2023.
ومن جهتها، تتوقع “فيتش” أن تشهد الصادرات غير النفطية نمواً مدعوماً بانخفاض قيمة العملة المحلية، ما يعزز تنافسية المنتجات المصرية في الأسواق العالمية.
وعلى الرغم من أنّ الاقتصاد المصري يواجه تحديات كبيرة على المدى القصير، إلَّا أنَّ توقعات “فيتش” تشير إلى آفاق إيجابية على المدى المتوسط، مدعومةً بتحسُّن ظروف الملاحة والاستقرار الجيوسياسي، وزيادة تنافسية الصادرات، واستمرار مرونة قطاع السياحة.
اقرأ المزيد: ضربة غير متوقعة من فيتش لاقتصاد مصر
